محور طهران
والكاتب البهلوان
بقلم أ.د. حاكم المطيري
٣ / ٥ / ١٤٤٨هـ
١٤ / ١٠ / ٢٠٢٦م
لم يعد يخفى على أحد ارتباط قطاع كبير من الجماعات الإسلامية
الوظيفية بالحركات الباطنية الإيرانية وأن هناك حبلا سريا خفيا بين الفريقين ما
زال يبدو تارة ويخفى تارة حتى أصبحت جزيرة العرب اليوم بين فكي كماشة الحملة
الصليبية والصفوية - اللتان تعاونتا في احتلال العراق سنة ٢٠٠٣ واليمن ٢٠١٤م- فإذا
القوم يسفرون عن ردتهم، ويظهرون عداوتهم، وإذا هم وقرامطة طهران في خندق واحد، لا
في مقاومة المحتل الصهيوني كما زعموا، بل في العدوان على جزيرة العرب، وعلى بلاد الحرمين
الشريفين، وعلى الزوار والمعتمرين، بدعوى تحريرها من حكوماتها، كما حرروا العراق
سنة ٢٠٠٣ على ظهر الدبابة الأمريكية البريطانية، وعاثوا فيه فسادا ودمارا حتى ترحم
الشعب العراقي على أيام حزب البعث!
ويريدون اليوم من شعوب الخليج وجزيرة العرب أن تقف مع محور القرامطة
الجدد لتنعم بالحرية والديمقراطية والأمن الذي ينعم به الشعب العراقي منذ ٢٠٠٣
والشعب اليمني منذ ٢٠١٤م!
كما لم يعد يخفى تناقض كثير من الكتاب الإسلاميين من المثقفين
والمفكرين وشيوخ الدين وتهافت مواقفهم من الفتن التي تعصف بالأمة وشعوبها!
فهم يتقافزون كالقردة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، كما يقفز
البهلوان في السيرك بكل خفة وطيش دون أدنى تردد أو ريث!
فمن كان يدعو للتدخل التركي بالأمس في ليبيا لمنع قوات حفتر من
إسقاط الشرعية في طرابلس؛ يحذر اليوم تركيا من التدخل في اليمن لدعم الشرعية،
ويدعوها إلى ضرورة لزوم الحياد والإصلاح بين الإخوة الأشقاء الذين قتل الحوثي منهم
نصف مليون وهجر عشرة ملايين وهي أرقام لا قيمة لها عند "عمائم الضرار"
ما دام القاتل "محورجيا" قرمطيا يدّعي الإسلام! فالتاريخ الإسلامي في
نظرهم كله اقتتال داخلي لا يفسد للأخوة قضية!
ومن كان يرفض المصالحة مع الجيش في مصر من أجل دماء بضع آلاف من
الشهداء في ميدان رابعة؛ ينعى على اليمنيين عدم المصالحة مع ميليشيات الحوثي
الانقلابية التي قتلت وهجرت منهم الملايين، ويتلو آيات الصلح التي فرط فيها
اليمنيون الذين يقاومون عدوان الحوثي عليهم منذ سنة ٢٠٠٤م، وليس منذ حرب غزة
٢٠٢٣م!
ومن كان يرى أن المعركة مع العدو منذ سقوط الخلافة هي معركة دين
وإسلام وعقيدة ووجود، لا معركة وطن وحدود؛ يدعو اليمنيين للمحافظة على وحدتهم، ولو
تحت حكم من يرى كفرهم وردتهم من خلافة أبي بكر الصديق إلى ظهور الإمام الحوثي الذي
أقامه الله مقام رسوله محمد!
ومن كان يرفض المصالحة الوطنية الفلسطينية بين حماس وعباس، ولو كانت
ضرورة تقتضيها المرحلة؛ يحث حكومة الشرعية في عدن على المصالحة مع الحوثي وقطع
الطريق على أعداء اليمن!
ومن كان منهم يفتي بجواز الاستعانة بحلف النيتو في ليبيا لإنقاذ
شعبها من إجرام القذافي؛ يحرم اليوم على أهل اليمن الاستعانة بحلف مكة الإسلامي!
فطيران النيتو وفرنسا وإيطاليا في نظرهم آمن على الأمة وشعوبها من طيران تركيا
وباكستان!
ومن كان يحرض على قتال بشار وإيران في سوريا بالأمس، ويتباكى على
الملايين الذين هجرهم النظام الطائفي الإجرامي؛ يصطف اليوم مع الحوثي الإيراني
الذي قتل وهجر ملايين اليمنيين لأن الحوثي فقط رفع شعار المقاومة كما كان يرفعه
بشار!
إنهم مهرجون في سيرك إيران! وحشاشون في مارستان طهران! يريدون من
شعوب جزيرة العرب أن ترتد معهم عن دينها كما ارتدوا! وأن تخون الأمة كما خانوها!
وأن تتخلى عن حماية الحرمين الشريفين وأن تلزم الحياد في الدفاع عن وجودها ودينها
ونسائها وأطفالها في صراع دموي ستكون هي وأرضها ومقدساتها ضحيته الأولى، وليس فقط
الحكومات التي فرطت في أمنها وسيادتها، وصادرت حريتها حتى غدت بلدانها في مهب
الريح!
إنهم يريدون منها اعتزال القتال أمام حملة صليبية صفوية؛ لتذبح بعد
ذلك على يد ميليشيات إيران، كما ذبح أهل العراق والشام واليمن؛ لتتوسل لديهم
بإخراج نسائها وأطفالها من معتقلات الاحتلالين الأمريكي الإيراني كما آلاف الأسرى
العراقيين السنة الذين يقبعون في سجن أبو غريب وسجن الحوت منذ ٢٠٠٣ تحت حراسة
ميليشات المقاومة الإسلامية!
إنهم لا يفرقون بين الشعوب ومسئولياتها تجاه الدفاع عن نفسها وأرضها
ومقدساتها حين تواجه خطرا خارجيا، وبين موقفها من حكوماتها التي قد تقاتل الشعوب
معها، لا دفاعا عنها؛ بل عن نفسها وأرضها ودينها؛ وهو ما لا يفهمه الإسلاميون
"البهلوانيون"، ولا القوميون "الفهلوانيون"، الذين ما زالوا
في غيهم وغوايتهم يعمهون!
﴿أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم
يذكرون﴾ [التوبة: ١٢٦]