المدينة المنورة … والحصار الأخير
تاريخ الحملة الصليبية ودولها الوظيفية في المنطقة العربية...

نظرات في السيرة النبوية
جميع حلقات نظرات في السيرة النبوية في صفحة واحدة ...

رأي الأسبوع
بيان شأن إغلاق المساجد وفرض العلمانية في الخليج العربي بذريعة مكافحة وباء كورونا

بيان من (مؤتمر الأمة) بشأن إغلاق المساجد وفرض العلمانية في الخليج العربي بذريعة مكافحة وباء كورونا

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله القائل في كتابه: ﴿وَلَقَد أَرسَلنا إِلى أُمَمٍ مِن قَبلِكَ فَأَخَذناهُم بِالبَأساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُم يَتَضَرَّعونَ﴾، فجعل سبحانه التضرع إليه عند نزول الضراء والبأساء سببا لرفعه عنهم، والحكمة من إنزاله بهم.

والقائل: ﴿أَمَّن يُجيبُ المُضطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكشِفُ السّوءَ وَيَجعَلُكُم خُلَفاءَ الأَرضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَليلًا ما تَذَكَّرونَ﴾..

والقائل سبحانه: ﴿وَمَن أَظلَمُ مِمَّن مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَن يُذكَرَ فيهَا اسمُهُ وَسَعى في خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُم أَن يَدخُلوها إِلّا خائِفينَ لَهُم فِي الدُّنيا خِزيٌ وَلَهُم فِي الآخِرَةِ عَذابٌ عَظيمٌ﴾..

وصلى الله وسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي وصفه ربه فقال: ﴿وَما أَرسَلناكَ إِلّا رَحمَةً لِلعالَمينَ﴾، وخاطبه بقوله: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرسَلناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذيرًا • وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذنِهِ وَسِراجًا مُنيرًا﴾..

وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد..

خطورة الحرب على المساجد:

إن (مؤتمر الأمة) وهو يتابع ما يجري من حرب عالمية تشن على المساجد منذ سنوات بتهميش دورها، وتوظيفها لخدمة المحتل الأجنبي في كل بلد يقع تحت نفوذه بذريعة مكافحة التطرف، حتى وصل الأمر إلى التحريض على إغلاقها، ومنع المصلين منها، وإخضاعها لسلطة الدول العلمانية، وجعلها مؤسسة من مؤسساتها الرسمية تغلقها متى تشاء للمصلحة العامة، كما يجري هذه الأيام بذريعة مكافحة وباء كورونا، لَيدعو الأمة وشعوبها إلى رفض هذه الدعوة المشبوهة، والتصدي لها، إذ المساجد آخر ما بقي للمسلمين من شعائر دينهم التي ما زالوا يحافظون عليها، بعد أن تم تعطيل أحكام شريعتهم حتى لا يكاد يوجد بلد يقيمها!

 

وقد جاء الإسلام بأحكام شرعية إيمانية، وأسباب طبية مشروعة، لمواجهة مثل هذه الأوبئة، ليس منها قطعا إغلاق المساجد ومنع المصلين منها، ومن ذلك:

١- الإيمان بالله، والاستغفار، والتوبة، والإنابة إليه، والاستغاثة به بالدعاء، والتقرب إليه بالأعمال الصالحة من الصلاة والصدقة، كما قال تعالى: ﴿فَلَولا إِذ جاءَهُم بَأسُنا تَضَرَّعوا وَلكِن قَسَت قُلوبُهُم وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطانُ ما كانوا يَعمَلونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَو أَنَّ أَهلَ القُرى آمَنوا وَاتَّقَوا لَفَتَحنا عَلَيهِم بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالأَرضِ وَلكِن كَذَّبوا فَأَخَذناهُم بِما كانوا يَكسِبونَ﴾..

وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري (قال: خسفت الشمس، فقام النبي فزعا، يخشى أن تكون الساعة، فأتى المسجد، فصلى بأطول قيام وركوع وسجود رأيته قط يفعله، وقال: إن هذه الآيات التي يرسل الله، لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوف الله به عباده، فإذا رأيتم شيئا من ذلك، فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره)، وفي الصحيحين أيضا عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (فافزعوا إلى الصلاة، وإلى ذكر الله، وادعوا، وتصدقوا).

قال الحافظ ابن حجر في شرحه فتح الباري ٢/ ٥٣٤: (قوله: "فافزعوا" بفتح أي التجئوا وتوجهوا، وفيه إشارة إلى المبادرة إلى المأمور به، وأن الالتجاء إلى الله عند المخاوف بالدعاء والاستغفار سبب لمحو ما فرط من العصيان، يرجى به زوال المخاوف، وأن الذنوب سبب للبلايا والعقوبات العاجلة والآجلة..  وقوله "إلى الصلاة" أي المعهودة الخاصة وهي التي تقدم فعلها منه قبل الخطبة).

وقد ذهب الحنفية ومحققو الحنابلة إلى استحباب الفزع إلى الصلاة عند حدوث شيء من الآيات التي يخوف الله بها عباده، قال الكاساني الحنفي في البدائع ١/ ٢٨٢: (وكذا تستحب الصلاة في كل فزع: كالريح الشديدة، والزلزلة، والظلمة، والمطر الدائم؛ لكونها من الأفزاع، والأهوال، وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى لزلزلة بالبصرة).

وفي الدر المختار للحصفكي الحنفي مع حاشية ابن عابدين ٢/ ١٨٣: (ونحو ذلك من الآيات المخوفة كالزلازل، والصواعق، والثلج والمطر الدائمين، وعموم الأمراض، ومنه الدعاء برفع الطاعون).

وقال ابن مفلح الحنبلي في المبدع شرح المقنع ٢/ ٢٠٢: (وعن أحمد: يصلي لكل آية، ذكره الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وهو قول المحققين من العلماء؛ لأنه عليه السلام علل الكسوف بأنه آية، وهذه صلاة رهبة، كما أن صلاة الاستسقاء صلاة رغبة ورجاء، وقد أمر الله تعالى عباده أن يدعوه خوفا وطمعا، وفي " النصيحة ": يصلون لكل آية ما أحبوا ركعتين، أم أكثر، كسائر الصلوات، وأنه يخطب).

وقال ابن تيمية كما في المسائل والأجوبة ص ٢٦١: (ولم يصل قط صلاة في جماعة أطول من صلاة الكسوف، ويصلى أيضا عند بعض العلماء وهو المنصوص عن أحمد عند الزلزلة، ويصلى أيضا عند محققي أصحابه لجميع الآيات، كما دل على ذلك السنن والآثار، وهذه صلاة رهبة وخوف، كما أن صلاة الاستسقاء صلاة رغبة ورجاء، وقد أمر الله عباده أن يدعوه خوفا وطمعا).

والواجب أيضا الإيمان بأن كل ما يقع في هذا الوجود من خير وشر، ونعمة وضر، إنما هو بقضاء الله وقدره، وآية على قدرته، وإحاطته بالخلق رحمة وعلما، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذا أَذَقنَا النّاسَ رَحمَةً فَرِحوا بِها وَإِن تُصِبهُم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَت أَيديهِم إِذا هُم يَقنَطونَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُل مَن يُنَجّيكُم مِن ظُلُماتِ البَرِّ وَالبَحرِ تَدعونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفيَةً لَئِن أَنجانا مِن هذِهِ لَنَكونَنَّ مِنَ الشّاكِرينَ . قُلِ اللَّهُ يُنَجّيكُم مِنها وَمِن كُلِّ كَربٍ ثُمَّ أَنتُم تُشرِكونَ . قُل هُوَ القادِرُ عَلى أَن يَبعَثَ عَلَيكُم عَذابًا مِن فَوقِكُم أَو مِن تَحتِ أَرجُلِكُم أَو يَلبِسَكُم شِيَعًا وَيُذيقَ بَعضَكُم بَأسَ بَعضٍ انظُر كَيفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهُم يَفقَهونَ﴾..

٢- ومن أسباب رفع العذاب إقامة حكم الله وشرعه، وتحقيق العدل والقسط الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه، فهو من أعظم أسباب النجاة والأمن، وسعة الرزق، كما قال تعالى عن أهل الكتاب: ﴿وَلَو أَنَّهُم أَقامُوا التَّوراةَ وَالإِنجيلَ وَما أُنزِلَ إِلَيهِم مِن رَبِّهِم لَأَكَلوا مِن فَوقِهِم وَمِن تَحتِ أَرجُلِهِم مِنهُم أُمَّةٌ مُقتَصِدَةٌ وَكَثيرٌ مِنهُم ساءَ ما يَعمَلونَ﴾..

٣- ومنها أيضا اجتناب المعاصي، والفحشاء والزنا، فهي من أعظم أسباب ظهور الأوبئة وشيوعها، وكذا ترك الربا، والظلم الاقتصادي والسياسي، والتظالم الاجتماعي، كما قال سبحانه: ﴿فَلَولا كانَ مِنَ القُرونِ مِن قَبلِكُم أُولو بَقِيَّةٍ يَنهَونَ عَنِ الفَسادِ فِي الأَرضِ إِلّا قَليلًا مِمَّن أَنجَينا مِنهُم وَاتَّبَعَ الَّذينَ ظَلَموا ما أُترِفوا فيهِ وَكانوا مُجرِمينَ ۝ وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهلِكَ القُرى بِظُلمٍ وَأَهلُها مُصلِحونَ﴾، وكما في الحديث الصحيح: (لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها؛ إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان؛ إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم. ولم يمنعوا زكاة أموالهم؛ إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله؛ إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله؛ إلا جعل الله بأسهم بينهم).

٤- وكذلك من أسباب رفع الوباء: الأخذ بالسنة النبوية في الوقاية منه كالحجر الصحي، كما قال النبي في الطاعون: (إذا وقع في أرض فلا تدخلوها، وإذا كنتم فيها فلا تخرجوا منها)، وكما نهى المرضى عن مخالطة الأصحاء أو الإضرار بهم، في قوله : (لا يرد ممرض على مصح)، وأمر بالتداوي واكتشاف أسباب الأمراض ومعرفة علاجها فقال ﷺ: (تداووا عباد الله فما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء)، وكما أمر بالعلاج النفسي بالإيمان والتوكل على الله، وعدم التطير والتشاؤم، وتفويض الأمر إليه جل جلاله، والاطمئنان لقضائه وقدره، فقال ﷺ: (لا عدوى ولا طيرة)، وقال: (لا يعدي شيء شيئا) وقال: (إنما هو القدر)..

إلى غير ذلك من الأسباب الشرعية والطبية النفسية والبدنية المشروعة.

وكانت الفتوى بعدم وجوب الجمعة والجماعة على من خشي الإصابة بالمرض كافية في رفع الحرج، وتخفيف أعداد المصلين، مع الخوف الطبيعي الذي يمنع كثيرا من الناس من الخروج من بيته في مثل هذه الأحوال، دون اعتداء خطير على المساجد بإغلاقها، وانتهاك حرمتها، وإخضاعها لسلطة الدول، ومنع المصلين الأصحاء من أداء فرائضهم فيها، وكان بالإمكان أخذ الاحتياطات الطبية فيها كما جرى في مساجد أندونيسيا، وبعدم الأخذ بسنة رص الصفوف، ونحوها من الإجراءات التي تظل في دائرة الرأي الفقهي المقبول.

لقد كان هذا الوباء كما أكدته تقارير منظمة الصحة العالمية ما يزال في معدلات تفشيه ونسب الوفاة منه أقل من الإنفلونزا، إلا أن الإجراءات التي يجري اتخاذها خاصة في العالم العربي تجاهه كالحظر الكلي، وإعلان حالة الطوارئ، والحكم العرفي، في دول لم يصل فيها المرض إلى درجة الوباء، كل ذلك يؤكد أنه يراد اتخاذه ذريعة لتنفيذ خطط وبرامج تفرض على دوله لا يمكن فرضها إلا في ظل حالة رعب وإرهاب لشعوبها!

وفي الوقت الذي استطاعت الصين وهي مركز الوباء، وفي مدة وجيزة لم تتجاوز الشهرين محاصرة المرض في إقليم هوبي وعاصمته مدينة ووهان، من خلال إجراءات الحجر الصحي على المدن التي أصابها الوباء فقط، إلا أن إجراءات مكافحته في العالم العربي -وقبل أن يصبح الوباء فاشيا فيها- بدأت بإغلاق المساجد كافة، وقبل إغلاق النوادي والأسواق وأماكن التجمعات، وفي كل المناطق والمدن حتى التي لا وجود للوباء فيها أصلا!

وهو ما لم يحدث في الصين نفسها، التي اقتصرت في مكافحة الوباء بعزل مناطقه خاصة دون باقي الأقاليم، هذا مع أن الفايروس ما زال في دول العالم العربي تحت السيطرة لقلة عدد المصابين به مقارنة مع الدول الأخرى.

 

خطورة مشروع أمريكا ومؤسسة راند:

لقد كشف إغلاق المساجد، ومنع المصلين منها -وتعطيل الجمع والجمعات فيها، والتحريض الإعلامي على هذا النحو المبالغ فيه- الأهداف الحقيقية لهذه الإجراءات التعسفية التي جاءت في سياق تنفيذ خطة أمريكا لتغريب شعوب العالم العربي، وسلخها من دينها وهويتها، خاصة في جزيرة العرب، وتهميش دور المساجد، بذريعة مكافحة التطرف بالأمس، ومكافحة وباء كورونا اليوم، لتصبح المساجد ضحية في كلا الحربين!

وقد جاء في توصيات مؤسسة راند الأمريكية لعام ٢٠٠٧ بعنوان (بناء شبكات إسلامية معتدلة) حيث جاء فيه عن المسجد ما يلي: (أحد الأسباب الخاصة بنجاح الراديكاليين في نشر أفكارهم هو استخدام المساجد كوسيلة لنشر أفكارهم واتجاهاتهم الخاصة بالهداية، وجذب عدد من المناصرين إليهم، ومن ناحية أخرى فإن الديمقراطيين الليبراليين لم يشعروا بالارتياح نحو انجذاب الأفراد إلى المساجد).

كما (تدعو مؤسسة راند إلى تبني الولايات المتحدة برنامجا يكفل عدم رعاية المساجد للأفكار المتطرفة، وتقترح التوصل إلى وسائل لدعم الجهود المبذولة من الدول والمنظمات الإسلامية المعتدلة من أجل ضمان عدم انتشار الأفكار المتطرفة داخل المساجد، مع التأكيد على أن يكون هذا الدعم غير بارز لعدم تشويه صورة الجهات المدعومة).

وجاء في دراسة عن هذا التقرير: (إن اهتمام مؤسسة راند ليس بذات المسجد من حيث بنائه أو هدمه، ووجوده وعدمه، وإنما من حيث استخدام المساجد في نشر الأفكار المعادية للعلمانية والتقاليد الغربية، ولذا يعتبرونه أحد الفروع الرئيسة لتجنيد الإرهابيين، وفي تقرير بعنوان "كشف مستقبل الحرب الطويلة" يرى الباحثون أنه بحكم قدرة المساجد على تقديم مساعدات للأماكن العامة، إضافة إلى قدرتها على تقديم خطاب ديني اجتماعي، فإنه يمكن من خلالها نشر الأفكار المتطرفة)!

 

خطورة المؤسسات الإسلامية التي تعمل مع معهد راند:

ويقوم "معهد راند" -الذي يتخذ من قطر مركزا له في الخليج العربي، ويشكل شبكة علاقات واسعة مع قطاع كبير من الإسلاميين ومؤسساتهم وكتابهم ويدعم مراكزهم ويمولها- بالإشراف على تنفيذ التوصيات التي اقترحتها "مؤسسة راند" التي جاء فيها أيضا: (يجب الاستمرار والتقدم في محاولات بناء شبكات معتدلة على كل المستويات على الرغم من صعوبة قياس النتائج الديمقراطية، لأن مثال الحرب الباردة [في مواجهة أمريكا للشيوعية سابقا] كان سائدا، والشبكات المعتدلة [من الليبراليين المسلمين والإسلاميين الديمقراطيين] ليست في حاجة للانتظار حتى تزهر وتنمو الديمقراطية [في الدول الإسلامية]، وتشمل عملية دعم وتعزيز الديمقراطية بشكل متأصل بدقة نوع بناء الشبكات الذي يوصي به هذا المشروع. ومع ذلك من الجدير بالملاحظة بناء شبكات من هذا القبيل، على الرغم من أنه مدعم بالتأكيد للمعتدلين، قد يقدم بشكل غير مقصود [بالخطأ] دعما فنيا وماليا للإسلاميين أو المناصرين لهم الذين يسعوا وراء اكتساب السلطة من خلال الآليات الديمقراطية، لا سيما إذا لم تكن عملية الفحص حساسة بشكل كافي لرموز الإسلام المقدمة في مكان آخر في هذا التقرير).

كما حدد تقرير "مؤسسة راند" -التي تقدم خدماتها الاستشارية للجيش الأمريكي- شركاء أمريكا المستهدفين من المسلمين المعتدلين الذين يؤمنون بالديمقراطية وقيم العلمانية حيث ورد في التقرير عنهم: (المشاركون المرتقبون: وعلى وجه العموم، يبدو أن هناك ثلاث قطاعات واسعة خلال نطاق النزعات الأيديولوجية [العقائدية] على مستوى العالم الإسلامي حيث تستطيع الولايات المتحدة والعالم الغربي أن تجد مشاركين من بينهم في مجهوداتهم للتغلب على التطرف الإسلامي، وهذه القطاعات تتكون من: العلمانيين، والمسلمين الليبراليين، والمعتدلين التقليديين، بما فيهم الصوفية).

ودعا التقرير إلى (فكرة واحدة هي التي في صالح الولايات المتحدة، وقد قام بوضعها محللون مثل دينيس روس، وهي أن الولايات المتحدة يجب أن تتعرف على إصلاحيين ملتزمين للبدء في "الدعوة للعلمانية" والتي من خلالها قد تكون قوى الاعتدال مرتبطة بتحسينات ملموسة في الظروف الحياتية).

وهو ما بدا واضحا جليا في حملة إغلاق المساجد التي تولى كبرها والتحريض عليها "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" الذي يتخذ من قطر مقرا له -حيث يوجد في الدوحة معهد راند الذي يشرف على تنفيذ هذه التوصيات- والإعلام القطري كقناة "العربي الجديد" بإشراف د. عزمي بشارة، وكتابها في وسائل التواصل الاجتماعي من الإسلاميين والعلمانيين، وذلك بعد توقيع قطر ثلاث اتفاقيات مع أمريكا لمكافحة التطرف الإسلامي سنة ٢٠١٨،  وقد بادرت الحكومات الخليجية بشكل جماعي إلى تنفيذ توصيات "مؤسسة راند" بإغلاق المساجد قبل دول العالم كلها، وعند أول ذريعة، وقبل إغلاق أي أماكن تجمعات أخرى، وبصرامة عسكرية غير مفهومة بقطع الخطبة على أئمة الجوامع وهم على المنابر كما حدث في الكويت، مع أن المنع صدر بعد أذان الجمعة والمصلون مجتمعون في مساجدهم!

وصدرت الفتاوى السياسية بإغلاق المساجد بشكل قهري جبري ينتهك أخص حقوق الإنسان الدينية، وشايعهم على هذه الجريمة جماعات من "أحزاب الإسلام السياسي العلمانية" ومؤسساتهم وكتابهم الذين طالما تباكوا على الحريات وحقوق الإنسان! وكأنما كانوا ينتظرون الذريعة التي تفتح لهم الباب لتنفيذ توصيات تقرير راند بحذافيره، وبالتعاون مع المؤسسات الإسلامية التي دعت مؤسسة راند لدعمها لنشر الديمقراطية والعلمانية ومواجهة التطرف في العالم العربي! 

هذه المؤسسات الإسلامية التي يوصي التقرير بتمويلها ودعمها وعدم كشف العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة حتى لا تفقد موثوقيتها لدى المسلمين! حيث أوصى تقرير "مؤسسة راند" بوجوب (احترام عمل هذه المؤسسات بشكل جيد وثابت بين مسئولي الولايات المتحدة، وبين النشطاء المحليين [من المسلمين الديمقراطيين والإسلاميين المعتدلين] أيضا، فعلى الرغم من أن ميزانيتهم التي ينفذون بها أعمالهم تأتي من حكومة الولايات المتحدة، فإن نشاطاتهم تحافظ على درجة أعلى من المصداقية في المجتمعات التي تتلقى هذا الدعم، أكثر مما لو كانت هذه البرامج تم دعمها وتشجيعها بشكل مباشر من مؤسسات حكومة الولايات المتحدة، حيث أن مهمتهم هي مساعدة القوات المحلية [الأنظمة الوظيفية] في الإصلاح، وليس فرضها عليهم من الخارج، ومن الممكن أن يكون هناك مستوى واحد فقط أو مستويين من الفصل بين المؤسسات والحكومة الأمريكية، ليستطيع هؤلاء المقاولون من تقديم المساعدة في بناء الشبكات بدون إدراك التوترات السياسية الجغرافية الملحقة بها، يرى معظم المحللون أن عمل تلك المؤسسات غير الحزبية وغير الحكومية  [كمراكز الدراسات الإسلامية ومراكز الوسطية والنهضة] هي عبارة عن طرق أكثر فعالية تستطيع من خلالها الولايات المتحدة أن تدعم القيم الديمقراطية)، كما أوصى التقرير بأهمية (تكاثر وتزايد هذه المؤسسات الأهلية بما يتناسب مع الشرق الأوسط)!

لقد أصبحت المساجد اليوم هدفا مباشرا لحملة "مكافحة كورنا" وهو الهدف ذاته الذي تريد أمريكا من حكوماتها العربية الوظيفية تنفيذه مع "قوى الاعتدال الإسلامي" كما يسميهم تقرير راند المنشور سنة ٢٠٠٧ الذي (يركز على ما يعتبره "خطورة دور المسجد" الساحة الوحيدة للمعارضة على أسس الشريعة؛ ولذلك يدعو التقرير لدعم "الدعاة الذين يعملون من خارج المسجد"، مؤكدًا أنه لا بد من تقليل تقدم هذا التيار الديني لصالح التيار العلماني والتيار التقليدي الديني وفق المفهوم الأمريكي للاعتدال، بغرض "تسوية الملعب " كي يتقدم " التيار التقليدي")!

 

فرض العلمانية المتطرفة في الخليج العربي:

لقد كانت مسارعة دول الخليج العربي خاصة -وهي المنطقة الأكثر استهدافا من قبل المحتل الأمريكي الغربي وحملته الصليبية لتنصيرها- إلى إغلاق المساجد قبل غيرها من أماكن التجمعات، مع عدم تفشي الوباء فيها، وعدم حدوث وفيات منه، دليلا مشاهدا على أنها كانت تخضع لتنفيذ توصيات معهد راند، لفرض العلمانية المتطرفة على شعوبها، كما صرح بذلك عدد من المسئولين فيها، ومنهم السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة الذي صرح في ٢٦ يوليو ٢٠١٧ لقناة PBS الأمريكية بأن ما تريده دول الخليج ومصر والأردن (هو أن تكون خلال عشر سنوات دولا علمانية).

وهو ما صار يدعو له صراحة كثير من الكتاب العلمانيين الذين يعبرون عن توجهات هذه الحكومات الخليجية!

وإن إخضاع المساجد لسلطة الدولة -وانتهاك حرمتها بالإغلاق بذريعة المصلحة العامة- هو العلمانية المتطرفة ذاتها، الذي يراد فرضها على شعوب جزيرة العرب، التي ظلت منذ احتلال الحملة الصليبية للعالم العربي في منأى عما فرض على باقي شعوب العالم العربي والإسلامي، لخصوصيتها الدينية بوجود الحرمين - التي تعامل معها بحذر المحتل البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى، ثم المحتل الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية- حتى جاء ترامب وغيّر قواعد السياسية الصليبية بشكل كامل فاعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وفرض مشروع التغريب وإغلاق المساجد في جزيرة العرب حتى طال الإغلاق الحرمين الشريفين في سابقة خطيرة، وتحديد فترات دخولهما، وهو من الصد عن المسجد الحرام، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذينَ كَفَروا وَيَصُدّونَ عَن سَبيلِ اللَّهِ وَالمَسجِدِ الحَرامِ الَّذي جَعَلناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فيهِ وَالبادِ وَمَن يُرِد فيهِ بِإِلحادٍ بِظُلمٍ نُذِقهُ مِن عَذابٍ أَليمٍ﴾..

وقال سبحانه: ﴿وَما لَهُم أَلّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُم يَصُدّونَ عَنِ المَسجِدِ الحَرامِ وَما كانوا أَولِياءَهُ إِن أَولِياؤُهُ إِلَّا المُتَّقونَ وَلكِنَّ أَكثَرَهُم لا يَعلَمونَ﴾..

وقال : (لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار).

 وقد بدأت قبل ذلك دعوة صريحة من الإعلام القطري بتدويل الحرمين الشريفين، وهو ما يفضي إلى انتهاك ما تبقى من حرمتهما منذ إسقاط الخلافة العثمانية، وإخضاعهما لإشراف النظام الدولي مباشرة الذي يخضع للقوى الصليبية!

لقد تسارعت وتيرة التغريب وسلخ جزيرة العرب من دينها منذ إعلان ترامب لصفقة القرن في مؤتمر الرياض سنة ٢٠١٧م!

والذي توج ذلك المشروع باستضافة الإمارات لبابا الفاتيكان -إلى جزيرة العرب لأول مرة في تاريخها- سنة ٢٠١٩م، حيث أقام قداس النصرانية ودعا للوثنية في مهبط الوحي ومهد الإسلام!

لقد اجترأت هيئات الفتوى الرسمية في العالم العربي و"الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" في قطر على الدعوة إلى إغلاق المساجد، وهي آخر أركان الدين الظاهرة، وأعظم فرائضه وشعائره، بذريعة المصلحة العامة، دون نظر لمصلحة حفظ الدين نفسه ووجوب إقامة شعائره، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِنَ الدّينِ ما وَصّى بِهِ نوحًا وَالَّذي أَوحَينا إِلَيكَ وَما وَصَّينا بِهِ إِبراهيمَ وَموسى وَعيسى أَن أَقيمُوا الدّينَ وَلا تَتَفَرَّقوا فيهِ كَبُرَ عَلَى المُشرِكينَ ما تَدعوهُم إِلَيهِ اللَّهُ يَجتَبي إِلَيهِ مَن يَشاءُ وَيَهدي إِلَيهِ مَن يُنيبُ﴾، وحفظ الدين هو أول الضروريات الخمس ، الذي تأتي بعده لا قبله ضرورة حفظ النفس؛ ولهذا شرع الجهاد من أجل إقامته وحفظه على أصوله، مع ما فيه من تلف الأموال والأنفس، كما قال تعالى: ﴿وَقاتِلوهُم حَتّى لا تَكونَ فِتنَةٌ وَيَكونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعمَلونَ بَصيرٌ﴾..

 

حفظ النفس وحفظ الدين:

وإذا تعارض مقصد حفظ النفس وحفظ الدين وجب بالإجماع حفظ الدين وإقامته، كما قال في الشاطبي في الموافقات ٢/  ٢٦٥: (كما أن المشقة تكون دنيوية، كذلك تكون أخروية، فإن الأعمال إذا كان الدخول فيها يؤدي إلى تعطيل واجب أو فعل محرم، فهو أشد مشقة باعتبار الشرع من المشقة الدنيوية التي هي غير مخلة بدين، واعتبار الدين مقدم على اعتبار النفس وغيرها في نظر الشرع). وليس من التعارض الأخذ بالرخص المشروعة التي شرعها الله لعباده رفعا للحرج وتيسيرا على العباد، فالأخذ بها من الدين وإقامته، ولم يرخص الشارع قط بإغلاق المساجد، وتعطيل الجمع والجماعات، وإنما رخص في سقوط وجوبها على بعض المكلفين في أعذار طارئة حقيقة -لا مظنونة ولا عامة ولا ملزمة- رفعا للحرج عنهم، وليس منها الخشية من العدوى من الأمراض التي نفاها الشارع أصلا؛ كما في الحديث المتواتر عنه: (لا عدوى ولا طيرة)، وكان مسجده صلى الله عليه وسلم لا يخلو من مرضى يُخشى من مخالطتهم، وفي المدينة وباء يصيب كل من دخلها، فلم يرد عنه أنه عطل مسجده، لمثل هذا العذر!

 ‏وما زالت المساجد الثلاث وكل مساجد المسلمين يرتادها كثير من المرضى ويصنف كثير منها طبيا بأنها أمراض معدية كالإنفلونزا التي يمرض بسببها سنويا ٤٥ مليون إنسان، ويموت منهم بها ٦٠٠ ألف إنسان، ولا يُعرف أن أحدا أفتى بوجوب إغلاق المساجد وتعطيل الجمعة والجماعة بسببها!

وقد أجمع الفقهاء على أن أول واجبات السلطة في الإسلام حفظ الدين وإقامة شعائره، وأعظم شعائره بإجماع الأمة المساجد والصلوات الخمس، والجمعة والجماعات، حتى جعلها النبي الحد الفاصل بين الإسلام والكفر، فقال في الحديث الصحيح: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)، وقال في الصحيح عن أئمة الجور والخروج عليهم بالسيف: (لا ما أقاموا فيكم الصلاة) وفي رواية: (ما صلوا الخمس)! 

قال ابن بطال في شرحه للبخاري ٥/ ١٢٦: (والذي عليه جمهور الأمة أنه لا يجب القيام عليهم ولا خلعهم إلا بكفرهم بعد الإيمان، وتركهم إقامة الصلوات).

وإقامة الصلاة يكون بالدعوة إليها، وعدم تعطيلها، كما قال القاضي عياض في شرح صحيح مسلم ٦/ ٢٤٦: (لا خلاف بين المسلمين أنه لا تنعقد الإمامة للكافر، ولا تستديم له إذا طرأ عليه، وكذلك إذا ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها).

وكذا نقل قوله النووي في شرحه وأقره عليه فقال ١٢/ ٢٢٩: (قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل، قال: وكذا لو ترك إقامة الصلوات، والدعاء إليها).

 

إغلاق المساجد سابقة في تاريخ الإسلام وهو من تخريبها والصد عن سبيل الله:

ولم يعرف في تاريخ الأمة كلها مع كثرة الأوبئة التي أصابتها، قديما كالطاعون، وحديثا كوباء الكوليرا، أن اجترأ أحد على إصدار فتوى عامة ملزمة، تخول للدول إغلاق المساجد كلها، حتى جرى إغلاقها وتعطيل الجمعة وهي فرض على الأعيان بالنص والإجماع، وتعطيل الجماعات في الصلوات الخمس وهي فرض كفاية بالنص والإجماع، في أقاليم ومدن كبرى في العالم الإسلامي لا وجود للوباء فيها أصلا، فجرى إغلاق المساجد ومنع المصلين منها بلا شبهة تأويل مقبول، ولا عذر معقول!      

وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا﴾، ‏وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾..

فلم يجعل لأحد معه شريكا في مساجده، لا في دعوته ودعائه وعبادته فيها، ولا في ولايته عليها، ولا لأحد كائنا من كان الحق في منع المصلين منها، وإنما ولاية المسلمين على مساجدهم ولاية إعمار ورعاية وحفظ، لا ولاية إغلاق ومنع في وقت العبادة..

قال ابن جرير الطبري في تفسيره ٢/ ٢٢٥: (قد دل بعموم قوله: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه}، أن كل مانعٍ مصليًا في مسجد لله، فرضا كانت صلاته فيه أو تطوعا، وكل ساع في إخرابه فهو من المعتدين الظالمين).

وقال القرطبي في تفسيره ٢/ ٧٧: (المراد في الآية مَن منع من كل مسجد إلى يوم القيامة، وهو الصحيح، لأن اللفظ عام ورد بصيغة الجمع، فتخصيصها ببعض المساجد وبعض الأشخاص ضعيف.. وعلى الجملة فتعطيل المساجد عن الصلاة وإظهار شعائر الإسلام فيها خراب لها).

وقال النبي : (لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ الله مَسَاجِدَ الله) وذلك عملا بالآية الكريمة: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا﴾، فإذا لم يجز منع النساء عن الذهاب إلى المساجد مع عدم وجوب الجمعة والجماعة عليهن؛ فمن باب أولى عدم جواز منع الرجال من المسجد، بنص القرآن والإجماع القطعي، قال شيخ الإسلام اين تيمية في مجموع الفتاوى ٣١/  ٢٥٥: (ولا يحل إغلاق المساجد عما شرعت له) ..

وقال ابن عطية في تفسيره ١/ ١٩٩: (وهذه الآية تتناول كل من منع من مسجد إلى يوم القيامة، أو خرب مدينة إسلام، لأنها مساجد، وإن لم تكن موقوفة، إذ الأرض كلها مسجد لهذه الأمة).

وقال الشوكاني في تفسيره ١/ ١٣٥: (والمراد بمنع المساجد: منع من يأتي إليها للصلاة، والتلاوة، والذكر، وتعليمه، والمراد بالسعي في خرابها: هو السعي في هدمها، ورفع بنيانها، ويجوز أن يراد بالخراب: تعطيلها عن الطاعات التي وضعت لها، فيكون أعم من قوله: {أن يذكر فيها اسمه} فيشمل جميع ما يمنع من الأمور التي بنيت لها المساجد، كتعلم العلم، وتعليمه، والقعود للاعتكاف، وانتظار الصلاة).

وليس للإمام بالنص والإجماع منع الناس من إقامة الجمعة والجماعة، كما قال اللخمي في التبصرة ٢/ ٥٦٩: (وقد قال مالك، وابن القاسم: إذا منع الإمام الناس من إقامتها وقدروا على إقامتها فعلوا).

وقال القاضي عبدالوهاب في شرح التلقين ١/ ٩٥٥: (والاختلاف في اشتراط إمامة السلطنة في صلاة العيد كالاختلاف في اشتراطه في صلاة الجمعة. وقياسا أيضا على سائر الصلوات فإنه لا يشترط فيها السلطان ولا إذنه).

ومن اشترط إذن السلطان للجمعة كالحنفية إنما اشترطوه لعلة اجتماع الكلمة وعدم افتراق المسلمين، إذ إقامة الجمعة من مسئوليات الإمام العام، وتحديد المساجد التي تصلى فيها الجمع من مسئوليته حتى لا يفترق الناس في مصلياتهم عن جوامعهم، لا أن له تعطيل الجمعة؛ كما قال السرخسي الحنفي في المبسوط ٢/ ١٢٠: (وإنما جعلنا السلطان شرطا في الجمعة لئلا يفوت بعض أهل المصر على البعض صلاة الجمعة؛ لذلك لا يكون للسلطان أن يفوت الجمعة على أهل المصر، فلهذا شرطنا الإذن العام في ذلك).  

وقال الكاساني الحنفي في البدائع ١/ ٢٦١: (وروي عن النبي أنه قال: "أربع إلى الولاة، وعدّ من جملتها: الجمعة"؛ ولأنه لو لم يشترط السلطان لأدى إلى الفتنة؛ لأن هذه صلاة تؤدى بجمع عظيم، والتقدم على جميع أهل المصر يعد من باب الشرف وأسباب العلو والرفعة فيتسارع إلى ذلك كل من جبل على علو الهمة والميل إلى الرئاسة، فيقع بينهم التجاذب والتنازع، وذلك يؤدي إلى التقاتل والتقالي، ففوض ذلك إلى الوالي ليقوم به أو ينصب من رآه أهلا له فيمتنع غيره من الناس عن المنازعة لما يرى من طاعة الوالي أو خوفا من عقوبته؛ ولأنه لو لم يفوض إلى السلطان لا يخلو إما أن تؤدي كل طائفة حضرت الجامع فيؤدي إلى تفويت فائدة الجمعة، وهي اجتماع الناس لإحراز الفضيلة على الكمال، وإما أن لا تؤدى إلا مرة واحدة فكانت الجمعة للأولين وتفوت عن الباقين، فاقتضت الحكمة أن تكون إقامتها متوجهة إلى السلطان ليقيمها بنفسه، أو بنائبه عند حضور عامة أهل البلدة، مع مراعاة الوقت المستحب، هذا إذا كان السلطان أو نائبه حاضرا.

فأما إذا لم يكن إماما بسبب الفتنة، أو بسبب الموت، ولم يحضر وال آخر بعد حتى حضرت الجمعة، ذكر الكرخي أنه لا بأس أن يجمع الناس على رجل حتى يصلي بهم الجمعة، لما روي عن عثمان -رضي الله عنه- أنه لما حوصر قدم الناس عليا -رضي الله عنه- فصلى بهم الجمعة).

وقال الطحطاوي في حاشيته ص ٥٠٨: (وصرح العلامة ابن جرباش في التحفة في تعدد الجمعة بأن إذن السلطان أو نائبه إنما هو شرط عند بناء المسجد، ثم بعد ذلك لا يشترط الإذن لكل خطيب، فإذا قرر الناظر خطيبا في المسجد فله إقامته بنفسه وبنائبه، وإن الإذن مستصحب لكل خطيب اهـ وفي مجمع الأنهر والاستخلاف في زماننا جائز مطلقا؛ لأنه وقع في تاريخ خمس وأربعين وتسعمائة إذن الإمام وعليه الفتوى).

ويعني أنه إذا أذن السلطان لمسجد بأن يكون جامعا للجمعة، فلا يحتاج بعده إلى تجدد الأذن بإقامتها فيه.

وقال محمود خطاب السبكي في الدين الخالص ٣/ ٢٨١: (غلق المساجد: بنيت المساجد للطاعة في كل وقت.

والجلوس فيها مستحب للعبادة كاعتكاف، وقراءة قرآن، أو علم، وسماع موعظة، وانتظار صلاة، فالسنة فتح المساجد في كل الأوقات إلا لضرورة، كما كان الحال في عهد النبي والخلفاء الراشدين والسلف الصالح.

وأما غلقها نهارا في غير أول الوقت فبدعة ممنوعة قد تؤدى إلى تضييع الصلاة، فإنه لا يتيسر لكل واحد الذهاب إلى المسجد أول الوقت، وفي غلقها صد عن سبيل الله وسعى في خراب المساجد مما بنيت له قال تعالى: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها}.

ومن التخريب: منع المصلين والمتعبدين من دخولها، وقد نشأ من ذلك بدعة أخرى مذمومة، وهي ما اعتاده خدمة المساجد من طرد المصلين أو طلاب العلم بعد صلاة العشاء. ومن كان في صلاة ألجئوه إلى تخفيفها، وفي هذا تهويش على المتعبدين وصد عن طاعة الله.

 قال ابن نجيم: وكره غلق باب المسجد لأنه يشبه المنع من الصلاة. وقيل لا بأس به إذا خيف على متاع المسجد.

أما غلقها لضرورة كخوف امتهانها، وخشية ضياع شيء منها، فجائز إن لم تدع حاجة إلى فتحها كتعليم العلم، أو وجود معتكف فيها يتأذى بغلقها، وإلا حرم، إلا إن تيقن امتهانها أو ضياع شيء من أثاثها، فيجوز غلقها حينئذ، فإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح).

هذا ولم تغلق مساجد الإسلام قط منذ قام النبي ببناء مسجده المبارك في المدينة النبوية، تحت أي ظرف كان لا بسلطان دولة، ولا بفتوى عالم، ولا يحتج على ذلك بما وقع في التاريخ للناس من فرار من الطاعون والأوبئة أو موت ذريع حتى خلت البلدان من أهلها، وهجرت مساجدها، وأغلقت لعدم وجود من يصلي فيها، حتى خيف عليها من النهب كما يستدل به المفتونون، فليس هذا من الإغلاق ولا المنع الذي اجترأت عليه هيئات الفتوى السياسية اليوم بذريعة وباء كورونا، حتى منع المسلمون من الجمعة والجماعة في مدن كبرى لا توجد فيها إصابة واحدة بحسب المصادر الرسمية نفسها!

بينما الناس يجتمعون في أسواقهم ومجامعهم وأماكن عملهم، وآلاف الأطباء يباشرون مرضاهم في المستشفيات، وآلاف الموظفين من رجال الأمن يقومون بأعمالهم، يمنع أئمة المساجد من إقامة الصلوات مع مؤذنيهم في مساجدهم، وهي محل إقامتهم، وبهم وحدهم يتحقق فرض الكفاية ويسقط الإثم عن الباقين!

وحتى بلغ الأمر بهؤلاء المفتونين من الكتاب والإعلاميين أن حرضوا على إغلاق مساجد المسلمين في الهند الذين لم يجوّز لهم علماؤهم إغلاق المساجد وترك الجمعة والجماعة؛ لعدم وجود الوباء في مدنهم، هذا مع قيام حكومة مودي الهندوسية بانتهاك حرمة المساجد واضطهاد المسلمين في الهند لكل ذريعة!

 

خصوصية ولاية المسلمين على مساجدهم:

 ومعلوم أن الولاية العامة على المساجد هي للمسلمين أنفسهم بحكم وقفها عليهم، فولايتهم عليها، أخص من ولاية الدول، فليس لها منعهم منها، كما ليس لها منعهم من بيوتهم، ولكل مسلم حق أداء العبادة فيها وقت وجوبها، وإنما اختلف الفقهاء في هل لأهل الحي ولاية رعاية وإعمار مسجدهم دون غيرهم أم لا، كما قال الكاساني الحنفي في بدائع الصنائع ٧/ ٢٧٩: (المسجد لعامة المسلمين، فكان كل واحد من آحاد المسلمين بسبيل من إقامة مصالحه؛ ولأن هذه المصالح من عمارة المسجد، وقد قال الله -تبارك وتعالى-: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله} من غير تخصيص، إلا أن لأهل المسجد ضرب اختصاص به، فيظهر ذلك في التصرف في نفسه بالحفر والبناء، لا في القنديل والحصير.. وكون المسجد لعامة المسلمين لا يمنع اختصاص أهله بالتدبير والنظر في مصالحه كالكعبة، فإنها لجميع المسلمين، ثم اختص بنو شيبة بمفاتحها).

وقال محمود البخاري الحنفي في المحيط البرهاني ٥/ ٣١٨: (ويكره لأهل المسجد أن يغلقوا باب المسجد؛ لأن المسجد أعد لذكر الله تعالى فيه قال الله تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع، ويذكر فيها اسمه}، فإذا أغلقوا باب المسجد فقد منعوا عن الصلاة والذكر فيه، فدخلوا تحت قوله تعالى: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه}).

إن (مؤتمر الأمة) ليحذر الأمة وشعوبها من خطورة اتخاذ الدول وباء كورونا -كما اتخذوا مكافحة التطرف من قبل- ذريعة لتنفيذ مشروع الحملة الصليبية وصفقة القرن، والاعتداء على الإسلام وشعائره، وعلى المسلمين ومساجدهم بإخضاعها لسلطة الدول العلمانية الوظيفية، وفقدها لاستقلالها وحرمتها، ومصادرة حق المسلمين بها بحكم وقفها عليهم، وإنهاء دورها الإيماني والأخلاقي لتهيئة المجتمعات في العالم العربي لتصبح أكثر قابلية لمشروع التغريب، كما جاء بتوصيات تقرير مؤسسة راند الأمريكية سنة ٢٠٠٧م!

كما يدعو (مؤتمر الأمة) العلماء الربانيين والدعاة المصلحين إلى القيام بمسئولياتهم الشرعية لحماية مساجد الله من هذا العدوان والبغي، عملا بقول الله عز وجل ‏﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾..

﴿الَّذينَ أُخرِجوا مِن دِيارِهِم بِغَيرِ حَقٍّ إِلّا أَن يَقولوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَولا دَفعُ اللَّهِ النّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَهُدِّمَت صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذكَرُ فيهَا اسمُ اللَّهِ كَثيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزيزٌ﴾..

(مؤتمر الأمة)

الأمين العام

 أ.د. حاكم المطيري

الجمعة ٣ شعبان ١٤٤١

٢٧ مارس ٢٠٢٠م