المدينة المنورة … والحصار الأخير
تاريخ الحملة الصليبية ودولها الوظيفية في المنطقة العربية...

نظرات في السيرة النبوية
جميع حلقات نظرات في السيرة النبوية في صفحة واحدة ...

رأي الأسبوع
حماس والمهمة المستحيلة!

حماس والمهمة المستحيلة!

بقلم أ.د. حاكم المطيري

29/ 10/ 1442هـ

10/ 6/ 2021م

وقفت الأمة وشعوبها مع المقاومة الفلسطينية ومع حماس بلا قيد ولا شرط في كل محطات الصراع مع المحتل الصهيوني، ولم يك يخفى على الأمة علاقة فصائل المقاومة بإيران ونظام الأسد وحزب الله منذ ٣٠ سنة، فقد كان وجودها في دمشق طوال ٣٠ سنة كاف في إثبات هذه العلاقة وبدورها الوظيفي للنظام السوري فضلا عن النظام الإيراني! ومع ذلك لم تتخل الأمة عن المقاومة بسبب هذه العلاقة الشيطانية ولم تطلب الأمة قط من هذه الفصائل شيئا أصلا!

وقد كان لدى الأمة وشعوبها وحسها السياسي ووعيها الجمعي طوال تلك العقود ما تفرق به بين ما يسوغ لفصائل المقاومة وما لا يسوغ، وما تعذر به وما لا تعذر به، وكانت هي القوة الحقيقية الضاغطة على حكوماتها الوظيفية في كل محطات الصراع أن تفرط في فلسطين والقدس وحتى عندما تورطت حماس في دخول سلطة أوسلو غضت الأمة طرفها عنها تقديرا لحال الضرورة ومراعاة للخلاف في تقدير المصلحة مع كون ذلك تطبيعا صريحا وقبولا لترتيبات أوسلو وشروطها!

فلم تطلب الأمة من حماس شيئا ولم تكلفها ما لا تستطيع وعذرتها في اجتهادها!

وإنما كل الذي أرادته الأمة وشعوبها اليوم من حماس ألّا تؤذيها بتمجيد قاتليها على الملأ!

فقط عدم الإيذاء على الملأ لم تستطيع حماس فعله تقديرا لأمتها وشعوبها المنكوبة لأنها لا تملك ذلك!

وما أهونه طلبا من الضحية عدم تمجيد قاتليها عندها! وما أشدها من صفاقة تمجيده أمامها من مالك لأمر نفسه!

ومع ذلك لا تستطيع حماس كف أذاها بتمجيد قاتلي شعوب أمتها أمامها، بل وعدّها إياهم شهداء للقدس، ورثائها لهم! حتى حار المتعاطفون مع حماس في أمرها وفي فهم السر في إصرارها على هذا الإيذاء المزري والاستفزاز المخزي؟

فهل هو لعجز الحركة عن كبح جماح ولجم الجناح الإيراني فيها الذي بايع المرشد الإيراني فعلا على التبعية له، والذي بات يتحكم ماليا وعسكريا وسياسيا في قرارها؟

أم بسبب سوء تقديرها لآثار هذه التصريحات شعبيا؟

أم قلة خبرة وسياسية وعدم حنكة وحصافة؟

أم فقدها لقرارها المستقل؟

وكل ذلك فيها وأكثر منه كما هو حال كل الأنظمة العربية الوظيفية وحكومة حماس أحدها منذ دخلت انتخابات أوسلو ٢٠٠٦ وشاركت في السلطة بإشراف المندوب الدولي الرئيس الأمريكي جيمي كارتر -الذي وضع اتفاقية كامب ديفيد- بعد اغتيال كل قيادتها التاريخية وتصفيتهم في الداخل!

وليست صواريخ حماس وحربها مع المحتل الصهيوني بأكثر من حرب حزب الله معه بالصواريخ منذ ٢٠٠٦ وحتى اليوم دون تحقيق أي إنجاز على مستوى تحرير الأرض أو تجاوز الحدود المرسومة! فهي حروب وظيفية تحقق لكل طرف أهدافه داخليا وخارجيا، ويبقى الحال على ما هو عليه بعد الحرب كما هو قبلها!

إلا أن السبب الحقيقي وراء تلك التصريحات هو أنه أُوكل إلى حماس والجهاد الإسلامي مهمة ترميم العلاقة بين محور الممانعة والأمة وشعوبها وقواها السياسية وإعادة تأهيل نظام الأسد وحزب الله شعبيا، واختراق حالة النبذ لهذا المحور الشيطاني، ورفع الحظر الذي فرضته الأمة عليه سياسيا وإعلاميا وثقافيا!

كما نجحت من قبل حماس والجهاد الإسلامي -بعد مذابح حماة ١٩٨٢ وطرابلس ١٩٨٣- حيث استطاع النظام السوري الإجرامي الذي فقد شرعيته وشعبيته آنذاك بعد تلك الجرائم أن يستعيد دوره الوظيفي دوليا بعد رعاية دمشق لهذه الفصائل؛ لتمد من عمره ٣٠ سنة أخرى حتى تحولت سوريا كلها إلى مذابح ومقابر جماعية بعد الربيع العربي!

فحماس اليوم هي من يطلب من الأمة إعادة علاقتها مع نظام الأسد وإيران وحزب الله والحوثي!

ولم يقتصر ذلك على التمجيد الإعلامي والذي وُزّع على كل أطراف المحور، فهنيّة يشكر نظام إيران، والزهار يشكر نظام الأسد، وأبو شمالة يشكر الحوثي، وأسامة حمدان يشكر حزب الله؛ مما يؤكد الهدف التسويقي للمحور وأطرافه!

بل تجاوزه إلى عمل دؤوب لم يتوقف من حماس والجهاد الإسلامي منذ ٢٠١٤م؛ لاختراق كل قوى الثورة العربية في كل الساحات؛ لإقناعها بالدور الإيراني وأهميته وإسلاميته، وبأن الثورة العربية حرائق يجب إطفاؤها!

وهذا ما قالته لنا قيادات حماس صراحة في الدوحة سنة ٢٠١٦ م!

وكان لحماس الدور الأبرز في ربط بعض قوى الثورة المصرية بإيران التي بدأت تمولها وتمول مراكزها وقنواتها!

كما نجحت حماس عبر شبكاتها في سوريا في اختراق قوى الثورة السورية، وإقناع بعضها بالمصالحات مع النظام حتى استعاد النظام أكثر المناطق!

فالمهمة الموكلة اليوم لحماس والجهاد الإسلامي؛ هي المهمة نفسها التي استطاع نظام حافظ الأسد تحقيقها برعايته لهما بعد مذابح حماة وطرابلس وهي:

١- استعادة النظام النصيري الإجرامي لدوره الشيطاني كراعٍ للمقاومة الإسلامية المزعومة برعاية روسية أمريكية!

٢-واختراق الحالة الإسلامية عبر رعاية (المؤتمر القومي الإسلامي) منذ تأسيسه ١٩٩٤م!

إلا أنه هذه المرة ليس على حساب دماء أهل حماة وطرابلس والمخيمات الفلسطينية في لبنان فقط؛ بل على حساب دماء الشعب السوري كله، بل ودماء كل شعوب الربيع العربي؛ ليبقى نظام الأقلية يحكم سوريا بالحديد والنار، وبالمحتل الروسي!   

وهو ما ترفضه الأمة رفضا قاطعا، فما تزال دماء الشعوب العربية تجري في كل ساحات الثورة، والتي كان لمحور الممانعة كما لمحور التطبيع الدور الرئيس في إراقتها وإجهاض حريتها، والاصطفاف مع المحتل الروسي في سوريا والمحتل الأمريكي في العراق والفرنسي في لبنان والأوربي الأمريكي في اليمن؛ لقمع ثوراتها وحراكها الشعبي تماما كما فعل محور التطبيع في مصر والخليج برعاية أمريكية!

فحماس لا تستطيع وقف هذه التصريحات، فالمهمة المطلوبة منها تقتضي منها مثل هذه الحملة الإعلامية التسويقية لمحور الممانعة وأكثر من ذلك! والأمة لن تقبل بعد الثورة العربية العودة لمحاور الشيطان سواء محور الممانعة أو محور التطبيع!

فإن اختارت حماس خندقها مع إيران وبشار -وهو خندق الردة والإلحاد- فهذا شأنها، فللأمة خندقها، ولن تبيع دينها وحريتها وثورتها وجهادها لهذا الخندق الشيطاني من أجل حماس!

ولن تعامل الأمة حماس والجهاد الإسلامي إذا مضتا في هذا الانحياز إلا كما تعامل الأمة نظام إيران ونظام الأسد والحوثي وحزب الله! وليست غزة بأعظم حرمة من دمشق وبغداد وصنعاء وحلب وحماة وحمص! ولا دماء أهلها أعظم حرمة من دماء الأمة وشعوبها التي تقتل وتهجر بالملايين من أفغانستان إلى ليبيا! ولا جهاد الأمة في كل ساحات الصراع مع الحملة الصليبية الصفوية بأقل أهمية وخطورة من جهاد المحتل الصهيوني الذي لا يعدو عن كونه قاعدة من قواعد الحملة الصليبية التي هي العدو الرئيس للأمة وشعوبها!

 ولن تقبل الأمة جعل شعار المقاومة -كشعار التطبيع- دينا إبراهيميا جديدا تمتحن به الأمة وشعوبها! وتنقض به عرى دينها وتوحيدها! ليضم الدين الجديد باطنية بشار وطائفته وباطنية الحوثي وطائفته، وباطنية إيران وميليشياتها، وليصبح شعار المقاومة أصل الدين وقطب رحاه، فمن كان معه فهو الولي والحليف والمجاهد والشهيد، ومن كان ضده؛ فهو العدو والجاهل والخائن لفلسطين!          

فإذا الأمة وشعوبها تفتن بالقرامطة الجدد بشقّيهم: سواء من يجعل التطبيع مع المحتل الصهيوني دينا إبراهيميا يقاتل عليه الأمة ويستحل دماءها وحرماتها ودينها من أجله! ومن يجعل من المقاومة دينا باطنيا يستحل به دماء الأمة وحرماتها وينقض به عرى دينها وتوحيدها وسنة نبيها والولاء والبراء عليه من أجل القرمطية الجديدة!

ولا جهاد حماس بمانع من الحكم عليها بحكم الله ورسوله إن اختارت خندق الردة والانحياز إليه برضاها واختيارها واعتبارها إياه خندق جهاد وشهادة؛ وهو يستحل قتال الأمة وشعوبها مع المحتل الأمريكي في العراق والمحتل الروسي في الشام؛ وهو مما أجمع المسلمون على أنه أوضح صور الموالاة للعدو الكافر، وأن مظاهرته ونصرته على المسلمين كفر وردة بنص الكتاب!

كما قال ابن جرير الطبري في تفسيره (يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، ومن يتولَّ اليهود والنصارى دون المؤمنين، فإنه منهم. يقول: فإن من تولاهم ونصرَهم على المؤمنين؛ فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متولً أحدًا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راضٍ. وإذا رضيه ورضي دينَه، فقد عادى ما خالفه وسَخِطه، وصار حكُمه حُكمَه).

وكما قال ابن حزم في المحلى ١٢/ ٣٣ (وصح أن قول الله تعالى ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51] إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار فقط - وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين).

وقد قالت عائشة -رضي الله عنها- عن زيد بن أرقم حين باع بالعينة وهي نوع من الربا (لقد أبطل جهاده مع رسول الله إلا أن يتوب) فليس قتال المحتل الصهيوني جواز عبور لاقتحام الموبقات وموالاة الطغاة واستباحة المحرمات بدعوى السياسة والمصلحة! وليس حكم المضطر والمكره للتعامل مع نظام إيران وبشار كحكم الراضي والداعي عن إيمان وبيعة للمرشد الإيراني، وعن اعتقاد بأن خندقهما هو خندق مقاومة إسلامية وسبيل شهادة في سبيل الله! ويعمل على دعوة الأمة وشعوبها إليه!

فهذه قرمطية جديدة يأبى الله والمسلمون اقتحامها مرة أخرى -وقد نجاها الله منه بالثورة العربية- بذريعة الاستضعاف وعدم الحيلة والحصار حتى يجعل لله لها من كلا العدوين الحملة الصليبية والصفوية، وكلا الخندقين التطبيع والممانعة؛ فرجا ومخرجا!

وفلسطين ساحة من ساحات صراع الأمة وشعوبها مع الحملة الصليبية (الأوربية الأمريكية الروسية) التي تقف وراء كلا العدوين الصهيوني والصفوي، كما كل ساحات الصراع معها من أفغانستان إلى العراق وسوريا وليبيا، وهي ساحة واحدة والعدو فيها واحد بكل دوله الوظيفية وميليشياته الطائفية، فمن انحاز لعدوها فليس منها!

﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا لا تَتَّخِذوا عَدُوّي وَعَدُوَّكُم أَولِياءَ تُلقونَ إِلَيهِم بِالمَوَدَّةِ وَقَد كَفَروا بِما جاءَكُم مِنَ الحَقِّ يُخرِجونَ الرَّسولَ وَإِيّاكُم أَن تُؤمِنوا بِاللَّهِ رَبِّكُم إِن كُنتُم خَرَجتُم جِهادًا في سَبيلي وَابتِغاءَ مَرضاتي تُسِرّونَ إِلَيهِم بِالمَوَدَّةِ وَأَنا أَعلَمُ بِما أَخفَيتُم وَما أَعلَنتُم وَمَن يَفعَلهُ مِنكُم فَقَد ضَلَّ سَواءَ السَّبيلِ﴾ [الممتحنة: ١]