أثر
المذاهب الباطنية
في
عودة المظاهر الوثنية
بقلم أ.د. حاكم المطيري
١٣ / ٥ / ١٤٤٨هـ
٢٤ / ١٠ / ٢٠٢٦م
ما أثارة
رئيس صحيفة "المصريون" الأستاذ جمال سلطان عن غياب الأضرحة والمشاهد في الأندلس، مقابل
شيوعها في بعض أقاليم المشرق الإسلامي؛ حقيقة تاريخية
لها ارتباط كبير بالمذاهب الفقهية، ودورها في تشكيل الثقافة المجتمعية العامة،
ومدى رفضها الابتداع في الدين.
وقد كان المذهب المشهور في الأندلس في كل عصورها
منذ القرن الثاني الهجري إلى سقوطها: هو مذهب الإمام مالك، وقد دخل كتابه
"الموطأ" الأندلس في حياته، وهو من أشد الأئمة في تحريم البدع والمحدثات
في الدين حتى قال: (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)، وحتى كان لا
يروي في كتابه عن أحد رمي بالبدع، ويحتج بعمل أهل المدينة الموروث عن النبي ﷺ
وأصحابه.
ثم يأتي بعده في الأندلس من حيث الشيوع مذهب
الظاهرية، ومذهب أهل الحديث، وكلها مذاهب نصية تأخذ بظواهر النصوص، وترفض التأويل،
وترفض المذاهب الباطنية وتفسيرها للدين على خلاف ما كان عليه الصحابة.
وإنما
شاعت ظاهرة عبادة الأضرحة والمشاهد في الأقاليم التي خضعت للمذاهب الباطنية سواء
العبيدية الفاطمية التي ظهرت في المغرب ثم مصر ثم الشام في القرن الثالث والرابع،
أو في العراق وفارس، أو القرامطة في الخليج وشرق جزيرة العرب..
وزادت
بعد موجات الاجتياح المغولي للمشرق الإسلامي الذي دام قرنا كاملا من مطلع القرن
السابع الهجري سنة ٦١٦ إلى مطلع الثامن ٧١٦ حيث ازداد نفوذ نصير الدين الطوسي لدى
هولاكو، ثم نفوذ تلميذه ابن الحلي في زمن الملك المغولي خربندا، قال ابن تيمية عن
الطوسي: (هذا الرجل اشتهر عند الخاص والعام أنه كان وزير الملاحدة الباطنية
الإسماعيلية بالألموت، ثم لما قدم الترك المشركون إلى بلاد المسلمين، وجاءوا إلى
بغداد -دار الخلافة- كان هذا منجما مشيرا لملك الترك المشركين هولاكو، أشار عليه
بقتل الخليفة، وقتل أهل العلم والدين، وأنه استولى على الوقف الذي للمسلمين، وكان
يعطي منه ما شاء لعلماء المشركين وشيوخهم من البخشية السحرة وأمثالهم، وأنه لما
بنى الرصد الذي بمراغة على طريقة الصابئة المشركين، كان أبخس الناس نصيبا منه من
كان إلى أهل الملل أقرب، وأوفرهم نصيبا من كان أبعدهم عن الملل، مثل الصابئة
المشركين، ومثل المعطلة وسائر المشركين، ولم يكن لهم قوة وظهور إلا مع المشركين،
الذين دينهم شر من دين اليهود والنصارى.
ولهذا
كان كلما قوي الإسلام في المغل وغيرهم من الترك ضعف أمر هؤلاء لفرط معاداتهم
للإسلام وأهله؛ ولهذا كانوا من أنقص الناس منزلة عند الأمير نوروز المجاهد في سبيل
الله الشهيد الذي دعا ملك المغل غازان إلى الإسلام، والتزم له أن ينصره إذا أسلم،
وقتل المشركين الذين لم يسلموا من البخشية السحرة وغيرهم، وهدم البذخانات، وكسر
الأصنام ومزق سدنتها كل ممزق، وبسببه ظهر الإسلام في المغل وأتباعهم.
وبالجملة
فأمر هذا الطوسي وأتباعه عند المسلمين أشهر وأعرف من أن يعرف ويوصف ومع هذا فقد
قيل: إنه كان في آخر عمره يحافظ على الصلوات الخمس ويشتغل بتفسير البغوي وبالفقه
ونحو ذلك. فإن كان قد تاب من الإلحاد فالله يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن
السيئات. والله تعالى يقول: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة
الله إن الله يغفر الذنوب جميعا} [سورة الزمر: ٥٣])..).
وقال:
(والله أمر في كتابه بعمارة المساجد، ولم يذكر المشاهد فالرافضة بدلوا دين الله
فعمروا المشاهد، وعطلوا المساجد، مضاهاة للمشركين، ومخالفة للمؤمنين.
وقد
صنف شيخهم ابن النعمان، المعروف عندهم بالمفيد وهو شيخ الموسوي والطوسي كتابا
سماه: "مناسك المشاهد" جعل قبور المخلوقين تحج كما تحج الكعبة البيت
الحرام الذي جعله الله قياما للناس، وهو أول بيت وضع للناس فلا يطاف إلا به، ولا
يصلى إلا إليه ولم يأمر الله إلا بحجه.
وقد
علم بالاضطرار من دين الإسلام أن النبي ﷺ لم
يأمر بما ذكروه من أمر المشاهد، ولا شرع لأمته مناسك عند قبور الأنبياء والصالحين،
بل هذا من دين المشركين الذين قال الله فيهم: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا
ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} [سورة نوح: ٢٣] قال ابن عباس وغيره: هؤلاء كانوا
قوما صالحين في قوم نوح لما ماتوا عكفوا على قبورهم، فطال عليهم الأمد، فصوروا
تماثيلهم ثم عبدوهم..).
فما
تشاهده في مصر اليوم وغيرها من مظاهر وثنية وعبادة للمشاهد والأضرحة وهوس وسحر
وإباحية هو أثر من آثار الدولة الباطنية الفاطمية!
قال
الذهبي عن الرملي: (الإمام القدوة الشهيد أبو بكر محمد بن أحمد بن سهل الرملي ويعرف
بابن النابلسي.
قال
أبو الفرج بن الجوزي: أقام جوهر القائد لأبي تميم [الفاطمي] صاحب مصر أبا بكر
النابلسي، وكان ينزل الأكواخ، فقال له: بلغنا أنك قلت: إذا كان مع الرجل عشرة
أسهم، وجب أن يرمي في الروم سهما، وفينا تسعة؟!
قال:
ما قلت هذا، بل قلت: إذا كان معه عشرة أسهم، وجب أن يرميكم بتسعة، وأن يرمي العاشر
فيكم أيضا، فإنكم غيرتم الملة، وقتلتم الصالحين، وادعيتم نور الإلهية، فشهره ثم
ضربه، ثم أمر يهوديا فسلخه..).