لا أسرار في القرآن
أ.د. حاكم المطيري
١٥ / ٤ / ١٤٤٨هـ
٢٦ / ٩ / ٢٠٢٦م
قال تعالى: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ [القمر: ١٧]
وقال سبحانه: ﴿إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون﴾ [يوسف: ٢]
لا يوجد في الروايات الصحيحة لحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما
سئل هل خصَّكم النبي ﷺ بشيء؟ -فقال: ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء لم يعم به الناس كافة، إلا هذه الصحيفة- لفظ: (فهما يؤتاه أحدنا
في كتاب الله) يراد به أحد آل البيت!
وعلى فرض وجود لفظ (أحدنا) فالمراد أحد علماء الصحابة والتابعين من
قراء القرآن الذين يخاطبهم علي رضي الله عنه لا آل البيت فقط!
وقد رواه البخاري من حديث زهير، والترمذي من حديث هشيم، كلاهما عن
مطرف، عن الشعبي، عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي -رضي الله عنه-: (هل عندكم شيء من
الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: لا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، ما أعلمه إلا
فهما يعطيه الله رجلا في القرآن).
وعند البخاري أيضا من رواية الثوري، عن مطرف، عن الشعبي، به: (لا،
إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم).
وعند البخاري من حديث ابن عيينة، عن مطرف به (إلا فهما يعطى رجل في
كتابه).
ولفظة (لا، إلا فهما) بتقدير (لا شيء إلا فهما) وشيء نكرة في سياق
النفي، فتعم نفي كل شيء يدعى اختصاصهم به، و(إلا) استثناء يؤكد العموم المنفي
قبله، و(فهما) نكرة -بعد استثناء- موصوفة (يعطيه الله رجلا)، فأفادت العموم
المعنوي الوصفي، ورشحها السياق لتكون حكما عاما.
وكل روايات الحديث الصحيحة (رجل) (رجل مسلم) (عبد) تفيد الإطلاق
والشمول البدلي الذي يصدق على كل أحد من العلماء المسلمين بلا تعيين، والوصف لها
والسياق رشحها للعموم المعنوي، ولم يقل أحد من رواة الحديث، ولا من شراحه أن فيه
تخصيص فهم القرآن بآل البيت!
بل أقسم علي بن أبي طالب على نفي هذه الخصوصية عنه أصلا التي نسبها
له بعض مَن غلوا فيه حتى ادعوا فيه الألوهية فاستتابهم، فلما أصروا على كفرهم
وردتهم هدد بحرقهم!
وهذا الادعاء الباطل هو الذي فتح الباب على مصراعيه لتأويلات الفرق
الباطنية التي تدّعي أن في القرآن أسرارا لا يعلمها إلا آل البيت!
ومما يؤكد بطلان هذا الادعاء: إجماع علماء الصحابة والتابعين على عدم
اختصاص أحد بفهم القرآن، فاشتهر بينهم الاجتهاد في فهمه، والخلاف بين علمائهم في
الاستنباط منه، حتى قال القاضي عبيدة السلماني لعلي رضي الله عنه -وقد اجتهد في
مسألة وخالف فيها قضاء عمر-: (رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك)، فقال علي:
(اقضوا كما كنتم تقضون فإني أكره الخلاف)!
هذا وعلي رضي الله عنه أعلم أهل بيته، فما بالك بمن هو دونه!
ولهذا لم ترجع الأمة في تفسير القرآن إلى أحد بعينه، بل كل من اشتهر
بالعلم فيه أخذت الأمة عنه التفسير، فكان في طبقة التابعين سعيد بن المسيب وزيد بن
أسلم ومحمد بن كعب في المدينة، ومجاهد وعطاء في مكة، والحسن البصري وأبو العالية
وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة في البصرة، والشعبي ومسروق وإبراهيم النخعي وأبو
الضحى والأعمش في الكوفة.