المدينة المنورة … والحصار الأخير
تاريخ الحملة الصليبية ودولها الوظيفية في المنطقة العربية...

نظرات في السيرة النبوية
جميع حلقات نظرات في السيرة النبوية في صفحة واحدة ...

رأي الأسبوع
صناعة الزيف والوعي بالذات

صناعة الزيف والوعي بالذات

بقلم أ.د. حاكم المطيري

17/ 5/ 1443هـ

21/ 12/ 2021م

 

من أراد معرفة كيف صُنع النظام العربي الوظيفي السياسي والديني الرسمي والشعبي في ظل المحتل البريطاني والحملة الصليبية، وكيف استطاعت هذه الحملة استلاب العقل العربي، والوعي بالذات، وإعادة صياغته وفق ما تريده منه وله، وتشكيل هوية قومية ووطنية مزورة، ونخب عربية متحورة، ما تزال تحكم وتتحكم في العالم العربي حتى اليوم، وكيف جعلت بريطانيا من قادة المعارضة ودعاة الاستقلال -فضلا عن عملائها- حراسا لدولها الوظيفية باسم الاستقلال الموهوم، وهو ما جرى في كل بلد عربي خضع للمحتل البريطاني والفرنسي والإيطالي في الحرب العالمية الأولى -ثم الأمريكي الروسي بعد الحرب العالمية الثانية- فليقرأ مقال الصحفي السوداني عثمان ميرغني وما ذكره عن الوفد السوداني بسياسيه وشيوخ دينه الذين انحنوا بين يدي ملك بريطانيا مقدمين له فروض الطاعة بعد هزيمته للخلافة الإسلامية العثمانية، وكيف خطب زعيمهم فقال فيه ما لم يقل مثله خطيب بريطاني في مجلس اللوردات أو العموم -وقد قيل مثله في الخليج ومصر والعراق- والذي يفسر كيف تحول الخطاب الإسلامي السوداني الذي جاهد المحتل البريطاني بعد عشرين سنة فقط إلى خطاب سياسي إنجليزي الوجه واليد واللسان! حيث يقول الكاتب الميرغني في مقاله: (في 2 سبتمبر 1898 ذبح جيش كتنشر على ضفاف النيل أكثر من عشرة آلاف سوداني في ساعتين- فقط.. وصورها وردي في أغنيته الشهيرة (والـنـهـر يـطـفـح بالـضـحايـا بـالـدماء الـقـانـيـة).

بعد عشرين عامًا- فقط.. وفي يوم 28 يوليو 1919 كان السودان كلّه.. منحنيًا بين يدي الملك جورج الخامس في لندن يقدم قسم الولاء.. ويهديه سيف الإمام المهدي تأكيدًا للخضوع.. فيرده الملك إلينا، ويطلب منا أن نحمي به الإمبراطورية البريطانية..!!

في يوم 28 يوليو عام 1919 استقبل الملك جورج الخامس ملك بريطانيا في قصره في بكنجهام وفدًا مثل السودان كلّه.. أفقيًا ورأسيًا.. الوفد يتكون من ثلاثة من أكبر زعماء الطوائف الدينية.. هم السيد علي الميرغني زعيم الطائفة الختمية، والسيد عبد الرحمن المهدي زعيم طائفة الأنصار، والسيد الشريف يوسف الهندي.

ويرافقهم ثلاثة من العلماء السودانيين هم: الشيخ علي الطيب أحمد هاشم "مفتي السودان"، والشيخ أبو القاسم أحمد هاشم "رئيس لجنة العلماء"، والشيخ إسماعيل الأزهري "قاضي دارفور".

ومعهم أربعة من زعماء القبائل هم: السيد علي التوم "ناظر الكبابيش،" والسيد إبراهيم موسى "ناظر الهدندوة"، والسيد عوض الكريم أبو سن "نائب ناظر الشكرية"، والسيد إبراهيم محمد فرح "ناظر الجعليين". سجلت الصحف البريطانية -وبالتحديد- صحيفة (التايمز) خبر هذه الزيارة التأريخية، وأنا -هنا- أستأذن الأستاذ بدر الدين حامد الهاشمي في استخدام ترجمته لخبر نشرته صحيفة (التايمز)، ونقلته صحيفة استرالية بعد عدة أشهر.

عنوان الخبر (ولاء السودان: وفد الزعماء إلى الملك)

SUDAN LOYALTY: CHIEF'S DEPUTATION TO THE KING

ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

أوردت صحيفة التايمز في يوم 29 يوليو 1919م نبأ زيارة وفد الزعماء السودانيين -وهم في ملابسهم التقليدية- إلى قصر بكنغهام في اليوم السابق، حيث قدموا للملك (جورج الخامس) خطاب تهنئة وولاء؛ بمناسبة انتهاء الحرب بنصر مبين، وكان يرافق الوفد السوداني -الذي ترأسه السيد السير علي الميرغني- كلًا من اللواء السير ريجيلاند ونجت، والمشير لورد قرينفيل، والسير أيدقارد بيرنارد، واستقبل الوفد في القصر -أولًا- لورد كرومر، والذي أخذهم إلى مقابلة الملك والملكة، وألقى رئيس وفد الزعماء السودانيين كلمة باللغة العربية تولى ترجمتها إلى الإنجليزية السير ونجت.

جاء في خطبة السيد السير علي الميرغني ما يلي:

"يا جلالة الملك، نتقدم إلى جلالتكم بأعلى آيات الامتنان؛ للتشريف العظيم الذي طوقتمونا به، وللسماح لنا بالمثول أمام جلالتكم، أنا -شخصيًا- السيد السير علي الميرغني، ومعي الشريف يوسف الهندي، والسيد عبد الرحمن المهدي، بالنيابة عن الزعماء الدينيين في السودان؛ والشيخ الطيب أحمد هاشم مفتي السودان، والشيخ أبو القاسم هاشم رئيس مجلس العلماء، والسيد إسماعيل الأزهري قاضي مديرية دارفور بالنيابة عن مسؤولي المحكمة الشرعية؛ والشيخ علي التوم ناظر الكبابيش، والشيخ إبراهيم موسى ناظر الهدندوة، وشيخ إبراهيم محمد فرح ناظر الجعليين، وشيخ عوض الكريم أبو سن نائب ناظر الشكرية، بالنيابة عن نظار الإدارة الأهلية لحكومة السودان، وبالإنابة عن أنفسنا، وكل الشعب السوداني، نتقدم -وبكل تواضع- إلى جلالتكم بتهانينا القلبية على الانتصار المجيد، الذي أحرزته جيوشكم، إن صلابة وثبات جنود الجيوش المتحالفة في غضون سنوات الحرب الطويلة والرهيبة هو ما أدى إلى هزيمة العدو هزيمة ساحقة، وإن انتصار جلالتكم الباهر هو ما انتزع إعجاب أهل السودان، وأفعم قلوبهم بالبهجة والسرور، وقد تيقن الشعب السوداني -تمامًا- من أن هذه الحرب -والتي كانوا قد تابعوا عن كثب وبمزيد من الاهتمام أسبابها وتقلباتها- تختلف عمّا سبقها من الحروب، فحروب الماضي كانت تقرر مصير الشعوب المتحاربة -فقط-، غير أن هذه الحرب العالمية، التي وضعت -للتو- أوزارها، حددت مصير كل الشعوب الضعيفة، والتي يعد السودان واحدًا منها، لقد كانت حربًا بين الحق والباطل، ولقد رجحت فيها كفة الحق؛ بفضل النصر الذي أحرزته جيوش جلالتكم، وتغلب فيها العدل على الظلم، وسحقت الحضارة البربرية.

ولقد بذلت الآلاف المؤلفة من جنود الجيوش المتحالفة دماءهم رخيصة؛ من أجل الدفاع عن حقوق الشعوب الصغيرة، ولتخليصهم من نير الظلم والاستبداد والعبودية، ولإدخال سائر بلدان العالم في عهد جديد من السلام والأمن والطمأنينة، ولقد أثبتت هذه الحرب –وبصورة نهائية- بطلان قاعدة "القوة هي الحق"، وأثبتت -أيضًا- ولكل الشعوب الكبيرة والصغيرة -على حد سواء- أن "الحق هو القوة" ولم يتطرق إلى شعب السودان أي شك في أن جيوش الحلفاء ستنتصر في نهاية المطاف، فعلى الرغم من أننا ظللنا نسمع -ولأربعين عامًا- الكثير عن استعدادات جيش العدو إلا أننا كنا موقنين من نتيجة الحرب؛ إذ أنه ليس من الممكن هزيمة أمة شعارها المساواة والعدالة والدفاع عن الضعيف وحمايته.

ولا بد لنا -يا جلالة الملك- من أن نزف لكم التهاني على انتصاركم، وعلى وحدة أجزاء إمبراطوريتكم الواسعة الممتدة، وعلى قوتها، وولائها لمليكها، والذي حاز على إعجاب العالم -بأسره-، رغمًا عن كل الدسائس والمؤامرات المستمرة والعديدة التي حاكها أعداؤكم، ورغم تباعد أجزاء إمبراطوريتكم، وانتشارها في كل بقاع العالم، إلا أن جميع سكانها كانوا على قلب رجل واحد، يعملون- جميعًا- من أجل تحقيق ذات الهدف، صامدين في ساعات الحزن، وأيام الفرح، وعلى كامل الاستعداد للتضحية بالمال، والدم، وبما كل ما لديهم؛ للدفاع عن عرش جلالتكم والإمبراطورية البريطانية، ولم يتخلف حتى السودان، أفقر وأصغر عضو في هذه الإمبراطورية العظيمة -ولكن بالقطع ليس أقلها ولاءً-، فقدم رجاله ما لديهم بكل حماس وحيوية، وبالمقارنة مع ما أتى من كل أجزاء إمبراطوريتكم فإنني أشعر بالخجل من أن أذكر هنا الدور المتواضع الذي لعبه السودان في الحرب، والذي يعدّ -إن جاز القول- نقطة في محيط، ولكن يجب أن نتذكر أن ما قدمه شعب السودان كان هو كل القليل الذي يملكه هذا الشعب المخلص، والذي ما بخل وما استبقى شيئًا، إن ما قدمه السودان إلى مجهودات الحرب كان قليلًا بالفعل، غير أنه كان صادرًا عن عاطفة صادقة.

وأستميح جلالتكم عذرًا في القول إن القليل الذي بذلناه في الحرب إنما هو ثمرة ما غرسته حكومة جلالتكم في البلاد، إنه-ببساطة- حصاد غرسكم الطيب، وعربون امتنان لكم.

لقد جعلتم يا جلالتكم العدل أساس ملككم الواسع، فسادت روح العدالة والسلام سائر أنحاء الإمبراطورية العظمى، ونحن عندما نهنئ -جلالتكم- فإننا في واقع الأمر نهنئ بلادنا وشعبنا.

لقد فاضت قلوبنا بالفخر والولاء والحب لجلالتكم؛ لما رأيناه في سائر أرجاء بلادنا من سيادة روح الأمن والعدل طوال السنوات الماضية، وما أظهرته حكومة جلالتكم من اهتمام بشؤون السودان، وبذل التضحيات العظام في سبيل تقدمه وإسعاده ماديًا ومعنويًا، وإدخاله شعبه ضمن رعايا الإمبراطورية البريطانية، وإننا نقدر -تمام التقدير- أن تقدم السودان في المستقبل يعتمد على صلاته بإمبراطورية جلالتكم؛ ولذا فإننا نرفع أيدينا بالدعاء لله سبحانه وتعالى، ونضرع إليه أن يمنح جلالتكم عمرًا طويلًا وسعيدًا، وأن يحفظ بريطانيا العظمى رائدة الحرية والمدنية في العالم.

فليخفق علم الإمبراطورية البريطانية -طويلًا- على السودان؛ لتنشر في ربوعه السلام والهدوء، ولتواصل السعي من أجل تقدمه، حتى يأخذ مكانه المتقدم في أواسط أعضاء هذه الإمبراطورية، وندعو الله أن يأتي -سريعًا- هذا اليوم الذي يمكن للسودان فيه من تحقيق هذه الغاية.

وأخيرا نقدم -وبكل تواضع- إلى عرش جلالتكم كامل ولائنا وخضوعنا"

وأجاب الملك على ذلك الخطاب بالقول:

"أشكرك يا سيد سير علي الميرغني، وأعضاء الوفد السوداني؛ لخطابكم الذي عبر عن ولاء مقدر، إن سعادتي بلقائكم عظيمة يا ممثلي شعب السودان في أول زيارة لكم إلى إنجلترا، لقد قمت بزيارة إلى بورتسودان قبل سنوات قليلة من بدء الحرب وأنا عائد من الهند، وأذكر جيدًا أن عددًا منكم كان في استقبالي -يومها- إنني سعيد لتجديد معرفتي بكم -الآن- خاصة في هذه الظروف الميمونة، وكنت سأكون أكثر سعادة لو تمكن وفدكم من حضور احتفالات السلام، التي أقمناها في التاسع عشر من يوليو، وأشارككم الأسف والحسرة على وصولكم متأخرين للمشاركة في تلك الاحتفالات، لقد كان الدور الذي لعبه السودان بقيادة السير ريجيلاند ونجت والسير لي أستاك في الحرب دورًا ملاحظًا، ولم يحدث في أية منطقة تحت سلطة حكومة السودان -عدا دارفور- أي إخلال بالأمن، وكان سلوك كافة أفراد الشعب غاية في الولاء والإخلاص، وأعتقد -جازمًا- أن هذا يعزى -بدرجة كبيرة- إلى ما قمتم به أنتم، قادة الشعب الدينين والشعبيين في أوساط الناس، ولضربكم لهم المثل الشخصي، وبذلكم لهم النصح والإرشاد، ولقد صبّ كل ما فعلتم في خدمة أهداف الإمبراطورية، وأنا -هنا- أجزل لكم الشكر على كل ما قمتم به، وأثق أنكم ستبذلون في المستقبل -تمامًا- كما فعلتم في الماضي، غاية جهدكم في دعم هيبة حكومتي، والتي تعمل بجد في خدمة السودان، ونأمل في مواصلة ذلك العمل الجليل في مقبل السنوات، وأتمنى أن تكونوا مرتاحين ومستمتعين في مكان إقامتكم في لندن، وأن تتمكنوا من زيارة هذه البلاد في مرات قادمات، وعند عودتكم إلى السودان أرجو منكم أن تنقلوا عنى إلى ذلك الشعب المخلص، وقبائله، تحياتي وتقديري لولائهم وإخلاصهم، وأمنياتي لهم بدوام التقدم والرفاه لبلادهم".

في نهاية اللقاء.. الإمام عبد الرحمن المهدي أهدى ملك بريطانيا (سيف الإمام المهدي)؛ عربونًا للولاء والطاعة.

ثم ألقى السيد عبد الرحمن المهدي هذه الكلمة:

"يا جلالة الملك، أنتهز هذه السانحة الكريمة لأضع في يدي جلالتكم هذا السيف التاريخي، "سيف النصر"، الذي كان عند والدي، عربونًا حقيقيًا للولاء والخضوع لمقام عرشكم السامي، وأعدُّ نقل هذا السيف إلى جلالتكم دليلًا قاطعًا ومطلقًا في رغبتي في أن تعدّونني -أنا، وأتباعي- في السودان خدامًا مطيعين لكم، لقد أظهرت -ولسنوات بعد إعادة احتلال السودان- لرجالكم العاملين في السودان -وبطرق مختلفة- خدماتي وكامل ولائي، وهنالك الكثير من أفراد شعبي الذين ينتظرون عودتي عقب مقابلتي جلالتكم ظافرًا بكريم عطفكم، ويتمنون أن يكونوا من ضمن رعاياكم المخلصين، وأنا الآن أعرض على جلالتكم خدماتي المخلصة والمتواضعة".

لكن الملك جورج أعاد إليه السيف، وخاطبه قائلًا: "أقبل منك هذا السيف، وأقدر لكم روح الإخلاص والولاء لنا، والتي دفعتكم إلى تقديم هذه الهدية، وسأعيد هذا السيف لك، ولورثتك؛ لتحتفظوا به، وتستخدموه نيابة عني في حماية عرشي وإمبراطوريتي، ودليلًا على قبولي بخضوعكم وإخلاصكم وولائكم، أنتم وأتباعكم، لنا".

صفحة يجب أن تنسى:

هذه القصة لا يحبذ الكثيرون المرور عليها، يعدّونها واحدة من الصفحات المنسية في تاريخ السودان أو- للدقة- (صفحة يجب أن تُنسى)..!!؛ لأنه، وفي صبيحة يوم الاستقلال في الأول من يناير 1956-نفس الزعماء- هم من يتصدرون حفل إشهار استقلال السودان، جلس في ساحة القصر الجمهوري السيدان علي الميرغني، وعبد الرحمن المهدي.. وتولى السيدان إسماعيل الأزهري (رئيس الحكومة- ومحمد أحمد المحجوب- زعيم المعارضة- رفع علم السودان على السارية).

الاستعمار كان محروسًا بولاء وقسم مغلظ، أجزله كبارنا إلى ملك بريطانيا).

انتهى الشاهد من المقال، وأبلغ منه واقع الحال! فكم في كل بلد عربي نخب سياسية ودينية ما تزال تقوم بالدور نفسه لخدمة المحتل الأوربي والأمريكي الروسي، ونظامه الدولي وباسم (الإسلام السياسي)!