حكم التعزية بأهل البدع
فتوى الشيخ أ.د. حاكم المطيري
10 / 9/ 1447هـ
27 / 2/ 2026م
السؤال/ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا لدي ثلاثة أسئلة:
١- هل يجوز التعزية بأهل البدع؟
٢- وهل من السنة التعرض للأموات ببيان بدعهم وانحرافاتهم؟
٣- وما حكم من ذكرهم بخير عند نعيهم؟
الجواب/ وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته..
ج١) التعزية سنة مشروعة لأهل الميت المسلم بلا خلاف، وإنما الخلاف بين الفقهاء في التعزية بغير المسلم، وقد أجازها الجمهور،
والإمام أحمد في رواية، كتهنئتهم في أفراحهم، وعيادة مرضاهم، كما صح عن النبي ﷺ عيادة جاره اليهودي، وذلك من باب المواساة، وهي من مكارم العادات، ومحاسن
الأعراف، واختار رواية الجواز -عند أحمد- شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم.
ج٢) وأما التعرض المستمر بالطعن بالمخالفين حين وفاتهم ببيان
بدعهم فليس من السنة، ولا من آداب الإسلام، ولا
من مكارم الأخلاق عند العرب خاصة، ولا الأمم عامة، فقد نهى النبي ﷺ عن التعرض للأموات عامة، كما في الصحيح عن عائشة مرفوعا: (لا تسبوا الأموات
فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا)،
وقد جاء سبب ذكرها للحديث من طريق مجاهد قال: (إن عائشة قالت: ما فعل يزيد
الأرجي لعنه الله؟ قالوا: مات. قالت: أستغفر الله. قالوا: ما هذا؟ فذكرت الحديث).
ومن طريق مسروق: (إن عليا بعث يزيد بن قيس الأرجي في أيام الجمل برسالة،
فلم ترد عليه جوابا، فبلغها أنه عاب عليها ذلك، فكانت تلعنه، ثم لما بلغها موته نهت
عن لعنه، وقالت: "إن رسول الله نهانا عن سب الأموات").
وهذا نهي عام يبقى على عمومه، وإنما خص منه ما كان على سبيل الشهادة له
ونحوه.
أو من أطبق المسلمون على ذمه من رؤوس النفاق والشر، كما في الصحيح: (أثنيتم
عليه شرا فوجبت له النار)، بخلاف حكم من اختلف المسلمون فيهم مدحا وقدحا، فيبقى على
حكم الأصل وهو المنع من التعرض له، صيانة لحرمة موتى المسلمين، وكف الأذى عنهم حين
موتهم، والاكتفاء بالدعاء لهم، وقد نهى الله عن سب آلهة المشركين، حتى لا يسبوا الله
عدوا، كما قال تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم
كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون﴾ [الأنعام:
١٠٨].
وكذلك يتجنب كل سب للمشركين وأذى يفضي إلى سب رسول الله ﷺ وأذاه، أو سب المسلمين وأذاهم، من باب سد الذريعة، كما في الصحيحين:
(إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه! قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟
قال: يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه)..
قال ابن الملقن في شرحه للبخاري: (هذا الحديث أصل في قطع الذرائع، وأن
من آل فعله إلى محرم وإن لم يقصده فهو كمن قصده وتعمده في الإثم، ألا ترى أنه عليه
السلام نهى أن يلعن الرجل والديه، فكان ظاهره تولي اللعن، فلما أخبر أنه إذا سب أبا
الرجل فسب الرجل أباه وأمه كان كمن تولى ذلك بنفسه، وكان ما آل إليه فعله أنه كلعنه
في المعنى؛ لأنه كان سببه).
فالذين يتعرضون عادة للأموات من أهل القبلة بالسب والطعن والتجريح بدعوى
بيان بدعتهم، يجعلون علماء السنة عرضة للسب والطعن عند وفاتهم، من أهل البدع معاملة
بالمثل، فكانوا كمن سب علماء السنة، كما هو حاصل منذ وجدت وسائل التواصل الحديثة، وشاعت
هذه العادة المنكرة القبيحة! فلما استزلهم الشيطان، ولم يجدوا ما يحتجون به على فعلهم
المنكر هذا، أخذوا يستدلون بفعل بعض شيوخهم، أو ببعض النصوص عن بعض السلف، ليردوا السنن
الصحيحة المشهورة الصريحة عن النبي ﷺ بالنهي عن التعرض للموتى، فاستحلوا من أعراضهم ما نهى الله عنه!
وكذا نهى النبي ﷺ أيضا عن إيذاء أهل
الميت بسبّه، فقال كما في الترمذي: (لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء)، وأمرهم ألا
يذكروا عن الميت إلا خيرا، فقال ﷺ كما في النسائي:
(لا تذكروا هلكاكم إلا بخير).
وكل هذه النصوص عامة، مطلقة، وجاءت أحاديث النهي عن جماعة من الصحابة بصيغ
مختلفة تارة باللفظ العام، وتارة بحصر ذكرهم بالخير، وتارة بتعليل عدم إيذاء أهلهم،
وتارة بأنهم قد أفضوا إلى الحساب، فأمرهم إلى الله، فقد انقضت خصومة الدنيا بما فيها،
وصار الأموات إلى الله الحكم العدل..
ومما يدل على هذا العموم، مراعاة لمكارم الأخلاق، ما جاء في الصحيح أنه
مر عليه ﷺ بجنازة يهودي فقام حتى مضت! فقيل: إنه يهودي؟ فقال: (أليست نفسا)!
فدلّ ذلك على تعظيم شأن الموت، وتعظيم شأن النفس البشرية عموما، وأن ذلك
من آداب الإسلام العامة، فيما راعى فيه محاسن العادات عند العرب، بل عند كل الأمم كلها
من مواساة أهل الميت، وتعزيتهم، وذكره بخير، كما قال النبي ﷺ: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).
وإذا كان هذا في شأن موتى المشركين والمنافقين، مراعاة لذويهم من المسلمين،
ففي شأن موتى المسلمين أولى، والحرمة لهم أشد، فلا يجوز إيذاء أهلهم وذويهم وأتباعهم،
بل أمر الله بنص القرآن الدعاء للمؤمنين جميعا، (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا
اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا
إنك رءوف رحيم) [الحشر:١٠]..
فمن يرى أن الميت مسلم ومن أهل القبلة، فقد أوجب الصلاة عليه، بالنص والإجماع،
وهي أعظم صور الدعاء للميت بالرحمة والاستغفار له، فلا خلاف بين العلماء بأن الصلاة
على أهل القبلة فرض كفاية، إذا لم يقم بها أحد أثِم الجميع..
وعلى هذا الأدب الإسلامي الكريم أدركنا أهل العلم حقا، فكانوا إذا بلغهم
وفاة أحد حتى ممن آذاهم كفوا عنه، واستغفروا له، كما فعلت أم المؤمنين عائشة، مع يزيد
بن قيس الأرجي.
وقد سئل الشيخ ابن باز -كما تفسير سورة التوبة ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة﴾-
عن الاستغفار لأهل البدع والترحم عليهم فقال: نعم يستغفر لهم، ويترحم عليهم.
وقد ذكر ابن القيم عن شيخ الإسلام ابن تيمية ما هو أعظم من ذلك، كما في
"مدارج السالكين" قال: (وجئت يومًا مبشِّرا له بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة
وأذى له [القاضي ابن مخلوف] فنهرني، وتنكر لي، واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله
فعزاهم، وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم
فيه، ونحو هذا من الكلام، فسروا به، ودعوا له وعظموا هذه الحالة منه، فرحمه الله ورضي
عنه).
فهذه هي السنة، والسلفية، وأدب الإسلام، ومكارم أخلاق العرب التي بعث النبي
ﷺ ليتممها، وأما التعرض الدائم للأموات عند نعيهم بالسب، بدعوى أنهم من
أهل البدع، فهو من البدع المحدثة المستقبحة المنكرة شرعا وعقلا وخُلقا..
وإنما كان بعض السلف يفرحون بموت أئمة الجور، ويظهرون سبهم ولعنهم عند
وفاتهم، بسبب ظلمهم لهم، وتصرفهم في دماء المسلمين وأموالهم وحقوقهم بغير حق وبلا ولاية
شرعية ولا رضا ولا شورى لقوله تعالى: ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلِم﴾[النساء:١٤٨]،
كما صح عن ابن عباس في تفسيرها: (لا يحب الله أن يدعوَ أحدٌ على أحد، إلا أن يكون مظلومًا،
فإنه قد أرخَص له أن يدعو على من ظلمه).
وهذا لا يمنع من بيان البدع والانحرافات عند أهلها، دون تعرض الأموات بالسب،
ولا تقصّد ذلك عند وفاتهم ونعيهم، فلكل مقام مقال، ولكل حال أدب..
ج٣) ومن عزى بأهل البدع وأهل القبلة، أو حتى بغير المسلمين،
من باب العمل بالسنة، أو مواساةً لأهل
الميت، أو مراعاة للأعراف الكريمة، فهو مشكور مأجور، بخلاف من عزى تعزيزا لبدعهم وباطلهم
أو كفرهم وترويجا لها..
والثناء عليهم إذا لم يتجاوز وصفهم بالصدق كما هو الواقع بلا كذب، كوصف
العالم منهم بعلمه، والفقيه بفقهه، أو ذكر صفاتهم الخلقية ككرمهم، وصدقهم، أو عبادتهم
وزهدهم، فلا حرج في ذلك كله، ولا يجوز الثناء على أحد بقصد ترويج بدعته أو باطله حيا
كان أو ميتا، ولا حرج على من وصفه بما فيه من الصفات المحمودة دون مبالغة، وعلى هذا
إجماع أهل العلم في كتب الرجال والتراجم فقد ذكروا رؤوس أهل البدع، وأثنوا على إمامتهم
بفنونهم وعلومهم، وذكروا مآثرهم، صفاتهم، وعباداتهم..