في رحاب صحيح الإمام البخاري
أ.د. حاكم المطيري
10 / 12/ 1447هـ
27 / 5/ 2026م
إلى الأستاذ المحقق
د. بشار عواد حفظه الله ورعاه
كل عام وأنتم بخير
وعيدكم مبارك
وشكر الله جهدكم واجتهادكم في خدمة كتب السنة النبوية وكتب رجالها
وكتب الله أجركم ورفع قدركم..
وقد استمتعت بسماع مقاطع من محاضرتكم القيمة "روايات صحيح
البخاري وأهميتها في توثيق نصّه وصحّة أحاديثه" المنشورة بتاريخ 29/03/2022، وبعض ما جاء فيها يحتاج إلى مزيد بيان وتحرير للفائدة العامة وهو:
أولا: أن هناك فرقا
بين رواة كتاب "الموطأ" للإمام مالك وهو كتاب متواتر صنفه الإمام سنة
١٤٠ للهجرة، وقرأه الناس عليه مدة أربعين سنة، ورواه عنه خلق لا يحصيهم إلا الله،
حتى قرئ في الأندلس في حياة مؤلفه!
وقد سمعه البخاري من جماعة من كبار أصحاب مالك وثقاتهم وأخصهم به،
ومنهم ابن أخت مالك: إسماعيل بن أبي أويس، وهو صدوق خفيف الضبط، وقد بالغ من ضعفه،
وكفاه توثيق البخاري، وقد أوجز فيه الذهبي القول فقال: (الإمام، الحافظ، الصدوق…
وكان عالم أهل المدينة، ومحدثهم في زمانه، على نقص في حفظه وإتقانه، ولولا أن
الشيخين احتجا به، لزحزح حديثه عن درجة الصحيح إلى درجة الحسن، هذا الذي عندي
فيه.. قد وثب إلى ذاك البر [يعني تجاوز قنطرة الضعفاء]، واعتمده صاحبا "
الصحيحين " ولا ريب أنه صاحب أفراد ومناكير تنغمر في سعة ما روى، فإنه من
أوعية العلم).
فالبخاري حين يروي عنه عن مالك بما في الموطأ إنما يروي عنه كتابا
متواترا، لا يحتاج إلى إسناد أصلا، لولا ما التزمه أهل الحديث واشترطوه من
المحافظة على الرواية بالإسناد لكل كتاب، وهنا لا يقال بأن البخاري انتقى لإسماعيل
من صحيح حديثه، وإنما روى أحاديث في الموطأ من طريقه، كما رواه من طرق أخرى كثيرة،
ويبقى السؤال لمَ روى له البخاري هذه الأحاديث عن مالك، وكان بالإمكان الاستغناء
عنه بغيره من رواة الموطأ الثقات وهم كثير جدا؟
والجواب أن ذلك من باب تفنن البخاري في ذكر مصادره وأسانيده إليها،
فتارة يروي الموطأ عن كبار أصحاب مالك وقدمائهم الذين أدرك بعضهم وإن كان فيه بعض
الضعف، وتارة عن آخر أصحابه رواية للموطأ، وتارة عن أوثقهم وأثبتهم، وتارة عن
أخصهم به من أهل بيته وقرابته كابن أبي أويس ابن أخته، إلا حين يكون عند بعضهم
زيادة في نسخته من كتاب الموطأ ليست عند غيره..
وهذه طريقة للبخاري مطردة في روايته لمصادرة من الكتب المشهورة كجامع
الثوري، وجامع ابن عيينة، وسنن ابن أبي عروبة، وجامع معمر، ومصنف عبد الرزاق،
وجامع وكيع، وكتب الليث بن سعد، وكتب الأوزاعي، ومغازي الزهري، وكتاب يحيى بن سعيد
الأنصاري، ومغازي عروة، وغيرها من عشرات المصادر..
ولهذا روى البخاري في كتابه "الجامع الصحيح" حديث: (إنما
الأعمال بالنية) من كتاب يحيى بن سعيد الأنصاري المدني من عشرة مصادر بثها في
كتابه في أبواب مختلفة:
فرواه في أول باب عن "مسند" الحميدي، عن "جامع"
سفيان بن عيينة، عن "كتاب" يحيى بن سعيد.
كما رواه عن القعنبي عن "موطأ" مالك، عن يحيى بن سعيد.
ثم رواه عن يحيى بن قزعة، عن "موطأ" مالك.
ورواه من "حديث" حماد بن زيد مرتين عن كتاب يحيى بن سعيد،
مرة عن مسدد، عن حماد، ومرة عن عارم ابن الفضل، عن حماد.
كما رواه بواسطة "جامع" سفيان الثوري، عن محمد بن كثير، عن
الثوري، عن كتاب يحيى بن سعيد.
ورواه عن قتيبة بن سعيد، عن كتاب عبدالوهاب الثقفي، عن يحيى بن سعيد.
ونسخة عبدالوهاب أصح نسخ كتاب يحيى بن سعيد الأنصاري المدني.
فهنا روى البخاري حديثا واحدا من عشرة مصادر وحافظ على لفظه في كل
مصدر منها وهي:
١- مسند الحميدي.
٢- جامع ابن عيينة.
٣- كتاب يحيى بن سعيد.
٤- جامع الثوري.
٥- موطأ مالك.
٦- نسخة القعنبي للموطأ.
٧- نسخة ابن قزعة للموطأ.
٨- نسخة عبد الوهاب لكتاب يحيى بن سعيد.
٩- وكتاب عارم عن حماد بن زيد.
١٠- ومسند مسدد بن مسرهد.
وهذا بخلاف الرواية عن الأئمة والشيوخ من خارج كتبهم المشهورة -عن
بعض الرواة عنهم- فهذه التي يصدق عليها بأن البخاري انتقى صحيحها عمن ضعفه غيره من
الأئمة، حين يتابعه الثقات على روايته.
ثانيا: عبارة
(من روى له البخاري ومسلم فقد جاز القنطرة) تعبير صحيح عن إجماع أئمة الحديث خاصة،
وأهل العلم عامة، على اختلاف مذاهبهم على صحة ما فيهما، وأنه ليس فيهما إلا الحديث
الصحيح، وهو ما رواه العدول الضابطون سواء من كمل ضبطهم وهم الثقات أو خف ضبطهم وهم
أهل الصدق، كما قال أبو الفتح ابن دقيق العيد في "الاقتراح على ابن الصلاح"
عن أدلة كون الراوي ثقة: (ومنها تخريج الشيخين أو أحدهما في الصحيح الراوي محتجين به،
وهذه درجة عالية لما فيها زيادة على الأول وهو إطباق جمهور الأمة أو كلهم على تسمية
الكتابين بالصحيح، والرجوع إلى حكم الشيخين بالصحة، فهو بمثابة إطباق الأمة أو أكثرهم
على تعديل من ذكرنا، وقد وجد في هؤلاء الرجال المخرج عنهم في "الصحيحين"
من تكلم فيه بعضهم، وكان شيخ شيوخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي يقول في الرجل المخرج
عنه في الصحيح: هذا جاز القنطرة. ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما).
قال العلائي -
كما في مجموع رسائله ص ٣١٦ - بعد أن ساق كلامه: (فقد تقرر بهذه الجملة أن احتجاج صاحبي
"الصحيحين" أو أحدهما بالشيخ يكون مقدما على قول من جرحه إذا لم يكن مفسرا
فكيف وقد وثقه جماعة آخرون).
وقال ابن حجر في
"الفتح" ١٣/ ٤٥٧: (وقد نقل ابن دقيق العيد، عن ابن المفضل وكان شيخ والده
أنه كان يقول فيمن خرج له في الصحيحين: هذا جاز القنطرة، وقرر ابن دقيق العيد ذلك بأن
من اتفق الشيخان على التخريج لهم ثبتت عدالتهم بالاتفاق بطريق الاستلزام لاتفاق العلماء
على تصحيح ما أخرجاه، ومن لازمه عدالة رواته إلى أن تتبين العلة القادحة بأن تكون مفسرة
ولا تقبل التأويل).
وقد قال الذهبي
في أبان العطار: (جاز القنطرة واحتج به الشيخان).
وعبارته أدق من
عبارة المقدسي وهي: (من خرج له الشيخان جاز القنطرة)، إذ الاحتجاج بالراوي أقوى من
مجرد التخريج له في المتابعات.
فوصف هذه العبارة
بأنها (من أفسد الأقوال) مبالغة فيها نظر! بل هي صحيحة بالمعنى الذي فسره ابن دقيق
العيد ووافقه عليه العلائي والذهبي وابن حجر والقسطلاني واستقر عليه القول.
ولو قيل عن هذه
العبارة بأنها حكم أغلبي لصحت بلا خلاف في الرواة المتفق على توثيقهم وهم عامة رواة
الصحيحين، ويبقى الخلاف في المتكلم فيهم، ولا شك بأن قول البخاري ومسلم في توثيقهم
الضمني بالاحتجاج بهم أرجح من قول من ضعفهم، لما تقرر من إجماع أهل العلم على صحة كتابيهما،
فصح القول بأن من خرجا له واحتجا به فقد جاز القنطرة.
ومعلوم أن الأمة
إنما تلقت "الصحيحين" بالقبول وأجمعت على صحة ما فيهما، استصحابا للإجماع
السابق قبل وجود البخاري ومسلم!
وذلك أن أهل العلم
قبلهما وهم أئمة الأمصار كالإمام مالك وابن أبي ذئب في المدينة، وابن جريج وابن عيينة
في مكة، ومعمر في اليمن، والثوري في الكوفة، وشعبة وهشيم ويزيد بن هارون في واسط، والحمادين
وابن أبي عروبة في البصرة، والأوزاعي في الشام، والليث بن سعد في مصر، وغيرهم من الأئمة
قد صنفوا الكتب، وجمع كل إمام حديث شيوخه وأهل بلدة، وأجمعوا على صحة كثير من ذلك الحديث،
حتى كان الجدل الفقهي بين المدرستين الحجازية والعراقية، ثم المدرستين الشامية والمصرية،
هو في فقه هذه الأحاديث وفهمها وتأويلها، مع اتفاقهم على صحتها وثبوتها، فجاء البخاري
وقصد جمع هذا الحديث المجمع على صحته، دون المختلف فيه، كما قال البخاري: (ما أدخلت
في كتابي "الجامع" إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول).
وعبارة: (ما صح)
هنا يعني عند أهل العلم قبله، لا عنده فقط! فليس له شرط إلا ما عنون به كتابه وهو
(الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله وسننه وأيامه).
ثم اقتفى أثره
تلميذه مسلم في صحيحه وصرح بذلك في كتابه بعد حديث رقم (٤٠٤) فقال: (ليس كل شيء صحيح
عندي وضعته ههنا، إنما وضعت ما أجمعوا عليه).
فليس لمسلم شرط
خاص للصحيح فيدخل في كتابه ما انطبق عليه شرطه، وإنما اقتصر على ما أجمع أهل العلم
قبله على صحته.
فلما اطلع أهل
العلم في عصريهما وبعدهما على كتابيهما، وجدوا أنهما فعلا قد جمعا ما أجمع أهل العلم
على صحته قبلهما -إلا شيئا يسيرا استدرك عليهما فيه خلاف- فاستصحبوا حكم ذلك الإجماع
السابق، وأقبل أهل المدرستين الحجازية والعراقية، ثم باقي المدارس الفقهية، على الاحتجاج
بهما، وشرحهما، فلا يوجد حنفي، ولا شافعي، ولا حنبلي، ولا ظاهري، إلا ويحتج بالصحيحين،
وموطأ مالك قبلهما، ولا يتصور أن يكون للحديث قبلهما حال من حيث القبول والرد حتى إذا
أدخلاه في كتابيهما صار له حال أخرى! بل حاله واحدة قبلهما وبعدهما، ولهذه الخصوصية
ذاتها، لم يجعل أهل العلم لصحيح ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم وغيرهم، ما جعلوه للصحيحين؛
لأنهم لم يقصدوا ويقتصروا في صحاحهم على الحديث المجمع على صحته فقط، بل جمعوا ما تركه
البخاري ومسلم من الصحيح عندهم وإن خالفهم غيرهم في صحته!
ثالثا: وأما قولكم -في محاضرة "صحيح البخاري
بين الأصول الخطية ونظرية الانتقاء" المنشورة بتاريخ 21/03/2017م- أن ابن حجر قال في الفتح بأن رواية (ويح عمار تقتله
الفئة الباغية) ليست في البخاري، فيه نظر!
بل هي ثابتة فيه
في موضعين في كل طبعاته المشهورة، ونسخه الموثوقة، بنص ابن حجر نفسه!
قال البخاري في
صحيحه - ط البغا - في كتاب الصلاة حديث رقم (٤٣٦) حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد العزيز
بن مختار، قال: حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة: قال لي ابن عباس ولابنه علي: (انطلقا
إلى أبي سعيد، فاسمعا من حديثه، فانطلقنا، فإذا هو في حائط يصلحه، فأخذ رداءه فاحتبى،
ثم أنشأ يحدثنا، حتى أتى ذكر بناء المسجد، فقال: كنا نحمل لبنة لبنة، وعمار لبنتين
لبنتين، فرآه النبي ﷺ، فينفض التراب عنه،
ويقول: ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار.
قال: يقول عمار:
أعوذ بالله من الفتن).
وقال أيضا في الجهاد
رقم (٢٦٥٧) حدثنا إبراهيم بن موسى: أخبرنا عبدالوهاب: حدثنا خالد، عن عكرمة: أن ابن
عباس بمثله.
والحديث ثابت كذلك
في الموضعين في الطبعة السلطانية رقم ٤٤٧ ورقم ٢٨١٢ - التي طبعت على نسخة الحافظ اليونيني
وهي أصح نسخ البخاري - وكذا في طبعة السهارنفوري وأشار إلى فروق النسخ في بعض ألفاظه
من نسخة الكشميهني، وأبي ذر الهروي، وكريمة، والصاغاني - على نسخة الفربري - وابن السكن،
وإنما سقطت لفظة [تقتله الفئة الباغية] من بعض نسخ أبي ذر، والأصيلي، وهي ثابتة في
باقي نسخ البخاري الصحيحة الموثوقة المشهورة.
بل هي أيضا ثابتة
في نسخة أبي ذر - طبعة شيبة الحمد - في الموضع الأول حديث رقم ٤٤٠ وسقطت في الموضع
الثاني رقم ٢٧٢١، وهي بخط الحافظ الصدفي سنة ٤٩٣ بسماع ابن سعادة عنه، عن الباجي، عن
أبي ذر الهروي، عن شيوخه الثلاثة: المستملي، والكشميهني، والسرخسي، عن الفربري، عن
البخاري.
كما سمعه الصدفي
أيضا، عن البزار، عن الخلال، عن الكشاني، عن الفربري.
بينما نسخة ابن
حجر التي شرح صحيح البخاري عليها هي من رواية ابن عمار الطرابلسي، عن عيسى بن أبي ذر،
عن أبيه، وهي التي وقع فيها النقص!
قال ابن حجر في
الفتح ١/ ٥٤٢ عن هذا اللفظ: (وقع في رواية ابن السكن، وكريمة، وغيرهما، وكذا ثبت في
نسخة الصغاني - التي ذكر أنه قابلها على نسخة الفربري التي بخطه - زيادة توضح المراد،
وتفصح بأن الضمير يعود على قتلته، وهم أهل الشام، ولفظه: "ويح عمار تقتله الفئة
الباغية يدعوهم" الحديث، واعلم أن هذه الزيادة لم يذكرها الحميدي في الجمع، وقال:
إن البخاري لم يذكرها أصلا، وكذا قال أبو مسعود. قال الحميدي: ولعلها لم تقع للبخاري،
أو وقعت فحذفها عمدا.
قال: وقد أخرجها
الإسماعيلي، والبرقاني في هذا الحديث).
وكذا هي ثابتة
في شرح القسطلاني للبخاري في الموضعين، وقد اعتمد في شرحه على نسخة الحافظ اليونيني،
وقال في كتاب الجهاد (وسقط لأبي ذر قوله "تقتله الفئة الباغية")، وذكر في
كتاب الصلاة ما ذكره ابن حجر .
فالحديث بلفظ
[تقتله الفئة الباغية] ثابت بلا خلاف في صحيح البخاري، في أكثر نسخه، وأوثقها، وأصحها،
وهي نسخة تلميذه الفربري، وهي أتم الروايات وآخرها، وقد سمعه من البخاري مرتين، وعنه
الكشميهني، وابن السكن، وغيرهم.
فالذي نفى وجودها
في البخاري هو أبو مسعود الدمشقي، وذكره الحميدي احتمالا فقال في الجمع بين الصحيحين
(٢/ ٤٦٢): (في هذا الحديث زيادة مشهورة لم يذكرها البخاري أصلا في طريقي هذا الحديث!
ولعلها لم تقع إليه فيهما، أو وقعت فحذفها لغرض قصده في ذلك.
وأخرجها أبو بكر
البرقاني، وأبو بكر الإسماعيلي قبله، وفي هذا الحديث عندهما: أن رسول الله ﷺ قال: " ويح
عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ".
قال أبو مسعود
الدمشقي من كتابه: لم يذكر البخاري هذه الزيادة، وهي في حديث عبد العزيز بن المختار،
وخالد بن عبد الله الواسطي، ويزيد بن زريع، ومحبوب بن الحسن، وشعبة، كلهم عن خالد الحذاء.
ورواه إسحاق بن عبد الوهاب هكذا. وأما حديث عبد الوهاب الذي أخرجه البخاري دون هذه
الزيادة فلم يقع إلينا من غير حديث البخاري. هذا آخر معنى ما قاله أبو مسعود).
فالعبارة هذه بنص
الحميدي وأبي مسعود محفوظة مشهورة من حديث خالد الحذاء، رواها عنه خمسة من الثقات الحفاظ
فيهم شعبة، ولو لم يذكر البخاري من هذا الحديث إلا الإسناد أو طرفه لعد من تخريجه،
كيف وقد ثبت بهذا اللفظ في أكثر نسخ البخاري وأصحها في الموضعين جميعا!
ولم يجزم الحميدي
بنفيها بل ذكره احتمالا فقال: (ولعلها لم تقع إليه فيهما، أو وقعت فحذفها لغرض قصده
في ذلك)!
فدل ذلك على أن
نسخة ابن حجر، والحميدي، وأبي مسعود الدمشقي، ترجع إلى أصل واحد وقع فيه نقص، من رواية
عيسى بن أبي ذر، عن أبيه، ومن رواية الأصيلي، عن أبي زيد المروزي، عن الفربري، بينما
ثبتت في باقي النسخ بما فيها نسخة الباجي، عن أبي ذر.
رابعا: ليس للبخاري
شروط خاصة وحد للرواية في كتابه، إلا ما عنونه به (الجامع المسند الصحيح المختصر) فهو:
١- (الجامع) لكل
الأبواب الفقهية والعلمية، على طريقة شيوخ شيوخه من أصحاب الجوامع التي صنفت قبله بأكثر
من قرن كامل، كجامع ابن جريج، وموطأ مالك، وجامع معمر، وجامع الثوري، وجامع وكيع، وغيرهم.
٢- وهو أيضا
(المسند) الذي يقتصر على الأحاديث النبوية المرفوعة المتصلة -دون المرسلة والمنقطعة
والموقوفة التي كانت في تلك الجوامع- على طريقة أصحاب المسانيد من شيوخه، الذين رتبوا
الأحاديث النبوية المتصلة على مسانيد الصحابة، كمسند الطيالسي، ومسند أحمد، ومسند مسدد،
ومسند إسحاق، وعبيد الله بن موسى، وغيرهم.
٣- وكذلك اقتصر
من هذه المسانيد على (الصحيح) عند أهل العلم قبله مما أجمعوا على صحته، دون ما تنازعوا
فيه، ودون الضعيف، الذي كان في مسانيد شيوخه، وهذا الوصف للكتاب (الصحيح) يقتضي بداهة
أن يراعي شروطهم جميعا لقبول الخبر، بحيث يتحقق له وصف الإجماع، إذ بلغ هذا العلم والفن
أوجه في طبقة شيوخ شيوخه كالإمام مالك، والثوري، وشعبة، ثم ابن مهدي، وابن القطان،
وطبقة شيوخه كابن المديني، وابن معين، وأحمد، وأعلوا كثيرا من الحديث بالإرسال، والانقطاع،
وبالإرسال الخفي، وعدم اللقاء، وعدم السماع، وبالشذوذ، والتدليس، وتكلموا في الرجال
جرحا وتعديلا، فتجنب البخاري كل حديث معلول بشيء من ذلك، مراعاة لشرط الإجماع، فلما
اقتصر على المجمع عليه بينهم؛ توفرت فيه بداهةً كل شروطهم جميعا، من عدالة الرواة وضبطهم،
واتصال الإسناد، بما في ذلك شرط شيخه ابن المديني بضرورة تحقق اللقاء والسماع في الحديث
المعنعن، لا أنه هو الذي وضع هذا الشرط لكتابه كما توهمه كثيرون!
٤- وهو كذلك (المختصر)
الذي يقتصر في كل باب على أصح ما ورد فيه، دون استيعاب لكل حديث صحيح، كما قال: (لم
أدخل في كتابي إلا ما صح، وتركت من الصحيح لحال الطول).
فهو (الجامع) للأبواب
على سبيل الاستقصاء والاستيعاب، مع الاختصار للأحاديث الواردة تحت كل باب، فربما كان
في الباب الواحد عشرة أحاديث فيقتصر على حديثين أو ثلاثة.
وحتى هذا الاختصار
راعى فيه شرط من قاس من الفقهاء قبله الرواية على الشهادة واشترطوا رواية عدلين، عن
صحابي مشهور، عن النبي ﷺ، فلا يكاد يخلو
صحيحه في كل حديث من رواية عدلين أو ثلاثة، وصحابيين أو ثلاثة، حتى ظن الحاكم أنه شرط
له في صحيحه، فقال في المدخل عن الصحيح المتفق عليه: (فالقسم الأول من المتفق عليها
اختيار البخاري ومسلم، وهو الدرجة الأولى من الصحيح، ومثاله الحديث الذي يرويه الصحابي
المشهور بالرواية عن رسول الله ﷺ وله راويان ثقتان،
ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه
من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون
شيخ البخاري أو مسلم حافظا متقنا مشهورا بالعدالة في روايته فهذه الدرجة الأولى من
الصحيح).
وليس الأمر كذلك،
بل لما راعى البخاري شروط أهل العلم قبله جميعا لقبول الخبر، ليتحصل على المجمع عليه
بينهم؛ جاء كتابه على هذا النحو الذي جعلهم يقبلونه حكما بينهم على اختلاف مدارسهم
ومذاهبهم، ويجمعون على صحة ما في كتابه، حين اقتصر فعلا على ما أجمعوا عليه، دون ما
تنازعوا في ثبوته، لاختلاف شروطهم، مع أنه عقد في صحيحه كتابا في (أخبار الآحاد) وحجيتها،
وهو مذهبه كأكثر أهل الحديث، إلا أنه راعى شرط مخالفيهم ما وجد إلى ذلك سبيلا، حتى
توهم الحاكم أنه شرط له!
وقد تأتى للبخاري
هذا العمل العظيم لتوفر أمهات المصادر بين يديه، فليس في كتابه كله رواية واحدة شفهية
ليست في كتاب قبله، فنظر في تلك الجوامع فاستخرج أبوابها وما فيها من الحديث المسند
الصحيح، واستنبط هو أبوابا أودع فيها فقهه من تلك الأحاديث، كما في أول حديث من صحيحه
فقد رواه عن شيخه الحميدي و(مسنده) موجود مطبوع، عن ابن عيينة المكي و(جامعه) مشهور
فيه نحو عشرة آلاف حديث، عن يحيى بن سعيد الأنصاري المدني التابعي قاضي المدينة ومفتيها
(ولد سنة ٦٨ وتوفي ١٤٣) و(كتابه) صحيح مشهور.
وكذا الحديث الثاني
رواه من طريق (موطأ) مالك، عن هشام بن عروة من كتابه، عن أبيه عروة بن الزبير (٢٣
- ٩٤) من كتابه المغازي والسير.
وكذلك الحديث الثالث
من طريق الليث بن سعد وهو من أصحاب المصنفات، عن عقيل، عن الزهري من كتابه في المغازي،
عن عروة من كتابه المغازي، وكان الزهري يحفظه عن ظهر قلب!
وهكذا كل أحاديث
البخاري هي سلسلة مصادر كتابية مشهورة آنذاك، بعضها كمسند شيخه أحمد حوى ٣٠ ألف حديث
مسند، ومصنف شيخه ابن أبي شيبة فيه نحو ٤٠ ألف حديث وأثر، ومصنف شيخهما عبد الرزاق
٢٠ ألف حديث وأثر، وجامع معمر - شيخ عبد الرزاق - فيه نحو ١٠ آلاف، وكلها موجودة مطبوعة.
فلا يوجد في صحيحه
حديث ليس في أُمّات المصادر تلك.