الثورة المضادة في اليمن
والحياد الخادع
أ.د. حاكم المطيري
٩ / ٤ / ١٤٤٨هـ
٢٠ / ٩ / ٢٠٢٦م
تحديد طبيعة الصراع في ساحات ثورات شعوب الربيع العربي ٢٠١١ والثورة المضادة
لها ٢٠١٣م، ومعرفة أطراف الصراع، وأهداف كل طرف؛ هو الأصل السياسي والأخلاقي الذي يُحتكم
إليه عند الاختلاف بين قوى الربيع العربي أو حتى بين الجماعة الواحدة في شأن هذه الساحات
وأطراف الصراع فيها!
فمن يمثل ثورة الربيع العربي وأهدافها في ليبيا -في نظر عامة الشعب- حكومة
طرابلس أم حفتر؟
ومن يمثلها في السودان -في نظر عموم الشعب- حكومة الخرطوم أم حميدتي وميليشياته؟
ومن يمثلها في اليمن -في نظر عامة الشعب- حكومة الشرعية أم الحوثي؟
ومن يمثلها في مصر نظام العسكر أم قوى المعارضة المصرية في السجون وفي
الخارج؟
وهل نظام العسكر في مصر وحفتر في ليبيا وعصابات حميدتي في السودان وعصابات
الحوثي وإيران في اليمن تؤمن بأهداف الربيع العربي وثورة شعوبه من أجل الحرية وحقها
في اختيار حكومات منتخبة أم تمثل الثورة المضادة التي تقوم على سلطة الفرد المطلق سواء
كان ضابطا عسكريا أو مهووسا طائفيا؟
باختصار المعركة في اليمن منذ ٢٠٠٤ هي بين الشعب اليمني والثورة المضادة
التي تمثلها عصابة الحوثي وتجلت في أوضح صورها منذ ٢٠١٤ حين احتل الحوثي صنعاء، وانقلب
على مخرجات الحوار الوطني -بتعاونه مع الرئيس المخلوع وبدعم إيراني وترتيب أمريكي لفرض
مشروع "الهلال الشيعي" وتقسيم المنطقة الذي ابتدأ باحتلال العراق ٢٠٠٣ وما
زال يتمدد- والدماء التي تسيل في اليمن هي دماء هذا الشعب الذي أسقط نظام علي صالح؛
لإقامة نظام حكم يختاره الشعب عبر صناديق الاقتراع لا بنظرية التفويض الإلهي التي جاء
بها الحوثي بحد السيف، فمن أطاعه وقَبِل مشروعه الشيطاني الطائفي، وإلا قتله وفجّر
داره ومسجده!
وكل من يحاول تصوير هذا الصراع
على خلاف حقيقته؛ فإنما يحاول عبثا خلط الأوراق لصالح عدوان الحوثي، والمشروع الإيراني،
وإن تظاهر بالحياد!
ولقد كان الحياد بين الشعب السوداني وميليشيات حميدتي أولى وأحق وأوجب،
فقد كان حميدتي من أركان النظام السوداني قبل انشقاقه، وليس بينه وبين الشعب السوداني
خلاف مذهبي ولا طائفي!
وإذا كانت علاقات حكومة الشرعية في اليمن بالخارج تعيق الاصطفاف مع الشعب
اليمني المظلوم في صده لعدوان الحوثي وإيران؛ فأحرى عدم الوقوف مع حكومة السودان التي
وقعت اتفاقية التطبيع مع المحتل الصهيوني!
وكان الحياد بين حكومة طرابلس وحفتر أولى وأوجب؛ فلا يوجد خلاف مذهبي،
ولا طائفي، ولا عداء تاريخي بين الفريقين بل ظاهره صراع مناطقي!
وكان الواجب على فضيلة الشيخ الغرياني دعوة الجميع للوحدة، ونبذ الخلاف
من أجل الشعب الليبي نفسه بدلا من الانشغال باليمن، والوقوف مع حفتره في صعدة!
وكان الواجب الحياد في الصراع بين العسكر والمعارضة في مصر، ودعوة الجميع
للتحاور حيث لا يوجد دماء ولا قتال منذ ٢٠١٥ حتى اليوم!
بل يجد نظام العسكر في مصر تأييدا من قطاع واسع من الشعب المصري أكثر مما
يجده الحوثي الذي أجمع الشعب اليمني على حربه والوقوف ضده!
فالحياد في مصر أولى منه في اليمن التي ما زالت دماء الملايين من اليمنيين
تنزف أنهارا في مدنهم المحاصرة وهم بين قتيل وجريح وجائع أو مهجر في الداخل والخارج!
وكان الحياد بين السلطة الفلسطينية وحماس أولى وأوجب؛ فلا يوجد دم بين
الطرفين بل كل طرف يدعو اليوم إلى المصالحة الوطنية، ووحدة الصف الفلسطيني حتى بين
حماس ودحلان!
إن أخطر صور الحياد في الصراع هو حياد المتظاهرين به، وهم في الوقت نفسه
منحازون إلى أحد طرفي الصراع؛ يتخذون الدعوة إلى الحياد والمصالحة وسيلة لتعزيز وضع
الظالم وتفريق الأمة وشعوبها عن نصرة المظلوم!
إنه ضرب من الخداع والنفاق أسوأ من الانحياز للظالم والركون إليه!
ومهما تكن عند امرئ من خليقة
وإن خالها تخفى على الناس تعلم
كيف والصراع في اليمن تجاوز أهداف الثورات المضادة إلى الردة الصريحة،
والخروج على الأمة وشعوبها كلها، ودينها، وتاريخها، واستباحة دمائها، ولعن خيارها من
أبي بكر الصديق وعمر الفاروق فمن دونهم! وبعث السبئية من جديد بين ظهراني المسلمين
في اليمن، وأهل التوحيد في جزيرة العرب!
أفي موالاة أبي بكر وعمر وعثمان ونصرتهم والذب عنهم حياد!
أما والله لو شُتم عرض أحد دعاة الحياد أو عرض أبيه وأمه أو عرض شيخه أو
جماعته أو حزبه؛ لأشعلها حربا ضروسا لا تبقي ولا تذر، وعداوة لا تنطفئ نارها أبدا!
ألا قاتل الله حيادا تتخلى فيه الأمة وشعوبها عن نصرة نبيها ﷺ وأصحابه ودينه وسنته، وقد انبرت له حركات الردة في كل ناحية تنقض عراه
عروة عروة!
اللهم إنا نبرأ إليك من كل حياد على حساب دينك، وحياد ينتقص به من أزواج
نبيك ﷺ وصحابته، وتهدر به دماء المستضعفين من أمة الإسلام وحقوقهم؛ ليعلو به
الطغاة المجرمون والباطنيون الملحدون!