التعريف بحقيقة الدين الحنيف
بقلم: أ.د. حاكم المطيري
١٣/ ٩/ ١٤٤٧هـ
٢ / ٣ / ٢٠٢٦م
حياك الله أخي الكريم
د. عبد الله، وبارك فيك، وتقبل طاعتك، وأشكر لك تعليقك على التغريدة، وهنا ملحوظات
على ما ذكرت، فعسى يتسع صدرك لها، فالعلم رحم بين أهله:
أولا: العنوان الذي
عنونت به مقالك (الدول الإسلامية الوظيفية) .. (بين الشعار الأيديولوجي وفقه الاستطاعة)
كشف عدم وجود أصل متفق بيننا لمناقشة أخطر قضية سياسية يعيشها العالم الإسلامي منذ
سقوط الخلافة العثمانية إلى اليوم! وكان حري بك أن تجعل العنوان (بين أصول الخطاب السياسي
الشرعي وفقه الاستطاعة) فيكون لديك أصل ننطلق منه جميعا للنقاش، إذ فقه الاستطاعة يعني
الرخصة، ويقابله العزيمة وهو الخطاب الشرعي الأصلي، فلما تحاشيت هذا الأصل في العنوان
وجعلت بدله (الشعار الأيديولوجي) خرج التعليق من نقاش علمي شرعي إلى (مناورة أيديولوجية)!
والأيديولوجيا هي
منظومة العقائد والأفكار التي تؤسس للنظم السياسية والاجتماعية، ويقابلها في اللغة
العربية لفظ (العقائد أو الأصول)، ولو قلت في العنوان (الخطاب العقائدي وفقه الاستطاعة)
لكان أقرب للصواب، فلما اقتصرت على (الشعار الأيديولوجي) كشفت عن الغاية التي تريد
الوصول إليها، قبل الدخول في البحث! وهو إضفاء الشرعية على الواقع الجاهلي، ورفض ما
يدعو إليه الخطاب الشرعي القرآني والنبوي، بدعوى أن ما يدعو إليه د. حاكم المطيري
(شعارات أيديولوجية) لا علاقة لها بالإسلام، أو هي أوهام شعبوية لدغدغة مشاعر القراء
لا قيمة لها شرعيا ولا حظ لها من النظر سياسيا!
ثانيا: تسمية تعليقك
ونقدك (قراءة شرعية ونقاش قانوني سياسي) يقتضي منك قراءة كتبي التي بحثت فيها القضية
ابتداء من (الحرية أو الطوفان .. دراسة في تاريخ الخطاب الإسلامي السياسي)، ثم (تحرير
الإنسان .. دراسة في أصول الخطاب الإسلامي السياسي القرآني والنبوي والراشدي)، ثم
(معالم الدولة الراشدة)، وغيرها من الكتب التي ألفتها لبيان هذه القضية الخطيرة، وهي
تعريف بالإسلام نفسه الذي بدأ دعوة في مكة، وانتهى دولة في المدينة، والأصول التي قامت
عليها هذه الدولة النبوية، وحذر القرآن من الخروج عنها، كما في قوله تعالى ﴿ومن يشاقق
الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت
مصيرا﴾، كما حذر النبي ﷺ عن الخروج عنها
فقال (تركتكم على البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين
من بعدي..).
ولو رجعت إلى كتبي
لاستبان لك وجه القضية عندي وأنها دين، وتوحيد، وإسلام، وإيمان، وأصول اعتقاد، واتباع،
وسنة، ورشد، لا (شعارات) ولا (أيديولوجيا)!
ثالثا: بدأت تعليقك
بقولك: (من حيث التأصيل الشرعي : بطلان إلزام الدول بما لا تستطيع)!
هكذا مباشرة مع
أنه لا خلاف بيننا في هذه القضية أصلا!
وكان التأصيل الشرعي
يقتضي منك قبل ذلك البحث في شرعية هذه الدول ذاتها قبل البحث في إلزامها بما لا تستطيع؟
ولماذا وصلت إلى
هذا العجز الكلي عن الاستطاعة!
مع أن لفظ (الدولة)
وصف يقتضي على الأقل القدرة والاستطاعة على الدفع عن شعبها، وهو أهم واجبات الإمام
في الإسلام، كما قال النبي ﷺ (إنما الإمام جنة
يقاتل من ورائه)، فإذا كان عاجزا عن أصل الواجبات وهو القدرة على حماية شعبه، لم يكن
إماما، وإن تجاوز العجز الإمام نفسه إلى الدولة ذاتها، لم تكن دولة!
فإن تجاوز الأمر
إلى أن يكون وجود الدولة نفسه - فضلا عن السلطة ورئيسها - مرهونا بإرادة دول كافرة
كبرى، تخضع لها هذه الدول الإسلامية، فهنا نكون أمام دولة وظيفية، وهي المعروفة بالاصطلاح
السياسي (المستعمرات)، و(المحميات)، والتي تخضع لإرادة قوى كبرى خارجية لعجزها عن حماية
نفسها!
ولا مشاحة في الاصطلاح
فسواء سميتها دولا (وظيفية)، أو (محميات)، أو (مستعمرات) فالعبرة بالحقائق والمعاني،
لا بالألفاظ والمباني!
فهذا هو المدخل
للتأصيل الشرعي والتوصيف الواقعي، لا أن تبدأ بهذه البداية (بطلان إلزام الدول بما
لا تستطيع)!
وقضيتنا كلها التي
نناقشها هي: لم لا تستطيع هذه الدول أصلا؟ وما حدود استطاعتها؟ وما حقيقة وصفها بدول؟
بينما وجودها مرهون بقرار القوى الغربية الصليبية التي أوجدتها، وحددت حدودها، ومنحتها
الاعتراف بها، وتقوم بحمايتها، وتختار من يحكمها!
ونحن نتحدث هنا
عن أزمة أمة، لا عن شعب معين، وعن أكثر من ٥٠ دولة لا عن دولة واحدة!
ولعل ما جرى في
حصار غزة وإبادة شعبها وعجز دول العالم الإسلامي كله عن إغاثة نسائها وأطفالها بالخبز
لمدة سنتين، كاف في إثارة هذا السؤال لدى كل مفكر حر: لماذا عجزت كل دول العالم الإسلامي؟
وأين الأزمة؟ وما الحل؟
رابعا: صرحت في
كتبي بقصدي من "التوظيف" وأنه لا يقتضي الخيانة، بل عرفته بأنه قدرة العدو
على توجيه الأمة ودولها وجماعاتها لتحقيق أهدافه هو فالأمة هي التي تمول مكرهة حروبه
وتنفذ مشروعه لتقسيمها وتعزيز نفوذه عليها!
خامسا: جاء في
تعليقك (فالدولة المسلمة التي تسعى لحفظ أمنها واستقرارها، ولو بالتحالف أو التعاون
مع قوى أخرى، لا تُذم شرعًا، بل تكون قد عملت بمقتضى الاستطاعة، لأن الشرع لا يوجب
الانتحار السياسي، ولا يبيح تعريض الأمة للهلاك باسم الشعارات)..
أقول قبل البحث
في جواز مثل هذا أو عدم جوازه، لا بد من تقرير الأصل السياسي الشرعي، الثابت بالنص
والإجماع القطعي، وهو وجوب وحدة الأمة ودولها، كما قال تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا
واختلفوا﴾، وقال: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾، وقال النبي ﷺ (إن الله يرضى
لكم ثلاثا : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا،
وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم)..
فجعل الشارع التوحيد
السياسي ووحدة الأمة والدولة، رديف التوحيد الإيماني وعبادة الله وحده لا شريك له،
وهذا هو الأصل الذي تجلى في أوضح صوره بقيام الدولة النبوية في المدينة، وتمددها على
كل جزيرة العرب قبل وفاة النبي ﷺ، ثم اتساعها في
عهد الخلفاء الراشدين شرقا وغربا، حتى غدت دولة وخلافة تمتد على ثلاث قارات، فلما وقع
الخلاف زمن علي رضي الله عنه مع أهل الشام لم يسعه إلا قبول التحكيم ولو على قطع عنقه،
ونزل أهل الشام على التحكيم، لما ثبت لهم بأن الافتراق جاهلية محرمة في الإسلام تحريما
قطعيا، مما حدا سعد بن وقاص وابن عمر ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد وزيد بن ثابت وأكثر
الصحابة إلى الاعتزال، ولم يروا السمع والطاعة لأحد، حتى يكون الناس جماعة، وقال عمر
(لا أبذل بيعتي في فرقة، ولا أمنعها من جماعة)، وهو ما كان عام الجماعة، فعادت الأمة
والدولة واحدة، وقد نص الشافعي في الرسالة على إجماع الأمة على هذا الأصل، وأن الخليفة
والإمام العام للمسلمين لا يكون إلا واحدا، وبهذا اشتهر أهل السنة والجماعة بالمحافظة
على هذا الأصل، والجهاد مع كل إمام بر أو فاجر، مراعاة لوحدة الأمة والدولة، وهو ما
حافظ المسلمون عليه طوال عصورهم، علميا وعمليا، منذ الخلافة الأموية، ثم العباسية،
حتى سقوط الخلافة العثمانية، فلما عقدت بريطانيا "مؤتمر الكويت" في أواخر
سنة ١٩١٦م -كما في تاريخ الكويت للرشيد والوثائق البريطانية- تحدث الحضور بشأن قضية
الخلافة، فتكلم جابر المبارك، فقال هذا شأن عام للمسلمين، فما اجتمعوا عليه فنحن معهم!
قال الرشيد: (فأكبر
المسلمون ما قال)!
فإذا تقرر هذا
الأصل العظيم من أصول الإسلام، ووقع اضطراب وفتن، وافترق المسلمون إلى دول، كما هو
حالهم اليوم، فإنه لا يثبت وصف الإمامة الشرعية العامة وهي الخلافة إلا لواحد منهم،
وهو الذي معه جماعة المسلمين وأكثر الأمة، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ وقوله لحذيفة بن
اليمان زمن الفتن: (الزم جماعة المسلمين وإمامهم، قال: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟
قال: فاعتزل تلك الفرق كلها)!
فلا تكون لأحد
منهم بيعة شرعية ولا طاعة سياسية واجبة شرعا، ولهذا رفض أكثر الصحابة القتال مع علي
رضي الله عنه زمن الافتراق!
وإنما يطاع كل
ذي سلطان في حدود ولايته طاعة جائزة لا واجبة، ويبايع بيعة جائزة لا واجبة لازمة، بحيث
تبقى البيعة الواجبة اللازمة للخليفة العام متى اجتمع المسلمون عليه، كما قال الإمام
أحمد حين سئل عن قولهﷺ: (من مات وليس
في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)، قال أحمد: (ذاك الذي يقول المسلمون كلهم هذا هو الإمام)
واستدل بقول ابن عمر: (لا أبذل بيعتي في فرقة ولا أمنعها في جماعة)..
وكل ما يجب على
الأمة وولاتها من أحكام الشرع في حال الاجتماع، يجب عليها وعليهم في حال الافتراق،
فيحرم على دولهم التحالف مع عدوهم، ومظاهرته عليهم، بل هذا وحده ناقض من نواقض الإسلام،
كما قال النبي ﷺ: (ذمة المؤمنين
واحدة)، وقال (المسلمون يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم).
وقال تعالى: ﴿لا
تتخذوا اليهود والنصارى أولياء.. ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾، فمن تولاهم فهو منهم
بنص القرآن، بينما اشترط القرآن لطاعة أولي الأمر أن يكونوا منا ﴿وأولي الأمر منكم﴾!
ولا يتصور شرعا
وواقعا إقرار الافتراق بين دول المسلمين، وفي الوقت نفسه تجويز اتحادها وتحالفها مع
عدوها الكافر!
فإذا كان الحكم
منوطا بالاستطاعة -كما ذكرتَ- فلا يتصور استطاعتها بلا إكراه للتحالف مع عدو الأمة
الكافر وهو محرم بالنص والإجماع، وعجزها عن التحالف فيما بينها واتحادها الذي هو واجب
بالنص والإجماع! إلا إذا كانت فاقدة للسيادة أصلا، ولا تستطيع لوجود شوكة العدو الكافر،
وهنا ينتفي وصف كونها دولة، فضلا عن وصفها بالإسلامية، وتكون أحوج إلى تحريرها من نفوذ
العدو وشوكته وسطوته من حاجتها إلى إثبات وصف الدولة وما يترتب عليه من أحكام شرعية!
ولوضوح هذا الأصل
لم يثبت الصحابة والمسلمون الولاية الشرعية، ولا وصف الدولة الإسلامية لمملكة الحبشة
زمن أصحمة النجاشي، مع ثبوت إسلامه!
سادسا: ليس كل رئيس
مسلم في بلد من البلدان، تثبت له ولاية وإمامة شرعية نيابة عن النبي ﷺ في أمته، والتي
طاعته من طاعة الله ورسوله، وإنما تثبت له الولاية السياسية الواقعية بحسب ما آلت إليه
الرئاسة في ذلك البلد، سواء عرفية، أو تعاقدية، أو جبرية، ولهذا كان النجاشي ملكا عادلا
على الحبشة، وهاجر إليه المسلمون وأسلم سرا من السنة الخامسة للبعثة، إلى وفاته في
السنة التاسعة للهجرة، بعد غزوة تبوك، حيث صلى عليه النبي ﷺ صلاة الغائب بعد
وفاته، وأثنى عليه فقال (صلوا على أخ لكم صالح)، فأثبت له العدل والصلاح والأخوة الإيمانية،
ولم يثبت له الولاية السياسية الشرعية، ولا النيابة عن النبي ﷺ، إذ كانت ولايته
على الحبشة وعلى قومه ولاية عرفية، ورئاسته عليهم رئاسة سياسية واقعية، وفق قانون النصارى
وبشوكتهم وقوتهم وولايتهم، لا إمامة شرعية، وفق الولاية الإسلامية، حيث لم تخضع الحبشة
لحكم الإسلام فتحا، كما خضعت مكة والطائف، ولم يدخل أهلها طوعا فيه، كما دخل أهل المدينة،
واليمن، وعمان، وصار رؤساؤها تحت ولاية النبي ﷺ وسلطان دولته وشريعته..
فكانت الحبشة آنذاك
دار كفر وسلم، وسلطانها مسلم يكتم إيمانه هو ومن معه من خاصة أهله، حيث هاجر ابن أخيه
ذو مخمر إلى المدينة، ولزم النبي ﷺ وخدمه.
فلا تلازم بين الرئاسة،
والولاية المذكورة في قوله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾، فللولاية
الشرعية أركانها وشروطها فإن وجدت كانت شرعية وإلا فلا، وإن كان رئيس الدولة مسلما،
كما كان النجاشي.
سابعا: هناك فرق
بين دار الإسلام، وولاية الأمة على نفسها، وعلى دارها وأرضها من جهة، والأنظمة والدول
التي تقوم على هذه الدار من جهة أخرى، فقد أجمع المسلمون على أن دار الإسلام ملك للأمة
كلها إلى يوم القيامة، كما قال النبي ﷺ: (إن الله زوى
لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها)، وقال عمر عن
جزيرة العرب: (والله إنها لبلادهم، عليها قاتلوا في الجاهلية وعليها أسلموا، ولولا
إبل الصدقة ما حميت من أرضهم شبرا)، وقد جعل الله الولاية للمؤمنين جميعا ﴿إنما وليكم
الله ورسوله والذين آمنوا﴾، وبحكم هذه الولاية يختارون الإمام وكيلا عنهم في سياسة
شئونهم، ونائبا عن النبي ﷺ في إقامة أحكامه،
كما قال تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾، قال عمر: (الإمارة شورى بين المسلمين، من بايع
رجلا دون شورى المسلمين، فلا بيعة له)..
والولاية التشريعية
المطلقة في دار المسلمين هي لله ولرسوله ﷺ كما قال تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في
شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ لا إلى أولي الأمر، إذ الطاعة المطلقة هي لله وللرسول،
وطاعة أولي الأمر مقيدة بطاعة الله ورسوله.
فهذه أركان الدولة
في الإسلام (الأمة، والدار، والدين)، كما نص عليها القرآن في قوله: ﴿وعد الله الذين
آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض.. وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم
وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾، وقوله: ﴿وأورثكم أرضهم وديارهم﴾، وكما قال النبي ﷺ: (اعلموا أن الأرض
لله ولرسوله والمؤمنين).
فالسلطة سواء كانت
خلافة عامة على المسلمين جميعا، أو إمارة خاصة على بلد من بلدانهم، إنما تستمد مشروعيتها
من هذه الأصول، ومن كونها وكالة عن الأمة من جهة، ونيابة عن النبي ﷺ من جهة، كما في
الصحيح: (من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني)، فإذا فقدت السلطة هذه
الأركان والشروط فقدت شرعيتها، وكانت سلطة واقعية، لا سلطة شرعية.
فإذا كانت السلطة
لا تقر بالطاعة المطلقة لله ولرسوله ﷺ - وأنها تقوم مقامه
ﷺ في أمته، وتحكم بشرعه - كما هو حال أكثر
الدول والأنظمة منذ سقوط الخلافة، فليست سلطة شرعية، وإن كانت سلطة واقعية.
وكذا إذا قامت نيابة
عن العدو الكافر، وتولت بقوته وشوكته وحمايته، لا بولاية المؤمنين وشوكتهم لم تكن سلطة
شرعية، وكذا إذا قامت على أصول تناقض أركان الدولة في الإسلام، كما لو قامت على أساس
أن الأرض التي تحكمها من دار الإسلام لها، وملك خاص بها، لا للأمة، ولا للمسلمين فيها
ولاية عامة عليها، فمن يدعي أن الدولة ملك آبائه وأجداده إنما يبطل بذلك شرعية ولايته،
إذ الولاية الشرعية هي التي تكون الدار للمؤمنين، والولاية عليها لهم، ويجب عليهم جميعا
فرض عين الدفع عنها إذا غزاها عدو كافر، فلا يجتمع وصف دار الإسلام، ودعوى الملك الخاص،
فالمسلمون إنما يدفعون عن أرض الإسلام بحكم ولايتهم العامة عليها، وتمليك الله لهم
إياها، وإقامة أحكامه فيها، فإذا فقدت هذه الصفة، لم تكن الدولة التي قامت عليها دولة
شرعية، ولا السلطة التي تتولى الأمر فيها سلطة شرعية، كما الدول العلمانية، واللادينية،
وتبقى دار الإسلام للمسلمين، إلى قيام الساعة، وولايتهم عليها بحكم الله ورسوله إلى
قيام الساعة، وبموجب هذه الولاية يجب عليهم الدفع عنها، وإقامة أحكام الإسلام فيها،
فهذه الأركان (الأمة والدين والدار) هي الأصل الثابت، والدول والأنظمة متغيرة، وإنما
تدوم بقدر شرعيتها، فإذا فقدتها سقطت، واستبدلت الأمة غيرها بها.
ثامنا: لم تفرق
فيما ذكرتَ في تعليقك بين الأنظمة فجعلتها كلها إسلامية، ورتبت بناء على ذلك أحكاما
عاما لها كلها، ومن ذلك حقها في عقد التحالفات والمعاهدات، واستدللت على مشروعية ذلك
بالسنة النبوية! مع أن أكثر هذه الأنظمة علمانية، رأسمالية، ومنها أنظمة وطنية رأسمالية،
ومنها قومية، وجاء في نقدك: (فالطعن في شرعية الدول الإسلامية القائمة، ووصفها بأنها
مجرد أدوات، هو في حقيقته إضعاف لمفهوم الدولة المسلمة، وتقويض لهيبتها، وهو ما يفتح
باب الفوضى والفتنة)!
وهنا لا بد من التفريق
بين:
١- دار الإسلام
وبلدانها وأقاليمها، التي فتحها المسلمون منذ ظهور الإسلام، وهذه البلدان هي التي للأمة
عليها ولاية سياسية قطعية، وبموجب هذه الولاية أجمع الفقهاء على الدفع عنها إذا احتلها
العدو الكافر، ويكون الجهاد فرض عين على أهلها، وفرض كفاية على من وراءهم من البلدان،
حتى يصبح فرض عين على الجميع إذا لم يُدفع العدو إلا بالجميع، حتى نص الفقهاء على الدفع
عن الأرض الخربة التي لا ساكن فيها على الحدود مع دار الحرب، لأنها دار إسلام!
وكذا للأمة ولاية
فيما بين شعوبها، كما قال تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ وبموجب هذه
الولاية يجب بالنص والإجماع الدفع عنهم في دار الإسلام كلها، بل والدفع عن كل ذمي غير
مسلم، مواطن فيها، واستنقاذ كل من أسره العدو منهم، ولو أخذه العدو إلى أرضه.
وهذه أحكام منوطة
بالدار والولاية السياسية بين المسلمين فيما بينهم ومع أهل ذمتهم.
٢- وبين الأنظمة
التي تحكم هذه البلدان اليوم، فالأصل أنه لا شرعية إلا للخلافة فقط، كما شرعها النبي
ﷺ بعده فقال ﷺ كما في الصحيحين:
(كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون، فأوفوا
بيعة الأول فالأول)، وقال: (لا يزال هذا الدين عزيزا منيعا إلى اثني عشر خليفة كلهم
من قريش)، وقال (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)، وقال: (خير الناس قرني،
ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، وأجمع الصحابة والمسلمون على
أن نظام الحكم في الإسلام خلافة راشدة، ولم يعرف المسلمون طوال عصورهم إلا الخلافة
بعد النبوة، فإذا غابت الخلافة كما حدث في هذا القرن، فالواجب على أهل كل بلد بحكم
ولايتهم على أنفسهم وعلى أرضهم التي جعل الله لهم، أن يقيموا كل الأحكام التي تجب في
ظل الخلافة، إلا أن الإمارة والرئاسة في بلدهم رئاسة وإمارة خاصة فيهم وعليهم، لا إمامة
وخلافة عامة، حتى يجتمع المسلمون، ويقيموا الخلافة العامة، أو تقوم دولة مركزية توحد
بينهم، وتضم شعثهم، وتقيم الخلافة لهم من جديد..
فهذه الرئاسة والإمارة
الخاصة التي تقيم أحكام الإسلام في بلدها، هي التي توصف بأنها دولة إسلامية، ورئاسة
شرعية، وتطاع بالمعروف، حتى وإن كان فيها جور أو فجور، وأما الأنظمة العلمانية والوطنية
والقومية التي لا ترى أنها أصلا امتداد لدولة الإسلام على أقاليمها، التي أقامها النبي
ﷺ والخلفاء الراشدون من بعده، بل ترى نفسها
دولا علمانية على النمط الغربي، أو وطنية، أو قومية جاهلية، فلا يصدق عليها بأنها أنظمة
حكم إسلامية، والواجب على أهل البلد الإسلامي إن استطاعوا تغييرها، وإقامة حكم الإسلام،
وإلا صبروا حتى يجعل الله لهم فرجا ومخرجا، وقد قامت دولة القرامطة الباطنية الإباحية
في شرق جزيرة العرب في القرن الرابع الهجري نحو سبعين سنة من ٢٨٦ إلى ٣٥٤هـ، حتى خطب
لهم على منابر الحرم المكي، وما زال المسلمون يجاهدونهم حتى أزالوا دولتهم، ولم يدع
أحد أنها دولة إسلامية، مع أنهم كانوا يتظاهرون بالإسلام! وقد عرف التاريخ الإسلامي
كثيرا من هذه الدول على أرض الإسلام، ولا يعترف المسلمون لها بالشرعية، ولعل أوضح ذلك
الدولة الفاطمية في مصر، لم يعدها المسلمون خلافة شرعية، ولا دولة إسلامية، مع أنها
بقيت مائتي عام تقريبا، وسمى ابن الجوزي كتابه "النصر على مصر"!
والقصد من ذلك وجوب
التفريق بين بلدان المسلمين وأحكامها الشرعية وثبوت وصف الإسلام لها من جهة، فهذه لا
تزول أحكامها عنها ما دام المسلمون فيها، ولهم الولاية عليها بالنص والإجماع إلى يوم
القيامة، وهي بلدان ودول إسلامية، وأهلها مسلمون، ويجب الدفع عنها، حتى وإن ارتد فيها
الحاكم، أو قام فيها نظام حكم جاهلي، بل لو احتلها العدو الكافر، كما هو حال فلسطين
اليوم، وأفغانستان بالأمس، وبين أنظمة الحكم غير الإسلامية على اختلاف أشكالها من جهة
أخرى، فهذه يحكم عليها بحسب طبيعة نظام الحكم فيها، ومدى انحرافه عن أصول الإسلام ونظامه
السياسي، ولا يحكم عليها بحكم واحد، ولا يكون الحكم على أصحمة النجاشي الذي وصفه النبي
ﷺ بالأخ الصالح العادل، كالحكم على أبي
جهل القرشي الذي قال عنه ﷺ: (هلك فرعون هذه
الأمة)، وما أكثرهم اليوم!