احتجاج الإمام الشافعي
بالإجماع القطعي
على إيمان أهل القبلة
وقبول شهادتهم
أ.د. حاكم المطيري
٢٣/ ٣ / ١٤٤٨هـ
٥ / ٩ / ٢٠٢٦م
قيام الحجة الرسالية كما في قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾،
وقوله: ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ لا يكون إلا في القضية المعلومة من
الدين بالضرورة القطعية..
والذي منع علي بن أبي طالب وابن عباس من الحكم بالكفر على الخوارج الحرورية
-وهم أول فرق أهل الأهواء والبدع ظهورا وأشدها انحرافا- هو تأويلهم مع ثبوت إسلامهم
يقينا، وليس المانع عدم قيام الحجة عليهم؛ فقد حاججهم ابن عباس وأقام الحجة عليهم بالبيان
فيما أشكل عليهم من تأويل القرآن، ورجع أكثرهم، فلم يحكما على من لم يرجع بالكفر لوجود
المانع وهو الإسلام والتأويل، واقتصرا على الحكم عليهم بالخطأ والتضليل.
وعلى هذا أجمع الصحابة في أهل القبلة المتأولين، كما نص على ذلك الإمام
الشافعي في كتابه "الأم" فقال (٦/ ٢٢٢): (ذهب الناس من تأويل القرآن والأحاديث،
أو من ذهب منهم إلى أمور اختلفوا فيها، فتباينوا فيها تباينا شديدا، واستحل فيها بعضهم
من بعض ما تطول حكايته، وكان ذلك منهم متقادما، منه ما كان في عهد السلف، وبعدهم إلى
اليوم، فلم نعلم أحدا من سلف هذه الأمة يقتدى به، ولا من التابعين بعدهم: رد شهادة
أحد بتأويل، وإن خطّأه، وضلله، ورآه استحل فيه ما حرم عليه، ولا رد شهادة أحد بشيء
من التأويل كان له وجه يحتمله، وإن بلغ فيه استحلال الدم، والمال، أو المفرط من القول.
وذلك أنا وجدنا الدماء أعظم ما يعصى الله تعالى بها بعد الشرك، ووجدنا
متأولين يستحلونها بوجوه، وقد رغب لهم نظراؤهم عنها، وخالفوهم فيها، ولم يردوا شهادتهم
بما رأوا من خلافهم، فكل مستحل بتأويل من قول، أو غيره، فشهادته ماضية لا ترد من خطأ
في تأويله، وذلك أنه قد يستحل من خالفه الخطأ إلا أن يكون منهم من يعرف باستحلال شهادة
الزور على الرجل لأنه يراه حلال الدم أو حلال المال فترد شهادته بالزور..).
وقال عن الخوارج (٤/ ٢٢٩): (ولو أن قوما أظهروا رأي الخوارج، وتجنبوا
جماعات الناس، وكفروهم، لم يحلل بذلك قتالهم؛ لأنهم على حرمة الإيمان، لم يصيروا إلى
الحال التي أمر الله عز وجل بقتالهم فيها.
بلغنا أن عليا -رضي الله تعالى عنه- بينما هو يخطب إذ سمع تحكيما من
ناحية المسجد: لا حكم إلا الله عز وجل!
فقال علي -رضي الله تعالى عنه- كلمة حق أريد بها باطل! لكم علينا ثلاث:
لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما كانت أيديكم مع
أيدينا، ولا نبدؤكم بقتال.
قال الشافعي: أخبرنا عبد الرحمن بن الحسن بن القاسم الأزرقي الغساني،
عن أبيه: أن عديا كتب لعمر بن عبد العزيز: أن الخوارج عندنا يسبونك؟
فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: إن سبوني فسبوهم، أو اعفوا عنهم، وإن أشهروا
السلاح فأشهروا عليهم، وإن ضربوا فاضربوهم.
قال الشافعي: وبهذا كله نقول، ولا يحل للمسلمين بطعنهم، دماؤهم، ولا أن
يمنعوا الفيء ما جرى عليهم حكم الإسلام، وكانوا أسوتهم في جهاد عدوهم، ولا يحال بينهم
وبين المساجد والأسواق..).
وقال أيضا (٧/ ٥٦): (ولا تقبل الجرح من الجارح إلا بتفسير ما يجرح به
الجارح المجروح، فإن الناس قد يجرحون بالاختلاف، والأهواء، ويكفر بعضهم بعضا، ويضلل
بعضهم بعضا، ويجرحون بالتأويل، فلا يقبل الجرح إلا بنص ما يرى هو مثله يجرح، كان الجارح
فقيها، أو غير فقيه؛ لما وصفت من التأويل.
قال الشافعي: وليس من الناس أحد نعلمه -إلا أن يكون قليلا- يمحض الطاعة،
والمروءة حتى لا يخلطهما بشيء من معصية ولا ترك مروءة، ولا يمحض المعصية ويترك المروءة
حتى لا يخلطه بشيء من الطاعة والمروءة.
فإذا كان الأغلب على الرجل الأظهر من أمره الطاعة، والمروءة، قبلت شهادته،
وإذا كان الأغلب الأظهر من أمره المعصية وخلاف المروءة رددت شهادته.
وكل من كان مقيما على معصية فيها حد، وأخذ فلا نجيز شهادته، وكل من كان
منكشف الكذب مظهره غير مستتر به لم تجز شهادته، وكذلك كل من جرب بشهادة زور، وإن كان
غير كذاب في الشهادات.
ومن كان إنما يظن به الكذب وله مخرج منه لم يلزمه اسم كذاب.
وكل من تأول، فأتى شيئا مستحلا كان فيه حد، أو لم يكن، لم ترد شهادته
بذلك، ألا ترى أن ممن حمل عنه الدين ونصب علما في البلدان من قد يستحل المتعة..
وذلك عندنا وعند غيرنا من أهل الفقه محرم.
وأن منهم من يستحل الدينار بعشرة دنانير يدا بيد!
وذلك عندنا وعند غيرنا من أهل الفقه محرم.
وأن منهم من قد تأول فاستحل سفك الدماء، ولا نعلم شيئا أعظم من سفك الدماء
بعد الشرك.
ومنهم من أحل بيوعا محرمة عند غيره!
فإذا كان هؤلاء -مع ما وصفت وما أشبهه- أهل ثقة في دينهم، وقناعة عند
من عرفهم، وقد ترك عليهم ما تأولوا، فأخطئوا فيه، ولم يجرحوا بعظيم الخطإ إذا كان منهم
على وجه الاستحلال: كان جميع أهل الأهواء في هذه المنزلة)، وقال: (لأنهم يدعون علينا
الخطأ كما ندعيه عليهم).
إجماع أهل الحديث على
قبول رواية المتأولين العدول:
وما ذكره وقرره الإمام الشافعي هنا -من إجماع السلف على قبول شهادة
العدول المتأولين من أهل الإسلام وقبول روايتهم على اختلاف مذاهبهم مهما كفّر بعضهم
بعضا بالتأويل- هو الذي استقر عليه الإجماع العملي عند أئمة الحديث والسنة منذ عصر
البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجه والنسائي وغيرهم من أصحاب الصحاح والسنن،
حتى قال الخطيب البغدادي في "الكفاية" (والأظهر قبول رواية المبتدع إذا كان
معروفاً بالصدق والأمانة، وهذا كالإجماع بين أهل العلم، لأنّ العبرة بالتحري والصدق
والديانة، لا بسلامة الاعتقاد من الشبه والتأويل).
ورجحه ابن حجر في "نزهة النظر" سواء كانت بدعة مكفرة أو غير
مكفرة فقال: (والتحقيق: أنه لا يرد كل مكفر ببدعة؛ لأن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة،
وقد تبالغ فتكفر مخالفها، فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف.
فالمعتمد: أن الذي ترد روايته من أنكر أمرا متواترا من الشرع، معلوما
من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه).
وقد احتج الخطيب البغدادي بما احتج به الإمام الشافعي من إجماع الصحابة
ومن بعدهم على قبول شهادات العدول منهم، فقال: (والذي نعتمد عليه في تجويز الاحتجاج
بأخبارهم ما اشتهر من قبول الصحابة أخبار الخوارج وشهاداتهم، ومن جرى مجراهم من الفساق
بالتأويل، ثم استمرار عمل التابعين والخالفين بعدهم على ذلك، لما رأوا من تحريهم الصدق
وتعظيمهم الكذب، وحفظهم أنفسهم عن المحظورات من الأفعال، وإنكارهم على أهل الريب والطرائق
المذمومة، ورواياتهم الأحاديث التي تخالف آراءهم، ويتعلق بها مخالفوهم في الاحتجاج
عليهم.
فاحتجوا برواية:
١- عمران بن حطان وهو من الخوارج.
٢- وعمرو بن دينار وكان ممن يذهب إلى القدر والتشيع.
٣- وكان عكرمة إباضيا.
٤- وابن أبي نجيح وكان معتزليا.
٥- وعبد الوارث بن سعيد، وشبل بن عباد، وسيف بن سليمان، وهشام الدستوائي،
وسعيد بن أبي عروبة، وسلام بن مسكين، وكانوا قدرية.
٦- وعلقمة بن مرثد، وعمرو بن مرة، ومسعر بن كدام، وكانوا مرجئة.
٧- وعبيد الله بن موسى، وخالد بن مخلد، وعبد الرزاق بن همام، وكانوا يذهبون
إلى التشيع.
في خلق كثير يتسع ذكرهم، دوّن أهل العلم قديما وحديثا رواياتهم، واحتجوا
بأخبارهم، فصار ذلك كالإجماع منهم وهو أكبر الحجج في هذا الباب).
وقد بلغ عدد من خرّج لهم البخاري ومسلم نحو مئة راو ثقة وصف بالبدعة،
بعضهم كقتادة بن دعامة -إمام أهل البصرة وكان يرى القدر- تجاوزت رواياته في الصحيحين
٦٠٠ حديث!
ومعلوم أن قبول شهادتهم، والاحتجاج بروايتهم، فرع عن تعديلهم، والعدالة
فرع عن ثبوت الإسلام والإيمان لهم، فالعدل مسلم صالح صدوق غير معروف بفسق، فدل ذلك
على أن إطلاق وصف الكفر على أقوالهم -تأكيدا لبطلانها- إنما يراد به كفر التأويل، الذي
لا ينافي الإيمان والعدالة، لا كفر الردة الذي يناقضهما، فلا يجتمع وصف الكفر المخرج
من الملة، ووصف العدالة الذي يوجب قبول الشهادة منهم، والرواية عنهم.