المدينة المنورة … والحصار الأخير
تاريخ الحملة الصليبية ودولها الوظيفية في المنطقة العربية...

نظرات في السيرة النبوية
جميع حلقات نظرات في السيرة النبوية في صفحة واحدة ...

رأي الأسبوع
مصطلح "الدولة" بين المفهوم التاريخي والثقافة المعاصرة ... الدولة الحمدانية نموذجا

مصطلح "الدولة"

بين المفهوم التاريخي

والثقافة المعاصرة

 

الدولة الحمدانية نموذجا

 

بقلم: أ.د. حاكم المطيري

 

ليست هناك دولة حمدانية -كما ذكر الشيخ حسن الكتاني في منشوره بتاريخ 17 رمضان 1447هـ الموافق 6 مارس 2026م بقوله: "الدولة الحمدانية في القرن الرابع الهجري تأسست في حلب والموصل وكانت تتاخم الروم وكانت دولة شيعية اثني عشرية.."- بل إمارة في الموصل ثم في حلب تتبع للخلافة العباسية وهي السلطة الأعلى في دولة الإسلام، وقد كان الخليفة المعتضد العباسي كلف الحسين بن حمدان بقتال القرامطة في الشام، تحت قيادة محمد الكاتب، فهزمهم، فأكرمه المعتضد، وكذا كلفه بحربهم الخليفة المكتفي بالله العباسي تحت قيادة محمد الكاتب، ثم كلفه بالمشاركة في استعادة مصر من ابن طولون، فاستعادوها، وأراد أن يوليه مصر فاعتذر ليظل مع الخليفة، ثم ولى الخليفة المكتفي أخاه أبا الهيجاء عبدالله بن حمدان الموصل سنة ٢٩٣، وولى المقتدر العباسي الحسين بن حمدان على ديار ربيعة وكلفه بحرب الروم .

‏ثم اعتقلهما بعد أن أثارا الفتن وسجنهما، وسجن كل بني حمدان، ثم عفا عن أبي الهيجاء وأخيه إبراهيم، وقتل أخاهما الحسين بن حمدان!

‏ثم ولى الخليفة المقتدر سنة ٣١٧ الحسن بن أبي الهيجاء على الموصل بعد وفاة أبيه.

‏وكان كلفه بحرب الروم فانتدب أخاه سيف الدولة الذي هزم الروم وكان يرسل بالأسرى والغنائم إلى بغداد!

‏وقد لقب الخليفة العباسي المتقي لله الحسن بن حمدان بلقب "ناصر الدولة" يعني الدولة العباسية!

‏كما لقب أخاه علي بن حمدان "سيف الدولة" فهو سيف للدولة العباسية تابع لها لا سيف دولة أخرى!

‏قال ابن العديم (لقبه المتقي لله بهذا اللقب، وهو ثاني من لقب في الدولة. ولقب أخاه أبا الحسن سيف الدولة، وولي ناصر الدولة إمارة الأمراء ببغداد وواسط في سنة ثلاثين وثلاثمائة).

‏كما قال المتنبي فيه:

‏فوا عجبا من دائل أنت سيفه

‏أما يتوقى شفرتي ما تقلدا

‏قال الواحدي في شرح ديوانه (يريد بالدائل صاحب الدولة يعني الخليفة).

‏وكان أبو العلاء سعيد بن حمدان من رجال الخليفة المقتدر العباسي وهو الذي ولاه كما في خبره سنة ٣١٨هـ: (كان أبو العلاء سعيد بن حمدان ملازما بغداد، وخاصا بحضرة المقتدر، فكانت أكثر مواقفه على بابه، وكانوا [الزنج] في بعض الأوقات ساروا إلى قصر المقتدر مشغبين عليه، فهزموا محمد بن ياقوت والحجرية والساجية، وكان أبو العلاء بن حمدان في دار المقتدر على غير أهبة، فأمره بالخروج إليهم ودفع إليه جوشن المعتضد بالله، ودرع وصيف الخادم، فظاهر بينهما، وخرج مع من حضر من غلمانه، فضرب فيهم بالسيف، وغشوه من كل جانب، وأثخنوه بالجراح، فثبت حتى هزمهم..).

‏وقد ولى المقتدر أبا سعيد بعد ذلك سنة ٣١٩ ملطية ثم الموصل، ثم وليها لابنه الراضي العباسي، وغزا الروم واشتهر أمره، وفيه يقول ابنه أبو فراس الحمداني:

‏ أولئك أعمامي ووالدي الذي

‏حمى جنبات الملك والملك شاغر

‏يعني حمى ثغور الدولة الإسلامية والخلافة العباسية من الروم حين شغرت واضطربت.

‏وقال عنه ابن خالويه: (ومآثر أبي العلاء أكثر من أن تحصى، وهو الذي ضمن عن بني البريدي ستمائة ألف دينار ثم أمرهم بالهرب، ودارى السلطان عنهم حتى صلح أمرهم، وأقرهم على أعمالهم فما دخلوا مدينة السلام إلا مالكيها..).

‏فهؤلاء أشهر بني حمدان كانوا من رجال الخلافة العباسية وقادة جيوشها وولاتها فغزوهم الروم كان في ظل الخلافة العباسية وتحت ولايتها لا استقلالا.

‏ ولم يذكر أحد من المؤرخين قديما أنهم إمامية اثني عشرية! وإنما يذكرون ميلهم إلى التشيع وهو تشيع سياسي كان موجودا في خلفاء بني العباس أنفسهم كالمأمون والناصر وغيرهم!

‏وهو كتشيع أبي العتاهية: (يقول بالوعيد، وبتحريم المكاسب على مذهب الزيدية، وكان يتشيع لآل رسول الله غير أنه لم يكن يتنقص أحدا من أصحاب رسول الله ، ولا من أمهات المؤمنين رحمهن الله، ولم يكن يرى الخروج على السلطان..).

‏ولهذا كان قضاة حلب والموصل زمن بني حمدان هم فقهاء السنة الذين يوليهم قاضي القضاة في بغداد!

‏وقد رثى أبو الحسن الأنباري الوزير محمد بن بقية وزير معز الدولة بن بويه الذي قتله عضد الدولة وصلبه فقال فيه:

‏علو في الحياة وفي الممات

‏لعمرك تلك إحدى المعجزات

‏ثم قال في صلبه يشبهه بزيد بن علي

‏ركبتَ مطيةً من قبلُ زيدٌ

‏علاها في السنين الماضيات

‏وتلك قضية فيها تأسٍّ

‏تباعد عنك تعيير العداة

‏وكانت الزيدية أشهر مذاهب الشيعة آنذاك وكانوا يرون شرعية الخلافة العباسية؛ لأن مذهبهم صحة ولاية المفضول مع وجود الفاضل، ويرون الجهاد في سبيل الله، بخلاف الشيعة الإمامية الاثني عشرية لا يرون شرعية أي سلطة أصلا ولا الجهاد معها؛ لأنهم لا يرون صحة ولاية أحد إلا الإمام المهدي، حتى قامت الدولة الصفوية وتبلورت نظرية ولاية الفقيه ونضجت في العصر الحديث في إيران .

‏وإذا أطلق قديما لفظ الشيعة أريد به الزيدية بينما الإمامية يراد بها الإسماعيلية كما جاء عن ابن الحطيئة المغربي أنه أريد منه أن يكون قاضيا للفاطميين على (مذهب الإمامية) فأبى وكان يرد بحضرة داعي الدعاة الفاطمي بمصر على (الشيعة والروافض والإسماعيلية).

ولفظة "الدولة" قديما تطلق ويراد بها الفترة والمدة الزمانية في تولي السلطة أو المشاركة فيها، لا المعنى الاصطلاحي للدولة اليوم الذي يطلق على كيان سياسي يشمل الأرض والشعب والسلطة ولها حدود وملوك!

‏فجاء المعاصرون تحت سطوة الثقافة الغربية ونظرتها الاستشراقية للتاريخ الإسلامي، وتأكيدها عدم وجود خلافة واحدة للمسلمين! وأنهم كانوا عبر عصورهم دولا مقسمة لإضفاء الشرعية على دويلاتهم الوظيفية اليوم!

‏فأخذوا يقررون في مناهج التعليم في كتب التاريخ والجغرافيا ما يرسخ هذه الفكرة الغربية فرسموا خرائط كل دولة وتاريخ ملوكها! بينما كانت كلها دولة واحدة، لأمة واحدة، على أرض واحدة، وخلافة واحدة!

‏فالدولة قديما تطلق على فترة تولي السلطة، كدولة بني أمية، ودولة بني العباس، مع أن الدولة التي تناوب عليها الفريقان دولة واحدة، وهي دولة الإسلام وخلافته وأرضه وأمته!

‏والدولة لغة تعني التناوب والتداول للشيء كما قال تعالى ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾!

‏فيراد بها تاريخيا التناوب والتداول للسلطة أو المشاركة فيها والفترة الزمنية لهذا التداول!

‏وتطلق الدولة أيضا على مدة السلطنة تحت الخلافة، كدولة بني بويه، وعلى مدة الإمارة كدولة بني حمدان، وعلى مدة الوزراة كدولة ابن الفرات!

‏كما قال الذهبي في السير ٢/ ٦٠١: (كانوا يمنعون من الإكثار من الحديث في دولة عمر).

‏فدولة عمر هي فترة حكمه ومدته!

‏وقال عن جد ابن إسحاق صاحب السيرة ٧/ ٣٣: (وكان جده يسار من سبي عين التمر، في دولة خليفة رسول الله..).

‏يعني في فترة خلافة أبي بكر الصديق.

‏وقال عن بشير بن كعب ٤/ ٣٥١: (شاعر كان في دولة معاوية).

‏وقال في العبر ٣/ ١٨٦: (والناصر أطول بني العباس خلافة، كما أن الناصر لدين الله الأموي صاحب الأندلس أطول بني أمية دولة، وكما أن السلطان سنجر بن ملكشاه أطول بني سلجوق دولة)، وقال عنه أيضا في السير ٢٢/ ١٩٣ (ولم يل الخلافة أحد أطول دولة منه)

‏فالدولة وطولها هنا المدة والفترة الطويلة لا الدولة بالمفهوم المعاصر!

‏وأوضح منه قوله في السير ١٤/ ٣٥٦ عن "دولة" الوزير ابن الفرات وزير الخليفة المقتدر العباسي وعزله بالوزير حامد الخرساني، فقال عن حامد (كان ذا شجاعة وإقدام، ونقض وإبرام.

‏قال الصولي: تقلد أعمالا جليلة مدة في دولة ابن الفرات، فكان يعمر..

‏فعزل المقتدر ابن الفرات بحامد في سنة ست وثلاث مائة، فقدم في أبهة عظيمة، ودبر الأمور، فظهر منه نقص في قوانين الوزارة وحده، فضموا إليه علي بن عيسى الوزير، فمشى الحال)!

‏فقوله: "تقلد أعمالا مدة في دولة ابن الفرات" يعني في فترة وزارة ابن الفرات للخليفة المقتدر، ولم يمنع ذلك المقتدر من عزل ابن الفرات واستبدال الوزير حامد به ولم تمنعه دولته من العزل!

‏فلا يمكن فهم هذه العبارات إلا بفهم طبيعة النظام السياسي للدولة في الإسلام، وكيف تحول من دولة وخلافة مركزية، إلى خلافة غير مركزية فوجد في "الأحكام السلطانية" نظام الوزارة، والسلطنة، والإمارة، وكلها ولايات سياسية تحت نظام الخلافة، ولكلٍ صلاحياته، وقد يكون الوزير أحيانا أقوى نفوذا من الخليفة، كما كان البرامكة قبل النكبة، وأحيانا يكون السلطان أقوى نفوذا، وأحيانا يكون أمير ولاية من الولايات أوسع نفوذا في العاصمة من الخليفة أو الوزير أو السلطان، كما هو مشاهد في الدول المعاصرة وحكوماتها، فقد يكون أحد الوزراء أقوى نفوذا في إدارة شئون الدولة من الرئيس أو الملك أو الأمير، إما لكفاءته، أو لقوة شخصيته، وضعف شخصية الملك، أو عدم كفاءته، أو ميله للهو وتفويض وزيره بالأمور، دون أن ينفي ذلك وجود الملك وصلاحياته التي تخلى عنها لوزيره!

‏وكذا كان الحال في الخلافة العباسية غير المركزية حتى عادت الخلافة مركزية في الدولة العثمانية!

‏ومما يؤكد ذلك أن ناصر الدولة الحمداني ومعز الدولة البويهي شاركا جميعا في إدارة الدولة والسلطة في بغداد في فترة واحدة، فكانت الخلافة عباسية، والسلطنة بويهية، والإمارة حمدانية، والوزارة فراتية، والدولة واحدة!

‏وكان ناصر الدولة الحمداني، ومعز الدولة البويهي يتنافسان على السلطة في بغداد!

‏كما قال الذهبي ١٦/ ١٨٦ (وكانت دولة ناصر الدولة [الحمداني] بضعا وعشرين سنة، وكان يداري بني بويه).

‏وقال بعده عن أخيه سيف الدولة (صاحب حلب، مقصد الوفود، وكعبة الجود، وفارس الإسلام، وحامل لواء الجهاد، كان أديبا مليح النظم، فيه تشيع).

‏وقال عنه :(وكانت دولته نيفا وعشرين سنة، وبقي بعده ابنه سعد الدولة في ولاية حلب خمسا وعشرين سنة).

‏فحلب ولاية تابعة للخلافة العباسية في بغداد، ولاّهم عليها الخليفة العباسي نفسه وكانوا رجال دولته!

‏وقال عن معز الدولة البويهي ١٦/ ١٩٠ (وكان يتشيع، فقيل: تاب في مرضه، وترضى عن الصحابة، وأراق الخمور، وندم على ما ظلم).

‏وعبارة (يتشيع) تطلق على من له ميل سياسي بخلاف وصف (كان شيعيا)!

ولا يُعد وصف أمير أو وال بأنه يتشيع وصفا للبلد كلها فضلا عن وجود دولة شيعية!

وكذا وصف وال أو أمير عباسي بالرفض -وهو الطعن بالصحابة الذين خالفوا عليا- لا يقتضي وجود مذهب ولا دولة غير الخلافة العباسية! فقد رُمي الخليفة العباسي نفسه الناصر لدين الله بذلك وغيره من الخلفاء والأمراء! 

فإن وجدت مؤرخا قديما موثوقا نص على أن هناك دولة حمدانية على مذهب الإمامية الاثني عشرية كالفاطمية الإسماعيلية فلا مشكلة، وأما الاستناد على ألفاظ مثل (يتشيع)، ويميل للإمامية، أو فيه رفض، فهذه لا تدل على أكثر من رأي يميل له، لا عن دولة ومذهب كما كان حال الفاطميين الذين فرضوا مذهب الإمامية الإسماعيلية على مصر اعتقادا وفقها وقضاء ونازعوا الخلافة العباسية الإمامة العامة فما زال المسلمون يجاهدونهم حتى أسقطوهم وأزالوا دولتهم وأعادوها خلافة عباسية واحدة، كما فعل السلطان صلاح الدين الأيوبي في مصر، وقبله السلطان يوسف بن تاشفين في المغرب، والمعز بن باديس في أفريقيا الذين أرسلوا بالبيعة للخلافة ببغداد للتأكيد على وحدة الدولة والأمة والخلافة!

ولا حجة فيما ذكره بعض المعاصرين كمحمد جواد مغنية بلا دليل إلا تلقف عبارة من هنا وهنا بلا تحقيق، ولا تفريق بين لفظ (يتشيع) ولفظ (الشيعة)، ولفظ (الإمامية)؛ لإثبات أن هناك دولة حمدانية لا تتبع للخلافة العباسية! وتتمذهب بالإمامية الاثني عشرية، وتقيم الجهاد في سبيل الله، وهو ما يناقض مذهب الاثني عشرية قديما أصلا وفرعا الذي يقوم على نظرية المهدي وانتظاره وعدم صحة ولاية من سواه وعدم صحة الجهاد مع غيره، بخلاف غيرهم من الشيعة والإمامية!

بل لقد أُطلق وصف (يتشيع) على كثير من الأئمة وعلماء السنة، وقد قال العجلي عن الإمام الشافعي نفسه بأنه (ثقة كان يتشيع)، فرد عليه الذهبي فقال: (يوهم التشيع لقوله:

إن كان رفضا حب آل محمد

فليشهد الثقلان أني رافضي

قال الذهبي: وكذا تكلم فيه بالتشيع بعض كبار المالكية لموافقته الشيعة في مسائل فروعيه أصابوا فيها، ولم يبتدعوا بها، كالجهر بالبسملة، والقنوت في الصبح، والتختم في اليمين، وهذا قله ورع وتسرع إلى الكلام في الإمام! فالشافعي رحمه الله أبعد شيء من التشيع كيف؟ وهو القائل فيما ثبت عنه: الخلفاء الراشدون خمسة أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز، أفشيعي يقول هذا قط)!

وقال في تاريخ الإسلام ١٤/ ٣٣٨: (ومعنى هذا التشيع حب علي وبغض النواصب… أما من تعرض إلى أحد من الصحابة بسب فهو شيعي غال..).

وهذا تعريف من الذهبي لمصطلحاته!

وكذا قال العجلي عن أبي أحمد الزبيري شيخ الإمام أحمد: (ثقة كان يتشيع).

وكذا قال الذهبي عن ابن الفحام المقرئ السامرائي: (وكان فقيها على مذهب الشافعي، فاضلا، وكان يتشيع).

وكذا وصف بالتشيع النسائي وعبد الرزاق الصنعاني وغيرهم من أئمة الحديث والسنة فلم يفهم أحد من ذلك نسبتهم إلى التشيع المذهبي فضلا عن الإمامي الاثني عشرية!

وقد ذكرتُ ما يدل على شيوع إطلاق لفظ التشيع في القرن الثالث على الزيدية، والإمامية على الإسماعيلية، وكان التنافس السياسي الشيعي آنذاك هو بين هذين الفريقين، وقد استطاعا انتزاع بعض الأقاليم من الخلافة العباسية في بعض الفترات، ولم يكن الاثنا عشرية آنذاك قد بلوروا نظرية سياسية، إلا الانتظار للمهدي الغائب في سرداب سامراء، وكانوا لا يرون صحة ولاية غيره، فضلا عن الجهاد معه! ولهذا دخلوا عزلة سياسية فترة تاريخية طويلة، حتى قامت الدولة الصفوية في إيران في القرن الهجري العاشر، وظهرت بوادر نظرية ولاية الفقيه سياسيا حتى تطورت في العصر الحديثة بقيام الجمهورية في إيران.

وأما ما ذكره جواد مغنية من هجرة بعض علماء الشيعة إلى حلب وإكرام سيف الدولة لهم، فلا دليل فيه، إذ كان الخلفاء العباسيون أنفسهم فضلا عمن دونهم من ولاتهم لا يفرقون بين أهل العلم على اختلاف مذاهبهم، ولم تكن العصبية المذهبية آنذاك كما هي اليوم، بل كانت مساجدهم فضلا عن مجالسهم، تضمهم جميعا، ولم يعرف المسلمون هذا الافتراق في المساجد والمدارس والمعاهد، إلا في القرون المتأخرة.

وكان العلماء من كل مذهب يرتادون مجلس سيف الدولة، ويكرمهم، وكان ابن خالويه من خاصته وهو حنفي سني، قال عنه الذهبي في تاريخ الإسلام: (قدم الشام وصحب سيف الدولة بن حمدان، وأدب بعض أولاده، ونفق سوقه بحلب، واشتهر ذكره، وقصده الطلاب من الآفاق، وكان صاحب سنة)، وكان القضاة في الموصل وحلب وكل أقاليم الخلافة العباسية يتولون القضاء من قاضي القضاة في بغداد.

 

براءة أبي فراس الحمداني:

أما ما يستشهد به من شعر أبي فراس -والذي لا يصلح على فرض صحته في نفي تبعية بني حمدان للخلافة العباسية فهم سيوف دولتها ورجالها كحال بني بويه ولا في إثبات وجود دولة إمامية تتبنى هذا المذهب المزعوم- فهو شعر منحول عليه! لا يحتاج كبير جهد لمعرفة ذلك من لديه أدنى معرفة بالشعر وتذوقه!

فلكل شاعر روح وبصمة تطبع شعره بطابعه، ولهذا لم يذكره الثعالبي في "يتيمة الدهر" ولا القيرواني في "زهر الآداب" وذيله، ولا أحد من أدباء الشيعة المتقدمين، ولو كان في ديوانه الأصلي لطاروا به! وإنما هي زيادات موضوعة إذ ليس له ديوان محفوظ، وبين نسخه اختلاف مذهل كما يقول محققه د جمعة!

ولا يصدق عليه أنه شعر بل نظم ديني ركيك اللفظ ضعيف المعنى من صناعة المتأخرين!

وقد قال الثعالبي عن شعره في "يتيمة الدهر" ١/ ١١٢: (قد أطلت عنان الاختيار من محاسن شعر أبي فراس، وما محاسن شيء كله حسن؟ وذلك لتناسبها وعذوبة مشارعها..).

وقال أيضا عن التزوير عليه ١/ ١١١: (حكى بديع الزمان أبو الفضل الهمذاني قال: قال الصاحب أبو القاسم يوما لجلسائه وأنا فيهم، وقد جرى ذكر أبي فراس: لا يقدر أحد أن يزور على أبي فراس شعرا!

فقلت ومن يقدر على ذلك؟ وهو الذي يقول:

رويدك لا تصل يدها بباعك

ولا تغز السباع إلى رباعك

ولا تعن العدو علي إني

يمين إن قطعت فمن ذراعك

فقال الصاحب: صدقت!

قلت: أيد الله مولانا قد فعلت [يعني زورت عليه]، ولعمري إنه قد حسن، ولكن لم يشق غبار أبي فراس)!

وقد أصاب محقق ديوانه د. حسين جمعة في مقدمته وقوله عن هذه القصائد المكذوبة عليه: (أما قصيدته "الهائية" في الثناء على آل البيت عليهم السلام التي وردت في مخطوطة (أخ) المنسوخة في (٦) رجب ۱۲۰۲هـ فإن الظن يذهب بنا إلى عدم الاطمئنان إلى كثير من أبياتها لأن نسخ الديوان: (ك ت/ ح/ ك م / دك) لم تروها كما أن أسلوب عدد غير قليل من أبياتها يغاير أسلوب أبي فراس، فهو يشي بنمط من الإخبار والتبرك بالأئمة فقط وبصفاتهم وفق أسلوب العامة، فضلاً عن أن الثعالبي في "يتيمة الدهر " لم يشر إليها، وانتهج منهجه "ذيل زهر الآداب"، وطبعة دار صادر، وطبعة منشورات الشريف الرضي، ولذا كان الملحق أليق بها).

وقال أيضا عن إحدى نسخ ابن خالويه الملفقة ص ٢٥: (وفيها زيادة في أشعار أخرى لم يرد إلا فيها. وتظل مزيتها أنها أشعار مروية عن ابن خالويه وإن كان لنا رأي في بعض رواياتها وأشعارها المنسوبة إلى أبي فراس ففيها غير قليل من المصنوع، والمنحول عليه).

وقال أيضا: (ويعد باب الشعر المنحول المنسوب إلى أبي فراس أوسع الأبواب في الاضطراب؛ ويليه الشعر المنسوب إليه؛ وهو لغيره. وهو –حتمًا– يؤدي إلى التفاوت في المستوى الفني لأي شعر يصاب به).

وقال أيضا: (ولولا الهبوط في المستوى الفني للشعر الموثق أحياناً لانكشف أمر المنسوب إلى الشاعر أو المنحول عليه بشيء من الدراية والتأمل، حسب ما نراه في مقطعة نسبت إلى أبي فراس في الثناء على آل البيت، وهو بريء منها، لضعف مستواها الفني، وانحدارها عما له في هذا الباب، وهو قوله:

شافعي أحمدُ النَّبي ومولاي

علي والبنتُ والسبطان

وعلي وباقِرُ العِلْم الصَّادق

ثم الأمين بالتبيان)!

وأضيف أنا على ما ذكره جمعة بأن هذا النظم الديني شبيه بنسج الفضل الطبرسي المتوفى سنة ٥٤٨ حيث يقول كما في تاريخ بيهق ص ٤٣٨:

 (إلهي بحق المصطفى ووصيه

وسبطيه والسجاد ذي الثفنات

وباقر علم الأنبياء وجعفر

وموسى نجي الله في الخلوات

وبالطهر مولانا الرضا ومحمد

تلاه علي خيرة الخيرات

وبالحسن الهادي وبالقائم الذي

يقوم على اسم الله بالبركات

أنلني إلهي ما رجوت بحبهم

وبدل خطيئاتي بهم حسنات).

والمريب أن أقدم نسخة لديوان أبي فراس بتاريخ ٥٤٨؟

وأشد ركاكة وضعفا من تلك النونية القصيدة اليائية المنحولة عليه كذبا:

لست أرجو النجاة من كل ما

أخشاه إلا بأحمد وعلي

فعلامات الوضع تلوح عليها وهي نظم ديني متأخر تكرر فيه اسم علي في كل قافية أبيات القصيدة!

بينما جاء ما يناقضها في نسخة أخرى للديوان:

(هذا آخر ما وجد من شعر أبي فراس:

انظر لضعفي يا قوي

وكن لفقري يا غني

أحسن إلي فإنني

عبد إلى نفسي مسيّ).

 

وانظر لقوله في التوحيد:

إذا كان غير الله للمرء عدة

أتته الرزايا من وجوه الفوائد

 

وقوله:

إنا إلى الله لما نابنا

وفي سبيل الله خير السبيل

 

وقوله:

مصابي جليل والعزاء جميل

وظني بأن الله سوف يديل

ومن لم يوق الله فهو ممزق

ومن لم يعز الله فهو ذليل

ومن لم يرده الله في الأمر كله

فليس لمخلوق إليه سبيل

 

وقال وهو في الأسر:

هل تعطفان على العليل

لا بالأسير ولا القتيل

يا فارج الكرب العظيم

وكاشف الخطب الجليل

كن يا قوي لذا الضعيف

 ويا عزيز لذا الذليل

 

وكتب لوالدته وهو سجين:

لولا العجوز بمنبج

ما خفت أسباب المنيه

يا أمتا لا تحزني

وثقي بفضل الله فيه

أوصيك بالصبر الجميل

 فإنه خير الوصيه

 

براءة سيف الدولة الحمداني:

‏لقد ‏كان المستشرق الروسي كراتشكوفسكي أول من روج أسطورة الدولة الحمدانية الشيعية، في دراسته عن ديوان "الوأواء"، وكانت أدلته هي نفسها القصائد الدينية المنحولة لأبي فراس الحمداني! والتي لا شك في تزويرها في القرون المتأخرة عنه، بينما نفي المستشرق الفرنسي موريس كونار في كتابه عن سيف الدولة الحمداني هذه الأسطورة، وأكد تبعية الحمدانيين للخلافة العباسية - كما أجمع عليه المؤرخون المسلمون - وأن تشيع بعضهم لا يعدو كونه تشيعا سياسيا فرديا غير مذهبي!

‏وما ذكره كونار أكثر موضوعية، خاصة أن الخلافة العباسية نفسها كانت أبرز حركات التشيع السياسي ضد بني أمية، وكان العباسيون والعلويون حزبا سياسيا واحدا، حتى إذا نجحت الثورة، وقامت الخلافة العباسية، وأراد العلويون الخروج عليهم بادعاء الأحقية، تصدوا لهم.

‏فلا يتصور أن يولي العباسيون على الموصل ثم حلب ثم ديار ربيعة وجهاد الروم من يتشيع لغيرهم، والصراع في أوجه مع القرامطة في الشام والبحرين، ثم مع الإمامية الإسماعيلية في مصر والمغرب!

‏هذا خلاف منطق التاريخ والسياسية!

‏وكذا حال تشيع بني بويه ولهذا حافظ الفريقان على الخلافة العباسية ضد كل من خرجوا عليها وظل قضاء الدولة وقاضي قضاتها كما هو - منذ ولى هارون الرشيد أبا يوسف - سنيا حنفيا، وكان الاتهام بالتشيع كاف في عزل القضاة فضلا عن الولاة!

‏لقد كان معرفة أن لقب الحسن بن أبي الهيجاء الحمداني "ناصر الدولة" أي العباسية، ولقب أخيه علي "سيف الدولة" أي العباسية، الذي لقبهما به الخليفة المتقي العباسي كافيا في إثبات أنه لا وجود لدولة أخرى تنازعها السيادة تدعى الدولة الحمدانية! بل هما واليان في الموصل وحلب ولاهما عليهما الخلفاء العباسيون بإجماع المؤرخين، كما ولوا آباءهم قبلهما، وكانوا من رجال الخلافة العباسية الأكفاء، ولا يتصور أن يكلف الخليفة المعتضد العباسي عمهما الحسين بن حمدان باستعادة مصر من الإخشيدي تحت قيادة قائد جيوشه محمد الكاتب، ثم يكلفه بالقضاء على فتنة القرامطة في الشام، ثم يوليه الخليفة المقتدر على ديار ربيعة وقتال الروم، ويولي أخاه أبا الهيجاء الموصل إكراما له على خدمته! ثم يولي الحسن بن أبي الهيجاء بعد وفاة أبيه على الموصل، ويولي أخاه سيف الدولة على حلب وقتال الروم، ويطلق عليهما الخليفة المتقي لله لقب "ناصر الدولة" و"سيف الدولة" ليقيما دولة أخرى تنازع الخلافة العباسية الطاعة!

‏هذا ضرب من الجنون لا يتصوره إلا المعاصرون!

‏وانظر اليوم كيف تزور كتب التعليم المعاصر في دول الخليج تاريخ الخلافة العثمانية لتجعل من موظفيها في الأقضية الإدارية - التابعة للولايات العثمانية - ملوكا، ومن بلداتهم الصغيرة آنذاك دولا يمتد تاريخها إلى أربعة قرون بالورق! وكأنه لا وجود للخلافة التي تحكم العالم العربي إلى الحرب العالمية الأولى! 

‏ثم - وهو الأهم - ما الهدف من استدعاء التاريخ الآن على هذا النحو المجتزأ، وصناعة أسطورة وهمية عن دولة حمدانية إمامية اثني عشرية مستقلة تجاهد الروم على فرض صحة ذلك؟

‏فإن كان الهدف جر الأمة لخندق النظام الإيراني وأن حاله حال الدولة الحمدانية المزعومة في حلب أو الفاطمية في مصر فهو قياس فاسد الاعتبار مصادم للواقع!

‏وإذا أمكن للمؤرخين المعاصرين تزوير التاريخ بمثل هذه الأكاذيب وتلفيق أسطورة بعبارة من هنا وقصيدة من هناك! فلا يمكن تزوير الواقع المعاصر الذي عاشته الأمة وشعوبها خلال عشرين عاما من تحالف بين إيران والحملة الصليبية لاحتلال أفغانستان ٢٠٠١ ثم احتلال العراق ٢٠٠٣م ثم التعاون مع الاحتلالين الأمريكي الروسي والنظام العربي الوظيفي للقضاء على ثورات الشعوب العربية في المشرق كله!

‏ولم تكن حربا أهلية أو فتنة بين المسلمين كما يدعي الدجالون بل كان تعاونا إيرانيا مع الغزو الخارجي!

‏وكل ذلك موثق بالصوت والصورة!

‏وما زالت صور ملايين القتلى والمهجرين من ضحايا هذا المشروع الطائفي في العراق والشام واليمن شاهدة على إجرامه وخيانته وأنه لا يقل إجراما عن الحملة الصليبية والمحتل الصهيوني! ولا يقل خيانة للأمة عن النظام العربي الوظيفي الذي سلم دوله وشعوبه وثرواتها للاحتلال الأمريكي الأوربي وحملته الصليبية وقواعدها العسكرية بدعوى حق كل دولة وظيفية باستدعائه والدخول تحت حمايته!

‏ومن يبررون لإيران كل جرائمها بدعوى تقاطع المصالح ويصفون ميليشياتها التي جاءت على ظهر الدبابة الأمريكية البريطانية بالعراق بأنها قوى مقاومة إسلامية! إنما يبررون للنظام العربي الوظيفي كل جرائمه بحق الأمة وشعوبها! بل النظام العربي أحق بوصف المقاومة منها حيث خاض ثلاث حروب ضد المحتل الصهيوني ذهب فيها مئة ألف جندي عربي وهو ما لم تقم به إيران طوال تاريخها كله!

‏وكان يسع الوقوف مع الشعب الإيراني المسلم ضد العدوان الأمريكي الصهيوني دون التسويق للنظام الإجرامي في طهران بمثل هذه المقارنات!