المدينة المنورة … والحصار الأخير
تاريخ الحملة الصليبية ودولها الوظيفية في المنطقة العربية...

نظرات في السيرة النبوية
جميع حلقات نظرات في السيرة النبوية في صفحة واحدة ...

رأي الأسبوع
فتوى ـ(الإلمام بوجوب الدفع عن أهل الشام)ـ

فتوى (الإلمام بوجوب الدفع عن أهل الشام)

بقلم أ.د. حاكم المطيري

٢٢/ ٦/ ١٤٤١

١٦/ ٢/ ٢٠٢٠

 

السلام عليكم ورحمة الله شيخنا..

١- ما حكم الجهاد في سوريا؟

٢-وما حكم التعاون مع الجيش التركي لدفع العدوان عن شعبها؟

٣- وما معنى ‏﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾؟

٤-وهل يجوز القتال تحت راية عمية وعصبية قومية ووطنية؟

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

١- الجهاد في سوريا لتحريرها من المحتل الروسي، ودفع عدوان الحملة الصليبية الصفوية، كالجهاد في فلسطين لتحريرها من المحتل الصهيوني، وكالجهاد في أفغانستان لتحريرها من المحتل الأمريكي، ولا فرق في الحكم الشرعي بين كل هذه البلدان في الوجوب، وذلك ثابت بالنص والإجماع - وقد سبق بيان الأدلة بالتفصيل في فتوى بطلان اشتراط الراية الإمام - وهو على أهل الشام اليوم فرض عين، وعلى من وراءهم من المسلمين فرض كفاية، إن كان في أهلها كفاية، وإلا صار فرض عين على الجميع الأقرب فالأقرب، وهذا هو سبيل الله كما قال تعالى: ‏﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾..

وقد انعقد إجماع الأمة على أن الجهاد فرض كفاية المخاطب به أصلاً الجميع حتى يقوم به من فيه كفاية وقدرة، فيسقط الوجوب حينئذ عن الباقين، ما لم يصبح فرض عين؛ كما قال شيخ المفسرين ابن جرير الطبري عن الجهاد في تفسيره ٤/ ٢٦٩: (هو على كل واحد حتى يقوم به من في قيامه كفاية فيسقط فرض ذلك حينئذ عن باقي المسلمين ... وعلى هذا عامة العلماء المسلمين).

وقال ابن حزم في المحلي ٧/ ٢٩٢: (إلا أن ينزل العدو بقوم من المسلمين ففرض على كل من يمكنه إعانتهم أن يقصدهم مغيثاً لهم).

وقال الجصاص الحنفي في أحكام القرآن ٤/ ٣١٢: (معلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو ولم تكن فيهم مقاومة فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين وهذا لا خلاف فيه بين الأمة).

وقال ابن عطية والقرطبي في تفسيره ٣/ ٣٨: (الذي استقر عليه الإجماع أن الجهاد على كل أمة محمد فرض كفاية، فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين، إلا أن ينزل العدو بساحة الإسلام فهو حينئذ فرض عين).

وقال ابن تيمية في الفتاوى المصرية ٥/ ٥٣٩: (وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب، إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد، ولا غريم، ونصوص أحمد صريحة بهذا. لكن هل يجب على جميع أهل المكان النفير إذا نفر إليه الكفاية؟ كلام أحمد فيه مختلف، وقتال الدفع مثل أن يكون العدو كثيرا لا طاقة للمسلمين به، لكن يخاف إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على من يخلفون من المسلمين، فهنا قد صرح أصحابنا بأنه يجب أن يبذلوا مهجهم ومهج من يخاف عليهم في الدفع حتى يسلموا، ونظيرها أن يهجم العدو على بلاد المسلمين وتكون المقاتلة أقل من النصف، فإن انصرفوا استولوا على الحريم، فهذا وأمثاله قتال دفع لا قتال طلب لا يجوز الانصراف فيه بحال، ووقعة أحد من هذا الباب، والواجب أن يعتبر في أمور الجهاد برأي أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا، دون أهل الدين الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين فلا يؤخذ برأيهم، ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا).

وقال الخطيب الشربيني الشافعي في الإقناع ٢/ ٥١٠: (الحال الثاني من حال الكفار أن يدخلوا بلدة لنا فيلزم أهلها الدفع بالممكن منهم ويكون الجهاد حينئذ فرض عين).

 

٢- ويجب التعاون مع الجيش التركي في دفاعه عن الشعب السوري، حيث وجب على المسلمين كافة بالنص والإجماع حماية النفس المعصومة، على كل من قدر على إنقاذها، حتى وإن كان المعصوم غير مسلم، كما قال البهوتي الحنبلي في كشاف القناع ١/ ٣٨٠: ((ويجب رد كافر معصوم) بذمة أو هدنة أو أمان (عن بئر ونحوه) كحية تقصده كرد (مسلم) عن ذلك بجامع العصمة (و) يجب (إنقاذ غريق ونحوه) كحريق (فيقطع الصلاة لذلك) فرضا كانت أو نفلا، وظاهره: ولو ضاق وقتها، لأنه يمكن تداركها بالقضاء، بخلاف الغريق ونحوه (فإن أبى قطعها) أي الصلاة لإنقاذ الغريق ونحوه أثم).

فمن لم يفعل مع قدرته أثم وضمن ديته، كما قال تقي الدين الأدمي الحنبلي في المنور ١/ ٤١٦ (وإن ترك قادر إنقاذ معصوم، أو منع غير مضطر طعامه مضطرا .. لزم الضمان).

وجاء في الموسوعة الكويتية ٣١/ ١٨٣ (اتفق الفقهاء على أن المسلم يأثم بتركه إنقاذ الغريق معصوم الدم، لكنهم اختلفوا في حكم تركه إنقاذه هل يجب عليه القصاص أو الدية أو شيء عليه؟

فعند الحنفية والشافعية والحنابلة - عدا أبي الخطاب - على ما يفهم من كلامهم أنه لا ضمان على الممتنع من إنقاذ الغريق إذا مات غرقا؛ لأنه لم يهلكه، ولم يحدث فيه فعلا مهلكا، لكنه يأثم،  وعند المالكية وأبي الخطاب من الحنابلة يضمن؛ لأنه لم ينجه من الهلاك مع إمكانه، قال المالكية: وتكون الدية في ماله إن ترك التخليص عمدا، وعلى عاقلته إن تركه متأولا).

ومن دافع من المسلمين عن معصوم الدم -ولو كان المعصوم غير مسلم- فقُتل المُدافِع فهو شهيد، كما قال ابن نجيم الحنفي في البحر الرائق ٢/ ٢١٢: (من قُتل مدافعا عن نفسه، أو عن ماله، أو عن أهل الذمة.. فإن المقتول شهيد.. بأي آلة قتل بحديدة، أو حجر، أو خشب).

فكل قتال بحق واجب شرعا، والمقتول فيه شهيد، سواء دافع عن مسلم أو عن غير مسلم، لعموم ‏﴿من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياهم فقد أحيا الناس جميعا﴾ ..

والتعاون على ذلك كله واجب أيضا، وهو من التعاون على البر، سواء مع المسلمين أو غير المسلمين، إن لم يكن فيه ضرر أكبر على المسلمين، لعموم قوله تعالى: ‏﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، فالآية نزلت أصلا في شأن التعاون مع المشركين، كما هو سياقها، وقد أعان النبي قبيلة خزاعة وهي مشركة وفاءً لها بالعهد حين اعتدت عليها قريش وحلفائها، وكان ذلك سبب فتح مكة في السنة ٨ للهجرة.

 

٣- وأما الركون المنهي عنه في آية: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُفهو في الأصل الركون للكفار والمشركين والرضا بهم وبشركهم وبأعمالهم، وطاعتهم في ذلك، كما ذكر ابن جرير الطبري عن أئمة التفسير وقال بعده‏: ‏(وإنما هذا لأهل الكفر وأهل الشرك، وليس لأهل الإسلام. أما أهل الذنوب من أهل الإسلام، فالله أعلم بذنوبهم وأعمالهم، ما ينبغي لأحد أن يصالح على شيء من معاصي الله، ولا يركن إليه فيها).

ويدخل في ذلك تبعا لعموم الآية الركون للظالمين من المسلمين، سواء بالرضا بظلمهم، أو إعانتهم عليه، كما في الحديث الصحيح عند أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن حبان والحاكم في صحيحهما، عن كعب بن عجرة أن النبي قال لهم: (سيكون بعدي أمراء، فمن دخل عليهم، وصدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه، وليس يرد علي الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه، وهو وارد علي الحوض)..

قال ابن عطية في تفسير الآية: (فالركون يقع على قليل هذا المعنى وكثيره، والنهي هنا يترتب من معنى الركون على الميل إليهم بالشرك معهم إلى أقل الرتب، من ترك التغيير عليهم مع القدرة، والذين ظلموا هنا هم الكفار، وهو النص للمتأولين، ويدخل بالمعنى أهل المعاصي)..

وقال القرطبي: (وهذا هو الصحيح في معنى الآية، وأنها دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم، فإن صحبتهم كفر أو معصية، إذ الصحبة لا تكون إلا عن مودة).

وهذا بخلاف إعانتهم على البر والتقوى، وما أوجب الله على المسلمين جميعا، كالجهاد معهم، وإعانتهم على إقامة العدل والحق، فالواجب نصرتهم، ولا يعد ذلك من الركون إلى ظلمهم، بل من التعاون معهم على البر والتقوى، كما في حديث: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحلق)، قال الخطابي في معالم السنن ذاكرا ما يستفاد من الحديث ٢/ ٢٣٦: (وأن الجهاد لا ينقطع أبدا، وإذا كان معقولا أن الأئمة كلهم لا يتفق أن يكونوا عدلا، فقد دل هذا على أن جهاد الكفار مع أئمة الجور واجب، كهو مع أهل العدل، وإن جورهم لا يسقط طاعتهم في الجهاد، وفيما أشبه ذلك من المعروف).

وقال الحافظ العراقي في طرح التثريب ٧/ ٢٣٤  في فوائد حديث (الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة)، (الرابعة: استدل به أحمد بن حنبل والبخاري، وغيرهما على أن الجهاد واجب مع البر والفاجر؛ لأنه ذكر بقاء الخير في نواصيها إلى يوم القيامة، وفسره بالأجر والمغنم، ولم يقيد ذلك بما إذا كان الإمام عادلا، فدل على أنه لا فرق في حصول هذا الفضل بين أن يكون الغزو مع أئمة العدل أو أئمة الجور، وقد ورد التصريح بذلك فيما رواه أبو داود في سننه من حديث أنس قال قال رسول الله "ثلاثة من أصل الإيمان الكف: عمن قال لا إله إلا الله، ولا تكفره بذنب، ولا تخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار"، وعن أبي هريرة قال قال رسول الله "الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا، والصلاة عليكم واجبة خلف كل مسلم برا كان أو فاجرا، وإن عمل الكبائر" سكت أبو داود عليها.

الخامسة: وفيه بشرى ببقاء الجهاد إلى يوم القيامة، والمراد قربها، وأشراطها القريبة).

وهذا مبني على أصل عظيم من أصول الإسلام وهو أن حقوق الإسلام وأخوة أهل الإيمان لا تزول بالمعاصي، وأن جهادهم وعملهم الصالح لا يحبط بما يقع منهم من ظلمهم وبينهم من تظالم، لعموم النصوص كما في الصحيحين: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة)، وكما في المسند والسنن بإسناد صحيح: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم).

فالأمة كلها بمجموعها مخاطبة بأحكام الجهاد في سبيل الله، كما خاطبها الله بالصلاة والزكاة والصيام والحج، وهي الموعودة كلها بمجموعها بالاستخلاف في الأرض، والظهور على الأمم، فلا تختص فئة باسم الجهاد وأحكامه من دون الأمة، ولا تختص بالاستخلاف في الأرض من دونهم، ولا يفرق في أحكامه بين أهل الإسلام، كما لا يفرق بينهم في سائر الفرائض، بدعوى اختلاف الجماعات والمناهج، فالأحكام الشرعية العامة منوطة باسم الإسلام العام، فكل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله مخاطب بكل أحكامها، وموعود بكل ما ورد في فضل العمل بتلك الأحكام، مهما وقع منه قصور، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير﴾، فقد صح عن ابن عباس كما رواه ابن جرير الطبري في تفسير الآية قال: (هم أمة محمد ورثهم الله كل كتاب أنزله؛ فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب).

ورى عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (هذه الأمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة؛ ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا، وثلث يجيئون بذنوب عظام حتى يقول: ما هؤلاء؟ وهو أعلم تبارك وتعالى، فتقول الملائكة: هؤلاء جاءوا بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا بك، فيقول الرب: أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي، وتلا عبد الله هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾).

وروى بأسانيد صحيحة عن كعب: (إن الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات من هذه الأمة كلهم في الجنة، ألم تر أن الله يقول: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا...﴾ حتى بلغ قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾).

وروي عن عمر وعثمان رضي الله عنهما: (سابق سابق، ومقتصد ناج، وظالمنا مغفور له).

ورجح هذا ابن جرير الطبري، ثم رد على من استشكل ذلك فقال: (فإن قال قائل: فإن قوله ﴿يدخلونها﴾ إنما عنى به المقتصد والسابق! قيل له: وما برهانك على أن ذلك كذلك من خبر أو عقل؟ فإن قال: قيام الحجة أن الظالم من هذه الأمة سيدخل النار، ولو لم يدخل النار من هذه الأصناف الثلاثة أحد وجب أن لا يكون لأهل الإيمان وعيد؟ قيل: إنه ليس في الآية خبر أنهم لا يدخلون النار، وإنما فيها إخبار من الله تعالى ذكره أنهم يدخلون جنات عدن، وجائز أن يدخلها الظالم لنفسه بعد عقوبة الله إياه على ذنوبه التي أصابها في الدنيا، وظلمه نفسه فيها بالنار أو بما شاء من عقابه، ثم يدخله الجنة، فيكون ممن عمه خبر الله جل ثناؤه بقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾.

وقد روي عن رسول الله بنحو الذي قلنا في ذلك أخبار وإن كان في أسانيدها نظر مع دليل الكتاب على صحته على النحو الذي بينت).

 وعلى هذا القول أكثر أهل التفسير والفقهاء، قال ابن كثير في تفسيره: (والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة، وهذا اختيار ابن جرير، كما هو ظاهر الآية، وكما جاءت به الأحاديث عن رسول الله من طرق يشد بعضها بعضا، فإن الآية عامة في جميع الأقسام الثلاثة في هذه الأمة).

وما زال المسلمون والأئمة الفقهاء والمحدثون طوال عصورهم يجاهدون مع الأمراء، ويفتحون الأرض، ويظهرون على الأمم، ويدفعون عن البيضة مع كل إمام كان برا أو فاجرا، لم يتعطل الجهاد قط، ولا يمتنع أحد منهم من القتال الواجب لفقد الإمام لصفة العدالة، ولم يقل أحد قط منهم بأن ذلك من الركون للظالمين..

قال ابن قدامة الحنبلي في الكافي ٤/ ١٣٤: (ويغزى مع كل بر وفاجر، لقول رسول الله "الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا"، رواه أبو داود؛ ولأن تركه مع الفاجر يفضي إلى تعطيل الجهاد وظهور العدو.

وقال أحمد: لا يعجبني أن يخرج مع القائد إذا عرف بالهزيمة، وتضييع المسلمين، فإن كان القائد يعرف بشرب الخمر، والغلول، يغزى معه إذا كان له شفقة وحيطة على المسلمين. إنما فجوره على نفسه، ويروى عن النبي أنه قال: "إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" متفق عليه).

وقال في المغني ٩/ ٢٠٠: ((ويغزى مع كل بر وفاجر) يعني مع كل إمام. قال أبو عبد الله وسئل، عن الرجل يقول: أنا لا أغزو ويأخذه ولد العباس، إنما يوفر الفيء عليهم، فقال: سبحان الله، هؤلاء قوم سوء، هؤلاء القعدة، مثبطون جهال، فيقال: أرأيتم لو أن الناس كلهم قعدوا كما قعدتم، من كان يغزو؟ أليس كان قد ذهب الإسلام؟ ما كانت تصنع الروم؟ ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يفضي إلى قطع الجهاد، وظهور الكفار على المسلمين واستئصالهم، وظهور كلمة الكفر، وفيه فساد عظيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ قال أحمد: لا يعجبني أن يخرج مع الإمام أو القائد إذا عرف بالهزيمة وتضييع المسلمين، وإنما يغزو مع من له شفقة وحيطة على المسلمين.

فإن كان القائد يعرف بشرب الخمر والغلول، يغزى معه، إنما ذلك في نفسه).

فلا يفرق الفقهاء قط في جهاد الدفع خاصة بين المجاهدين من المسلمين، بالنظر إلى أسمائهم، وراياتهم، ودولهم، وحكوماتهم، فالدفع واجب عليهم كلهم على حد سواء، وقتالهم كلهم جهاد في سبيل الله، لا فرق بين صالح وظالم، وقتيلهم شهيد في سبيل الله..


٤- أما القتال حمية وعصبية قومية أو وطنية أو قبلية أو حزبية، فإن كان القتال نفسه مشروعا في حد ذاته وبحق، فلا حرج فيمن قام به، وإنما لا أجر له إن قام به حمية فقط، ولم يراع بأنه حق مشروع، كما في صحيح مسلم عن جابر، قال: (اقتتل غلامان: غلام من المهاجرين، وغلام من الأنصار، فنادى المهاجر أو المهاجرون، يا للمهاجرين ونادى الأنصاري يا للأنصار، فخرج رسول الله ، فقال: ما هذا دعوى أهل الجاهلية؟ قالوا: لا يا رسول الله إلا أن غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر، قال: فلا بأس ولينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما، إن كان ظالما فلينهه، فإنه له نصر وإن كان مظلوما فلينصره).

فقد نهاهم النبي عن الحمية الجاهلية، وأمرهم بنصرة بعضهم بعضا بالحق والمعروف..

فاللهم وحد صفوف أهل الشام، وألف بين قلوبهم، واجمع كلمتهم، وثبت أقدامهم، وعجل نصرهم..

آمين آمين ..

….

موضوعات ذات صلة:

فتوى في بطلان اشتراط وجود الإمام والراية لمشروعية الجهاد في سبيل الله

الإعلام بأحكام الجهاد ونوازله في الشام

مكتبة أ.د. حاكم المطيري