مناسك الحج
دعوة إلى
التوحيد
والحنيفية
السمحة
أ.د. حاكم المطيري
الأمين العام لمؤتمر الأمة
٨ / ١٢ / ١٤٤٧هـ
٢٥ / ٥ / ٢٠٢٦م
في الحج تتجلى كل معالم الإسلام
وغاياته ويسره وسماحته، وأعظمها الإعلان بالتوحيد بمفهومه القرآني الشمولي، كما
روى جعفر الصادق، عن أبيه محمد الباقر، عن جابر بن عبدالله -في صحيح مسلم في صفة
حج النبي ﷺ- (فأهل رسول الله ﷺ بالتوحيد: لبيك
اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك).
فافتتح النبي ﷺ حجه بإعلان التوحيد لله بالألوهية والملك والطاعة، بأوجز عبارة،
وأوضح إشارة، بيانا لقوله تعالى ﴿قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة
إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب
العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾..
وخطب ﷺ في أيام الحج فقال: (أيها الناس إن ربكم واحد، وأباكم واحد، ولا فضل
لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا
بالتقوى)..
ثم خطبهم أيضا فقال: (إن دماءكم
وأموالكم وأبشاركم حرام عليكم.. فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض).
فالحج تذكير وتعريف ﴿برب الناس ملك
الناس إله الناس﴾، وتوحيده بالربوبية والملك والسيادة والطاعة والعبادة.
وتوحيد للدين بالاتباع ﴿إن الدين عند
الله الإسلام﴾.
وتوحيد للمؤمنين بالاجتماع ﴿واعتصموا
بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾.
وهذا هو التوحيد الذي أذن به إبراهيم
عليه السلام ﴿وأذن في الناس بالحج﴾، ودعا إليه النبي ﷺ، وهو الدين الذي بعث به، كما قال ﷺ: (بعثت بالحنيفية السمحة)، فما سئل النبي ﷺ في مناسك الحج عن شيء قُدّم أو أخر إلا قال (افعل ولا حرج).
ولسماحته ويسره ووضوحه عرف حقيقته
العرب الأميون: الرجال، والنساء، والكبار، والصغار، والأعراب، واكتفى النبي ﷺ منهم بالإقرار بشهادة التوحيد (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا
رسول الله)، للدخول في الإسلام، واشترط عليهم إقامة الصلوات الخمس، وأداء الزكاة،
كما قال تعالى ﴿فإن تابوا﴾ من الشرك الذي كانوا عليه وعبدوا الله وحده لا شريك له
﴿وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ وكما قال ﷺ (من استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، فذلك المسلم)، وكما قال لمعاذ حين
بعثه إلى اليمن (ليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله، فإن هم أجابوا - أو قال
أطاعوك - فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أجابوا
فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم).
فمن اشترط لثبوت الإسلام والإيمان
والتوحيد للفوز بالجنة والنجاة من النار أكثر من الدين الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وهو ملة إبراهيم والحنيفية السمحة، فقد تجاوز حدود ما أنزل
الله على رسوله ﷺ، كمن يشترط عليهم معرفة علم الكلام أو النظر، أو معرفة التوحيد
الاصطلاحي العلمي، وما وقع فيه من خلاف وجدل بين العلماء مما لا يعد شرطا لثبوت
الإسلام ولا نفيه، وإنما قد يكون بعضه شرطا لثبوت الوصف بالسنة، كما قال الإمام
أحمد في رسالته للعطار: (أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ، والاقتداء بهم، وترك البدع… ومن السنة اللازمة التي من ترك منها
خصلة لم يقلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها..) .
فالإمام أحمد يفرق بين أصول الإسلام
التي لا يكون الإنسان مسلما مؤمنا إلا بها وأعظمها الشهادتان بالإجماع، وأصول أهل
السنة التي من خالف فيها لم يُعد منهم، لا أنه ينفى عنه اسم الإسلام والإيمان
والتوحيد الثابت بالنص لكل من أقر بالشهادتين وصلى وزكى!
وقضية التوحيد وثبوت وصف الإسلام
ونفيه لا يحتكم فيها إلى نصوص الأئمة وأصول المذاهب والفرق وأئمتها، بل يحتكم فيها
إلى النصوص القطعية من الكتاب والسنة والإجماع، ولا يقبل فيها التأويل والاجتهاد،
ولهذا قال النبي ﷺ لأسامة بن زيد - حين قتل مشركا في المعركة قال قبل قتله (لا إله إلا
الله) - :(أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله)؟!
فقال أسامة (قالها متعوذا من السيف
يا رسول الله)!
فرد عليه (أشققت عن قلبه؟ أين تذهب
من لا إله إلا الله يوم القيامة؟).
وأخذ يكررها مرارا؟ حتى قال أسامة
(فتمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم)!
فمن ظن أن هناك توحيدا وإيمانا يجب
على كل مسلم اعتقاده والعلم به أكثر مما عرفه الصحابة والعرب الأميون الذين حجوا
مع النبيﷺ - وكانوا مئة ألف وأكثرهم لم يره إلا ذلك اليوم - وقال لهم في أعظم
مشهد يوم الحج الأكبر وقد بين لهم معالم دينهم (ألا هل بلغت)؟ قالوا (نعم) قال
(اللهم فاشهد) = فقد ظن وهما، وضل فهما، فما لم يكن يومئذ دين فليس هو اليوم بدين،
وإنما هي آراء تحولت بالعصبية المذهبية والعقائدية إلى آصار وأغلال كفّّر بها
بعضهم بعضا، واستباحوا بها دماءهم وأعراضهم! ففرقوا ما جمع الإسلام من هذه الأمة،
واستحلوا ما حرمه وعصمه!
﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا
لست منهم في شيء﴾.