المدينة المنورة … والحصار الأخير
تاريخ الحملة الصليبية ودولها الوظيفية في المنطقة العربية...

نظرات في السيرة النبوية
جميع حلقات نظرات في السيرة النبوية في صفحة واحدة ...

رأي الأسبوع
نازلة ولا فقه!

نازلة ولا فقه!

 

بقلم أ.د. حاكم المطيري

 24/ 11/ 1441

15/ 7/ 2020

إغلاق كل مساجد بلدة ما بلا عذر -ومنع أهلها كلهم من صلواتهم الواجبة فيها سواء ما كان فرض عين كالجمعة أو فرض كفاية كالجماعات في الصلوات الخمس فضلا عن اعتقال من يصلي جماعة ومحاكمته- كفر وردة، بالنص والإجماع، وليس فسقا ومعصية فقط، وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة، فلو قامت دولة بهذا الفعل بلا عذر لحكم عليها بالردة بلا خلاف!

والدليل عليه هو الآيات الواردة في شأن الكفار والمشركين الذين يمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ويصدون عن البيت الحرام، وكمن ينهى من المشركين مؤمنا إذا صلى ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى. عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾[العلق:9 -10]، إذا لا يتصور وقوع هذا الفعل من مسلم أصلا ولا يصدر إلا من كافر أو مشرك!

وقد أجمع الفقهاء على حرمة إغلاق المساجد وقت الفريضة واختلفوا في غيره من الأوقات واحتجوا بعموم آية ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي: لا أكفر ﴿مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾[البقرة:114] مع نزولها في المشركين؛ إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبعموم هذه الآية قال الطبري والقرطبي وابن الفرس ونص على أنه المشهور عند أئمة التفسير!

قال الطبري في تفسير الآية: (وإن كان قد دل بعموم قوله: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه)، أن كل مانع مصليا في مسجد لله، فرضا كانت صلاته فيه أو تطوعا-، وكل ساع في إخرابه فهو من المعتدين الظالمين)

وقال القرطبي: (وقيل: المراد من منع من كل مسجد إلى يوم القيامة، وهو الصحيح، لأن اللفظ عام ورد بصيغة الجمع، فتخصيصها ببعض المساجد وبعض الأشخاص ضعيف)

وقال ابن الفرس الأندلسي في أحكام القرآن: (وهذه الآية وإن كانت خرجت على ذكر مسجد مخصوص، فإنها تعم جميع المساجد على مشهور القول في هذا)

وقال البغوي في تفسير الآية: (فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي: أكفر وأعتى ﴿مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ﴾..).

وقال ابن مازة في المحيط البرهاني في فقه الحنفية في الاستدلال بالآية وعمومها: (ويكره لأهل المسجد أن يغلقوا باب المسجد؛ لأن المسجد أعد لذكر الله تعالى فيه قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦]، فإذا أغلقوا باب المسجد فقد منعوا عن الصلاة والذكر فيه، فدخلوا تحت قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة:١١٤] قال مشايخنا: وهذا في زمانهم، أما في زماننا، فلا بأس بإغلاق أبواب المساجد في غير أوان الصلاة؛ لأنه لا يؤمن على متاع المسجد وبنائه وحصره من قبل السارق؛ لأن الغلبة في زماننا لأهل الفسق)

وكذا لا خلاف بين الفقهاء على أن أوجب الضرورات الخمس بالحفظ هي ضرورة حفظ الدين، وأنها أولى من حفظ النفس؛ ولهذا وجب الجهاد وما فيه من تلف النفوس والأموال لإقامة الدين، وإنما شرعت أحكام الضرورات لحفظ النفس فيما لا ينتقض به الدين، كجواز التلفظ بكلمة الكفر تقية عند الإكراه لحفظ النفس من القتل، إذ ليس في التلفظ بالكلمة حال الإكراه مع اطمئنان القلب بالإيمان ذهاب للدين!

واختلفوا في ضرورة حفظ النفس إذا تعارضت مع ضرورة حفظ العرض، فأكثرهم على المنع من فعل فاحشة الزنا تحت الإكراه بذريعة حفظ النفس من القتل!

ولهذا لو حاصر العدو أهل بلد وخيرهم بين قتالهم أو أخذ نسائهم وانتهاك أعراضهم لوجب عليهم القتال حتى لو ذهبت نفوسهم!

وإذا تقرر هذا الأصل ظهر حكم إغلاق المساجد بشكل عام، ومنع المسلمين من أداء فرائضهم فيها، بدعوى الحفاظ على الصحة العامة من وباء كورونا، حتى لا تقام جمعة ولا جماعة في البلد كله، وأنه مصادم للنص والإجماع والأصول والمقاصد، ولا يقتحم مثل هذا الفعل - الكفري في حد ذاته - بذريعة الرخصة وحفظ بعض النفوس من التلف، لو كان تلفها متيقنا إذ للمريض أو من يخشى المرض رخصة وعذر يسقط بهما عنه وجوب الجمعة والجماعة ولا يتعدى الحكم إلى غيره من الأصحاء فضلا عن إغلاق المساجد، فكيف وتلفها مظنون موهوم! بل أقصى ما يمكن حدوثه في المساجد هو ما يقع مثله في الأسواق والمستشفيات وهو الإصابة بالوباء الذي لا يشعر ٩٧% ممن يصابون به بأي أعراض! ولا تتجاوز نسبة الوفاة ممن تظهر عليهم أعراضه ٣% فقط!

ولا يعرف في رخص الشريعة وأعذارها رخصة عامة يستحل بها ما هو كفر وردة قطعية كمثل فتنة إغلاق المساجد كافة بدعوى حفظ الصحة!

فهي نازلة بلا نقل ولا عقل!

ولا قياس ولا أصل!