المدينة المنورة … والحصار الأخير
تاريخ الحملة الصليبية ودولها الوظيفية في المنطقة العربية...

نظرات في السيرة النبوية
جميع حلقات نظرات في السيرة النبوية في صفحة واحدة ...

رأي الأسبوع
الثورة العربية .. والحكومات الثلاث

(الثورة العربية .. والحكومات الثلاث)

بقلم أ.د. حاكم المطيري

الأمين العام لمؤتمر الأمة

 السبت ٢٥ ربيع الثاني ١٤٤١

٢٢ ديسمبر ٢٠١٩

 

قدم الشعب السوري وما زال يقدم بحور الدماء، ومواكب الشهداء تلو الشهداء، من أجل حريته وكرامته ودينه وأمته، في ملحمة كبرى تخوضها الشعوب العربية منذ أواخر ٢٠١٠ وحتى اليوم.

ويجب على كل القيادات الشرعية والسياسية والعسكرية في الثورة السورية -في ظل اشتداد الهجوم الروسي على مناطق الشمال المحرر في ظل التواطؤ العربي الرسمي تجاه قتل الآلاف وتهجيرهم، وإعادة تأهيل نظام بشار- تحمل مسئوليتها التاريخية؛ لرص الصفوف، واستنهاض الهمم، لصد العدوان الروسي، وقيادة الثورة إلى الأمام؛ لتحقيق هدفها الرئيس وهو تحرير سوريا وإقامة نظام حكم يختاره شعبها، يعبّر عن حريته وهويته وسيادته على أرضه، بلا وصاية خارجية ولا داخلية، ولقطع الطريق على تقسيم سوريا، ولمنع فرض دستور المحتل الروسي عليه.

ولعل وجود ثلاث حكومات في سوريا اليوم هو أوضح دليل على ما هو المسموح به والمحظور دوليا على الشعوب العربية التي تأبى الحملة الصليبية الدولية عليها أن تنعم بالحرية!

  فأن ينتهي المشهد في سوريا  بالحكومات الثلاث -حكومة في دمشق تخضع للمحتل الروسي الإيراني، وحكومة مؤقتة في شرق الفرات تخضع للنفوذ الدولي، وحكومة إنقاذ تخضع لفصيل عسكري في إدلب- ليظل الشعب السوري مسلوب الإرادة؛ أوضح دليل لفهم ما الذي يراد بالأمة وشعوبها عامة، والشعوب العربية خاصة، وهي الحالة التي تكررت بكل وضوح في ساحات الثورة في فلسطين لتنتهي بتقسيمها بين الضفة وعباس وغزة وحماس!

وبتقسيم اليمن إلى حكومة الشرعية والمجلس الانتقالي في عدن، وحكومة الحوثي في صنعاء!

وبتقسيم ليبيا بين حكومة السراج في طرابلس وحفتر في بنغازي!

وعند تدقيق النظر بين هذه الحالات في كل هذه الساحات تكاد الظاهرة السياسية تكون واحدة تتمثل في:

١- غياب السيادة بشكل كلي فيها، فليس لهذه الحكومات سيادة حقيقية على أرضها، بل هي حكومات صورية لتصريف الشئون العاجلة من الأعمال، حتى تنهي مهمتها الموكلة بها، في ظل تحكم خارجي كامل بالحدود والجوازات والرواتب والبنوك، للمحافظة على الحد الأدنى للمعيشة في هذه المناطق لمنع خروجها عن السيطرة!

٢- غياب إرادة الشعوب تماما في هذه الساحات سواء في اختيار هذه الحكومات أو تغييرها أو محاسبة المسئولين فيها أو اختيار دستورها ونظامها السياسي!

فلا الشعب السوري اختار بشار ونظامه، ولا هو اختار الحكومة المؤقتة، ولا اختار حكومة الإنقاذ، ولا يستطيع تغييرها بل ولا يعرف كيف تم اختيارها!

وكذا لا يستطيع الشعب الليبي تغيير السراج واختيار غيره، ولا منع حفتر من الافتئات على التصرف في شئونه، ولا يملك أصلا القدرة على استعادة السلطة والحرية التي ثار من أجلها بعد أن حُشر بين خندقي السراج وحفتر!

وكذا حال الشعب اليمني فهادي منصور هو قدره المقدور دوليا برعاية خليجية، كما الحوثي وحكومته في صنعاء برعاية إيرانية!

وهكذا الحال في فلسطين التي أشرف على الانتخابات فيها سنة ٢٠٠٦ الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر -الذي رعى معاهدة كامب ديفيد- ليدخل الشعب الفلسطيني كله منذ تلك اللحظة نفق أوسلو والسلطة الموهومة والصراع عليها بين حماس برعاية إيرانية، وعباس برعاية الجامعة العربية!

٣- عدم قدرة هذه الحكومات على حسم الصراع بينها، بل وعدم السماح لها بذلك دوليا؛ لفرض مشروع التقسيم، واعتياد السكان عليه في هذه المناطق لأطول مدة، حتى يمضي جيل، ويأتي جيل جديد لا يعرف من الوطن القديم وحدوده إلا الواقع الذي يعيشه، فإذا المعابر تحول في الشمال السوري المحرر بين مناطق شرق الفرات الذي تديره الحكومة المؤقتة، وإدلب التي تديرها حكومة الإنقاذ في مشهد تراجيدي كريكاتيري في آن واحد!

٤- توهم الجميع أنه فعلا يمثل سلطة شرعية تحكم وتحل وتربط! بينما هو في الواقع لا يعدو أن يكون قوة أمن وضبط وسيطرة داخليا، وحجرا على رقعة الشطرنج الدولية! فهو لا يخرج من معبره إلا بإذن، ولا يعود إلا بإذن، لتنتظر حكومة السراج في طرابلس إقرار ميزانية ليبيا في روما، وتنتظر حكومة منصور الإذن لها بالسفر من الرياض إلى عدن! وتنتظر حكومة غزة السماح لقطر بتحويل رواتب موظفيها عبر البنوك الإسرائيلية شهريا! ولينتظر إسماعيل هنية فتح المعبر له ليشارك في مؤتمر ضد المحتل الصهيوني في الخارج! ويسمح له بعقد لقاء مع زياد نخالة رئيس الجهاد الإسلامي في القاهرة لمناقشة العدوان الصهيوني على غزة، ثم يصدران بيانا تاريخيا (توجهت فيه قيادتا الحركتين بالشكر الجزيل لجمهورية مصر العربية لدعوتها الكريمة ودورها الذي تبذله في سبيل استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وإنهاء الانقسام، ووقف العدوان الصهيوني المتكرر على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة واستعرض المجتمعون المخاطر المحدقة بالقضية الفلسطينية في ظل محاولات تصفيتها ومواجهة "صفقة القرن") وانتهى البيان ولم تنته مأساة الشعب الفلسطيني معه بعد أن صار السيسي الصهيوني هو الراعي الجديد للمقاومة الفلسطينية الموحد لفصائلها، الرافض لصفقة القرن، بعد أن انتهى دور الأسد ومشروع المقاومة!

٥- إشراك جميع القوى على الأرض في تنفيذ مشروع التقسيم وفرض الضبط والسيطرة على سكان المناطق الثائرة؛ مقابل الاعتراف لهذه القوى بالوجود العسكري وحمل السلاح! سواء من الأحزاب القومية والإسلامية (المؤتمر والإصلاح والسلفية) إلى المليشيات الشيعية في اليمن، ومن الفصائل الثورية إلى السلفية الجهادية في سوريا، ومن فتح إلى حماس في فلسطين، فالجميع يأخذ دوره ومكانه في تنفيذ المشروع في ظل غياب كامل لمشروع الأمة ومشروع الوحدة ومشروع التحرير والسيادة من النفوذ الأمريكي الروسي الأوربي!

٦- تفريغ المناطق من سكانها، حيث تحولت هذه الساحات المقسمة إلى محطات تهجير ممنهج، حيث يخرج من غزة وحدها نحو ٧٠ ألف شاب سنويا إلى الخارج للبحث عن لقمة العيش، ويهاجر من شمال سوريا وليبيا واليمن أكثر من ذلك، في الوقت الذي تحتاج هذه الساحات كل الطاقات والقيادات التي تحتاجها معركة التحرير؛ مما يؤكد أن مشروع الضبط والسيطرة المسموح به دوليا في هذه المناطق هو الهدف الرئيس، والذي لا يتحقق إلا بتهجير السكان منها، كما جرى تماما للعراق في ظل الاحتلال الأمريكي حيث تم استهداف كل فصائل المقاومة العراقية بالتصفية والاغتيال على يد تنظيم داعش حتى فرت كل قياداتها إلى الخارج وخلا العراق من كل قواه المقاومة وانتهى دور داعش، بخلاف ما لو كان الهدف هو مشروع التحرير، الذي يقتضي دعوة كل القيادات والطاقات بكل وسيلة من الخارج من كل القوى السياسية ليشارك الجميع بتحمل المسئولية، ويشعروا بأنهم شركاء في الوطن والسلطة لاستكمال معركة التحرير في الداخل؛ وهو الشعور الجمعي المفقود في كل هذه الساحات حيث طغت الروح الفصائلية -وهو ما يراهن عليه المحتل نفسه لتنفيذ مشروع تجزئة المجزأ- وغابت الوحدة الوطنية والروح القومية التي كان يقوم عليها مشروع سايكس بيكو فضلا عن الأخوة الإسلامية وروح الأمة التي نقضت عراها بسقوط الخلافة!

وهو ما يوجب على الأمة وشعوبها استعادة الوعي بطبيعة المعركة وأدواتها، وقدرة النظام الدولي على التحكم بها، وإعادة إنتاج منظوماتها السياسية، عبر أوهام الوصول إلى السلطة، بما في ذلك إيهام قوى الثورة والمقاومة والجهاد نفسها بها، لينتهي بها المطاف كجزء من النظام الدولي والحملة الصليبية التي تحكم المنطقة، لا جزء من ثورة الأمة وشعوبها وحركة تحررها!