(زلزال الثورات.. وانهيار النظريات)
(بركان الثورة الليبية)
الجزء الأول
بقلم أ. د. حاكم المطيري
6/12/2011م
لم تكن الثورة العربية في تونس ومصر زلزالا سياسيا أسقط الطغاة وعروشهم فقط، بل كانت زلزالا فكريا أسقط معه نظريات سياسية ومذاهب دينية طالما ضلت وأضلت الأمة معها عقودا طويلة عن سبيل الهدى والرشاد، وسنن التغيير والسداد، فانهارت بانهيارها سدود الأوهام، وتحطمت على صخرة الثورة حصون الظلم والطغيان، واكتشفت الشعوب العربية المظلومة كم كانت مغرورة حين سلمت عقولها لسماسرة الفكر، ودجاجلة الدين، ليجعلوها ضحية للطغيان السياسي من حيث يظنون أنهم يهدونها سواء السبيل!
وقد كتبت أثناء الثورة المصرية وقبل سقوط طاغوتها هذا المقال :
(أيها العرب .. الثورة طريق الحرية)
1/2/2011
(سقطت بالثورة التونسية المجيدة، ثم بالثورة المصرية المباركة، كل النظريات السياسية الزائفة التي روجها أنصاف المثقفين، وأرباع السياسيين، وخردة شيوخ الدين المضللين، حول طريقة الإصلاح في عالمنا العربي!
لقد راجت في أوساط النخب العربية وهي في أبراجها العاجية نظريات كثيرة حول وسائل التغيير في العالم العربي :
فطائفة ترى بأن شعوبنا العربية أضعف من أن تقوم بالتغيير والإصلاح، وأنها لا تستحق أن نضحي من أجلها، وأنها مجبولة على الخوف والجبن، وأنها تعيش مشاكل الأمية والفقر والتخلف، وأن السبيل الوحيد هو مد الجسور مع الحكومات والتعاون معها، فهي التي تملك كل إمكانات الإصلاح، وبيدها 99% من أوراق اللعبة!!
وطائفة أخرى ترى بأن الرهان هو على الانقلابات العسكرية، وأن الجيوش العربية المحبطة ستبادر إلى التغيير، وهي تملك القدرة على ذلك!
وطائفة ثالثة تراهن على أمريكا وأوربا ودعمها للديمقراطية، وأن الولايات المتحدة وحدها التي تستطيع إنقاذ شعوبنا مما هي فيه!
وطائفة رابعة من كهنة الدين وسماسرة الفكر تشترط شيوع الوعي وتشترط وصاية على مجتمعاتنا حتى تبلغ سن الرشد، فالأسر الحاكمة والنظم العربية لديها من الحس السياسي المرهف، ومن التاريخ في الحكم ما يجعلها أقدر على إدارة شئون بلداننا من شعوبها!
وكان بعضهم يرى بأن الثورات لا تأتي بالخيرات، وأنه ليس فيها إلا الدماء والدمار!
وكان منهم من يرى بأن مفسدة الثورة أكبر من مصلحتها، فحاجة الشعوب للأمن والاستقرار، أشد من حاجتهم للحرية والكرامة!
وقد بلغ الهوس ببعضهم حد أن قالوا بأن بقاء دولنا وشعوبنا مرهون بالأنظمة والأسر الحاكمة، وأنها هي صمام الأمان!
لقد قرأنا كل هذه الآراء وسمعناها، وجادلنا بعض أصحابها، خاصة ممن استشكلوا بعض ما جاء في (الحرية أو الطوفان) و(تحرير الإنسان) و(الفرقان) وغيرها من البحوث والدراسات والمقالات كـ (مشروعية المقاومة السلمية)، التي أكدت فيها حق الشعوب في الثورة من أجل الحرية، وقدرة الأمة على تحرير إرادتها دون قيد أو شرط، إذا ما وجدت العزيمة والإرادة، فكان بعضهم يستخف بما كنت أدعو إليه، حتى قال بعض المترفين فكريا هذه أحلام يقظة يعيشها الدكتور حاكم لن تتحقق في عالمنا العربي ولو بعد نصف قرن، ومنهم من يقول بأن حاكم المطيري خيالي حالم، وإنما على الإنسان أن يعيش بواقعية ويحقق في حياته ما يمكن له وحده تحقيقه، ويدع أحلام تغيير الدول جانبا!
لقد كنت مؤمنا إيمانا مطلقا بأن الثورة قادمة، وأن شعوبنا ستنتفض، وكنت أأكد لكثير من المصلحين المحبطين منذ صدور كتابي(الحرية أو الطوفان) سنة 2004م، أن هذا ما سيحدث خلال سبع إلى عشر سنين!
وقد قلت في آخر عبارة في كتابي (الحرية أو الطوفان) (وستظل الأمة ترسف في أغلال الوهم وجحيم العبودية، وليس أمامها للخروج من هذا التيه سوى الثورة أو الطوفان)!
نعم لقد كانت ثقافتنا تعج بالأوهام الزائفة والأفكار الكاذبة، التي قيدت إرادة الأمة نصف قرن، وكان حالنا كما قال شوقي :
وهمٌ يقيد بعضهم بعضا به ... وقيود هذا العالم الأوهام!
فها قد تحطمت كل تلك النظريات على صخرة عزيمة الشباب، فإذا الثورة تبدأ بفورة غضب الشباب، ولا تنتهي حتى تتحرر الشعوب، ويسقط الطغاة، وإذا هي السنن ذاتها التي لا تتخلف كما قال تعالى{ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين. ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون}!
إن الثورة التونسية المباركة قد آتت ثمارها، واستشرى أوارها، وهبت عواصفها تجوب خلال العالم العربي من المحيط إلى الخليج، وقد حاول كهنة الفكر وسماسرة الرأي أن يئدوها في مهدها، لتكون قاصرة على تونس وحدها، فمن قائل هذه فلتة لن تتكرر في العالم العربي خاصة مصر، لأن ظروف تونس تختلف تماما عن ظروف مصر! فلم يمض على سقوط طاغوت تونس عشرة أيام فقط حتى جاء جواب الشعب المصري، يزلزل الأرض تحت أقدام فرعون مصر وطاغوتها!
لقد ثبت أن أمر التغيير والثورة سهل جدا، وأن ثمنه أخف جدا من ضريبة الصبر على حكم الطاغية، فأن يموت ألف شاب في سبيل تحرير أمتهم، أهون من أن يستعبد الطاغوت الملايين، ويسجن مئات الآلاف عشرات السنين، وأن يهجر مثلهم، وأن يموت الآلاف تحت التعذيب، لتتحطم أمة كاملة بأرضها وشعبها وثروتها، وليتصرف فيها عدوها الخارجي، في الوقت الذي كلف تحرير الجزائر من الاحتلال الفرنسي نحو ثلاثة ملايين شهيد!
كما ثبت بأن سقوط السلطة، مهما كانت قوية، لا يقتضي سقوط الدولة، فالشعوب على أرضها، وستبقى في وطنها، والدولة لا تسقط بسقوط السلطة والنظام، بل إن بقاء السلطة الفاسدة، هو الذي يهدد كيان الدولة ويفضي إلى سقوطها!
لقد سقط الرئيس المصري وسقط معه نظامه الأمني البوليسي كله، فلم يقع من الضرر ولا عشر ما كان يقع أيام وجود الأمن المركزي وسيطرته على الشعب المصري!
لقد فهم رئيس تونس الدرس بعد فوات الأوان، فهل فهمت شعوبنا الدرس قبل فوات الأوان؟ فمن القادم أيها الثوار؟ ومن الشعب الثالث أيها العرب الأحرار؟) انتهى المقال!
.....
وإذا كانت الثورة المصرية هي ملهمة الثورة العربية، فإن الثورة الليبية هي معجزتها، سواء في أسبابها أو أحداثها أو نتائجها؟!
فقد خرج القذافي بعد سقوط حسني في تظاهرة شبابية في طرابلس يدعو للإصلاح والتغيير في مشهد استفزازي ماكر، بعد أن كان قد وقف بكل قوته مع الرئيس التونسي المخلوع ضد الثورة!
وإذا كانت الدلائل ترشح حدوث ثورة في تونس ومصر، فإن ليبيا على عكس ذلك، فلم تكن هناك دلائل تلوح في الأفق تنبئ عن حدوث ثورة فيها، حيث لا مؤسسات دولة يمكن لها أن تملأ الفراغ السياسي حال حدوثه، فلا حكومة ولا أحزاب سياسية ولا جيش وطني!
فقد اختزل القذافي كل ذلك بقائد الثورة والزعيم الضرورة!
كما إن ليبيا دولة نفطية ثرية لا تعاني من مشاكل الفقر كما تونس ومصر، وتركيبة المجتمع تركيبة قبلية تغيب فيه التنظيمات السياسية، ولا توجد فيها بنية أساسية لدولة حديثة، مما يستبعد معه حدوث ثورة شعبية!
لقد كانت كل الدلائل تنفي حدوث ثورة في ليبيا لعدم وجود أسبابها الظاهرة من جهة خاصة بعد مصالحة النظام مع التيار الإسلامي لتسويق نفسه من جديد، ولعدم القدرة على تفجيرها من جهة أخرى، حتى لو وجدت أسبابها، لغياب الساحة السياسية المهيأة التي قد تولد فيها الثورة الشعبية!
إلا إن هناك سببا واحدا لم يكن في حسابات أحد، فقد نسيه القذافي، ونسيته عصابته، ونسيه الإسلاميون الذين رضوا بالمصالحة معه، لقد نسيه الجميع طمعا بالاستقرار على حساب العدل، إلا إن الله جل جلاله أحصاه ولم يغفل عنه ولم ينسه {فلا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون}!
إنها تلك الأرواح التي أزهقت قبل عشرين سنة ظلما وعدوانا في سجن أبو سليم، بعيدا عن أعين الناس ووسائل الإعلام، حين اطمأن المجرم أنه لم يره أحد! ولن يجرؤ عليه أحد!
فما زالت تلك الأرواح التي كانت تستغيث في السجن وهي تقتل ظلما وعدوانا ولا مغيث تنتظر القصاص العادل من السماء، بعد أن غاب العدل في الأرض، وتواطأ الجميع على طي ملف قضيتهم، إلا إن الله كان للجميع بالمرصاد، ففتح ملفهم، وبدأ حسابهم، والانتقام لهم{إنا من المجرمين منتقمون}!!
لقد خرج بعض المتظاهرين في بنغازي يدعون إلى فتح ملف قتلى سجن أبو سليم الذين مضى على قتلهم أكثر من عقدين، وليس في حسبانهم ثورة، ولا خطر لهم ذلك على بال!
وكان بعض الأهالي يريدون فقط معرفة مصير أبنائهم، وبعضهم يريد حلا عادلا وتعويضا مناسبا!
فتم قمع التظاهرة بكل صلف وطغيان، فما هي إلا ساعات من المواجهات فإذا الشباب الثائر قد سيطر على مدينة بنغازي خلال يومين!
لقد كانت مفاجأة كبرى للشباب أن النظام انهار بأسرع مما كانوا يظنون في أول مواجهة!
كما إنه لا مجال أمامهم للتراجع هم أيضا، فالقذافي لن يرحمهم إن قدر عليهم، فكان لا بد لهم من المضي قدما لمواجهة الطاغوت في طرابلس {ليقضي الله أمرا كان مفعولا}!
وما هي إلا أيام حتى وصل شباب الثورة إلى الزاوية قريب طرابلس في مشهد أسطوري خيالي قذف الله فيه الرعب في قلوب الذين ظلموا وأعمى أبصارهم!
وكما كانت حسابات القذافي كلها خاطئة، وتقديراته للموقف باطلة، فكذلك لم تستطع دول أوربا فهم ما حدث في ليبيا، تماما كما أخطأت في فهم ما حدث في تونس ومصر من قبل؟
لقد تفاجأت فرنسا أن رهانها على النظام التونسي ووقوفها معه حتى سقط كان رهانا خسارا، وخطأ سياسيا فادحا، وقد أكد نجاح الثورة المصرية خسارة فرنسا حين وقفت ضد الثورة في تونس، ظنا منها أنها ستنجح في ذلك كما فعلت قبل عشرين سنة حين وقفت مع الانقلاب العسكري في الجزائر ضد إرادة الشعب الجزائري وخياراته، ووأدت أول تجربة عربية تعددية بتواطؤ عربي رسمي بعد الفوز الكاسح لجبهة الإنقاذ الجزائرية بقيادة الشيخ عباسي مدني والشيخ علي بلحاج! لتدخل بعدها الجزائر في حرب دموية خططت لها فرنسا وجنرالاتها في الجزائر بدعم عربي!
لقد كادت فرنسا للثورة التونسية، كما كادت قبل عشرين سنة للتجربة الجزائرية إلا أنها هذه المرة باءت بالفشل، وافتضح أمرها وكشفت خطة وزير خارجيتها وداخليتها لدعم الرئيس التونسي المخلوع بالأسلحة للفتك بشعبه!
لقد أدركت فرنسا أنه ليس أمامها خيار إلا الوقوف مع الثورة العربية، فما إن بدأت شرارتها في ليبيا حتى بادرت لتأييدها، ظنا منها أنها ستنجح كما نجحت الثورة في تونس ومصر خلال أقل من شهر! فأرادت أن تعوض خسارتها السياسية بالوقوف مع الثورة الشعبية الليبية، طمعا في المشاركة في العقود النفطية، التي كان القذافي قد منحها للشركات الأمريكية منذ الصفقة السياسية بينه وبين إدارة بوش الابن للتخلي عن أسلحته الكيميائية مقابل تأهيل القذافي من جديد ورفع الحظر السياسي عنه!
ولم تتوقع فرنسا أن المشهد الليبي سيكون مختلفا جذريا عن المشهد التونسي والمصري، وأن الثورة ستكون ثورة شعبية مسلحة، وسيضطر معها حلف النيتو للتدخل لمواجهة الدعم العسكري الروسي للقذافي، ذلك الدعم العسكري الذي تسارع بعد وصول الثورة لمشارف طرابلس، حيث استطاع النظام استعادة زمام المبادرة وجهز صواريخ غراد لقصف مدينة بنغازي، بعد أن نجح ثوار ليبيا في تحرير الشرق الليبي كاملا وهو ما يعدل مليون كيلو متر مربع في أقل من شهر!!
وفي الوقت الذي كانت الثورة المصرية تشد العالم كله لمتابعتها في آخر أيامها دون أي تدخل أجنبي، كان المشهد الليبي والسوري قد تجلى في عالم الغيب قبل عالم الشهادة بصورة مختلفة تماما عن المشهد التونسي والمصري! وهو ما أشارت إليه الرؤى التي كشفت المشهد قبل حدوث الثورة الليبية بأيام!
وتأملوا تاريخ الرؤيا وأحداثها واستحضروا آخر أيام الثورة المصرية حيث لا يلوح في الأفق آنذاك ما يصدق تلك الرؤيا!
(رؤيا الشيخ محمد ... قبيل الثورة الليبية)..
14/2/2011م
شيخي الفاضل ..
رأيت فيما يرى النائم صباح اليوم أن جيشا عدده كبير جداً على خيول متوشحين سيوفهم ودروعهم!
يقدمهم رجل أبيض!
على رأسه خوذة الحرب!
رافعاً راية كبيرة طولها قرابة 3 أمتار!
وأن هذا الجيش قادم من الغرب إلى الشرق!
(تحديداً كنت أقول في منامي أنهم قادمون للنصرة ! أرى أنه آت لنصرة المسلمين في المشرق!(
ورأيت في الراية التي يحملها القائد ( شعار ألمانيا) !
محمد ...
..
الرد..
بشرى خير..
حاكم المطيري..
..
لقد كانت الرؤيا واضحة لا تحتاج إلى تعبير أو تأويل وهي تنبئ بقرب تدخل عسكري غربي إلا إنه هذه المرة لنصرة العرب المسلمين في الشرق وهو أمر غير مسبوق في تاريخ أوربا!
ولم أهتم كثيرا بهذه الرؤيا حينها ولهذا لم أعبرها للأخ محمد وإنما قلت له (بشرى خير)، إذ لم أتوقع بحسب قراءتي السياسية حدوث مثل ذلك التدخل، فقد كانت الهزيمة في العراق وأفغانستان لجيوش الولايات المتحدة وحلف النيتو تمنع من تكرار التدخل في أي بلد عربي آخر!
وفي ذكر شعار ألمانيا في الرؤيا ما يؤكد أن التدخل لن يكون استعماريا، فهو في الرؤيا رمز وإشارة للعلاقة التاريخية الإيجابية بين الخلافة العثمانية وألمانيا في الحرب العالمية الأولى، كما لم يسبق للألمان أن استعمروا بلدا عربيا، ففي قدوم الجيوش تحت رايتهم دليل على أنها للمساعدة، كما إن في الرؤيا دليلا على ضعف الدول العربية عن مواجهة الثورة وتداعياتها وحاجتها لمساعدة الغرب!
وهو ما ظهر جليا في الثورة الليبية والسورية حين استباح الطغاة دماء شعوبهم الثائرة في وجه طغيانهم وإجرامهم، فلم تستطع الجامعة العربية التدخل لصالح الشعوب وحمايتها، مما يؤكد نهاية الدولة العربية الوظيفية!
وقد عبرت عن تلك المأساة حينها بمقال :
(الثورة الليبية والمجازر الوحشية)
22/2/2011
(فاجأت الثورة الليبية العالم كله في سرعة انتشارها، وقوة إعصارها، وكشفت عن مدى الهمجية والوحشية التي يمتاز بها هذا النظام، الذي أراد كسر شوكة الشعب الليبي بمليشياته الشعبية، ولجانه الثورية، فكسره الشعب بإرادته الحرة الأبية، وغيرته العربية، وحميته الإسلامية، كما أثبتت الثورة هشاشة النظام الليبي الذي استخف بالشعب وقدرته، فدفع ثمن استخفافه بشعبه، وثمن خيانته للأمة حين تظاهر بالوقوف ضد القوى الاستعمارية ومشروعها في المنطقة العربية، في الوقت الذي كان يتفاهم معهم على كل ما يريدونه منه، وينفذ لهم كل ما يطلبونه، من أجل بقائه في الحكم وبقاء أسرته!
لقد استمرأ هذا النظام رفع الشعارات القومية للاستهلاك المحلي، ففي الوقت الذي كان يتباكى على فلسطين والشعب الفلسطيني، وعلى العراق والشعب العراقي، ويندد بالاحتلال الأمريكي، كان يرفض عقد أي مؤتمر للمقاومة العراقية أو المقاومة الفلسطينية على أرضه، بل ويشارك في حصارها كما تريد الولايات المتحدة!
لقد كشفت الثورات العربية الثلاث عن مدى العداوة التي يضمرها الغرب والولايات المتحدة لشعوبنا، وكيف تتواطأ حكوماته على غض الطرف عن الجرائم التي تقوم بها الأنظمة الدكتاتورية في عالمنا العربي ضد شعوبها، وتجلى ذلك في أبشع صوره عن صمتهم عن الحرب التي يشنها النظام الليبي على شعبه، والتي ذهب ضحيتها مئات القتلى، وآلاف الجرحى، في الوقت الذي تقوم أوربا ولا تقعد من أجل معارض صيني أودع في السجن!
إننا نوجه اليوم نداءً إلى العرب الأحرار، والشباب الثوار، في عالمنا العربي، وخاصة في مصر وتونس، بأن يقفوا مع الشعب الليبي بكل إمكاناتهم المادية والمعنوية، فهو يتعرض إلى حرب إبادة جماعية، يشنها نظام إجرامي فقد شرعيته بإعلانه الحرب على شعبه.
كما نحيي الشعب الليبي البطل على هذه الثورة التاريخية، التي جددت ثورة عمر المختار، وشهداء ليبيا الأبرار، في مواجهة حقبة الاستعمار!
لقد امتازت الثورة الشعبية الليبية العظيمة عن سابقتيها التونسية المجيدة، والمصرية المباركة، بأمور منها:
1- أنها ثورة شعبية سلمية اضطرت إلى مواجهة نظام عسكري إجرامي استخدم معها كل أساليب الحرب المحرمة، وكان ضحايا الثورة في أول يوم فيها يعادل ضحايا الثورة التونسية في أسابيعها الأربعة، وإذا نجحت الثورة الليبية وهي قطعا ستنجح بإذن الله، فستكون ثورة فريدة من نوعها، إذ سيثبت للطغاة جميعا، أن الأمة قادرة على مواجهتهم سواء بالمظاهرات والثورات الشعبية السلمية، أو الثورات الشعبية المسلحة!
فليختر الطغاة أي الثورات يريدون، وأي المواجهات يختارون، فإن الأمة باتت جاهزة لكلتا الحالتين!
2- كما إنها ثورة شعب في مواجهة عصابة إجرامية، استخدمت الجيش والطيران في حرب ضد المتظاهرين العزل، بينما كانت الثورة المصرية والتونسية ضد دكتاتوريات مع وجود مؤسسات الدولة التي استطاعت ضمان عدم دخول الجيش في مواجهة الشعب، فأثبتت الثورة الليبية أن الطغاة لا يستطيعون الوقوف أمام إرادة الشعوب حتى لو استخدموا جيوشهم وطيرانهم!
3- كما أثبتت الثورة الليبية وقبلها التونسية والمصرية أن القبائل العربية هي كما قال الفاروق الملهم عمر بن الخطاب (وأوصي بالأعراب خيرا فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام)، فقد أشعلت أسرة البوعزيزي من قبيلة الهمامة من سليم شرارة الثورة في تونس، وكذا بدأت قبائل سيناء بالثورة على النظام المصري في العريش منذ البداية، وجاءت القبائل الليبية العربية والمتعربة، كمصراته، وكقبيلة زوية من قبائل سليم، وقبيلة بني وليد من ورفلة القبيلة الشهيرة، لتساهم كلها في الثورة وتحسمها لصالح الشعب الليبي، وهو ما يؤكد دور القبيلة الوطني، وأنها مكون رئيسي لا يمكن تجاهل دوره في العالم العربي، الذي تمثل القبيلة والأسرة الأساس الاجتماعي فيه، كما إنها الضامن لوحدة مجتمعاتها كما جرى في العراق، إذ وقفت القبيلة العربية سدا منيعا في وجه المشروع الاستعماري، والمشروع الطائفي، وأفشلت مشروع التقسيم، حيث حافظت على وحدة النسيج الاجتماعي العراقي، ولم يقع في مناطقها أي صراع طائفي، في الوقت الذي نجح الطائفيون وأحزابهم في تحقيق أهدافهم في المدن!
إنها لحظات فرح وعيد، تعيشها الأمة اليوم، وهي تولد وتبعث من جديد، مهما خالطها من حزن أو ذهب فيها من شهيد، ولن تذهب دماء الشهداء الأبرار سدى، ولن تنسى الأمة تضحياتهم أبدا، بل ستخلد خلود المجد، في ذاكرة التاريخ) انتهى المقال!
فهذه قراءتي السياسية للمشهد آنذاك في آخر شهر فبراير، بعد تلك الرؤيا التي أرسلها لي الأخ محمد بنحو أسبوع، فلم آخذها بعين الاعتبار في التنبؤ بمسار الأحداث، وكان المشهد بعد ذلك مطابقا لما جاء في تلك الرؤيا على نحو أسطوري!
وقد كانت الثورة المضادة للإعلام العربي الرسمي حينها قد بدأت بإثارة الشك في الثورة العربية ومن وراءها، وأرادت دوائر الاستخبار الأمريكي إشاعة أكذوبة (الفوضى الخلاقة)، لضرب عصفورين بحجر واحد، فهي من جهة تحقق للولايات المتحدة إعلاميا ونفسيا ما لم تستطع تحقيقه بالحرب، حيث هزمت شر هزيمة في العراق وأفغانستان وسقط مشروعها للسيطرة على المنطقة، وفي استعادة تلك الأكذوبة وترويجها ما يخدم الولايات المتحدة سياسيا في أنها وراء ما يجري في العالم العربي، وأنها تخطط لذلك وتعمل من أجله في الدول التي نجحت فيها الثورة، وأن العالم العربي ما زال تحت سيطرتها ونفوذها، مع إنها ظلت تدعم الرئيس التونسي ثم الرئيس المصري إلى آخر رمق!
ومن جهة أخرى تعيق تلك الأكذوبة الثورة في مناطق نفوذ الولايات المتحدة الحيوية التي لا تريد واشنطن للثورة الوصول إليها كالعراق والخليج العربي والجزائر والمغرب والأردن، بذريعة أن الثورة هي الفوضى الخلاقة التي تحاول الولايات المتحدة من خلالها تغيير المنطقة لصالح مشروعها (الشرق الوسط الجديد)!
وقد كتبت مقالا في كشف اللثام عن هذه الأكذوبة بعنوان :
(الثورة الخلاقة)
28/2/2011م
(جاءتني أسئلة من عدد من القراء تسأل عن هل ما يجري في العالم العربي من ثورة هو الفوضى الخلاقة التي تريدها أمريكا للمنطقة؟
وهل أمريكا لها يد فيما جرى ويجري من ثورات اليوم؟
وأقول بأن الفوضى الخلاقة نظرية سياسية تقوم على أساس الاستفادة من الاضطراب وعدم الاستقرار في المناطق الحيوية بما يحقق مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة على العالم، وقد جاء المحافظون المسيحيون الجدد، بقيادة جورج بوش الابن، فأرادوا تطبيق هذه النظرية في العالم الإسلامي والعربي، إذ كانت الإدارات قبله تميل للمحافظة على الاستقرار الدولي بما يخدم مصالح أمريكا وحلف النيتو، فتبنى المحافظون الجدد هذه السياسة الجديدة، ولإيمانهم الديني بالنبوءات وأن العالم سيشهد اضطرابات وحروبا تمهد لنزول المسيح، فقد دفعوا باتجاه إحداث الفوضى والاضطراب وعدم الاستقرار، للاستفادة منه في إحكام قبضة الولايات المتحدة وسيطرتها وحلفائها على العالم!
وعندما قال بوش الابن بأن حربه على الإرهاب ستكون (حربا صليبية) كان ذلك عن إيمان بما يقول، وقد قال حينها بيرجنسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق بأنه يخجل من سيطرة العقلية الدينية الغيبية على سياسات الحكومة الأمريكية!
وقد زارنا السفير الألماني في الكويت سنة 2004م - في لقاء منشور في الصحافة الكويتية - وسألته عن هل كان الرئيس بوش يريدها (حربا صليبية) حقا؟ وكنت لا أحتاج إلى جوابه!
فأجاب بأن الرئيس الألماني وهو عالم ومتخصص في اللاهوت صرح بأن بوش الابن أسير رؤى دينية بروتستانتية وسيورط أوربا - الكاثوليكية - في حروب صليبية جديدة!
وقد كان المشروع الأمريكي للمنطقة يقتضي ضرب استقرارها وإعادة ترتيبها من جديد، وذلك بضرب مشروع سايكس بيكو والجامعة العربية - التي أوجدتها بريطانيا آنذاك لخدمة مصالحها - ورسم حدود المنطقة من جديد، بتفتيتها وتجزئتها أكثر وأكثر، بما يحقق مصالح أمريكا، وإذكاء نار الصراع والخلافات الطائفية والعرقية والقبلية والمناطقية في العالم العربي، لتهيئة وتبرير التجزئة، وبناء شرق أوسط جديد، يخدم أمن إسرائيل من جهة، ويحافظ على سيطرة الولايات المتحدة عليها لقرن قادم من جهة أخرى، وقد نشر روجيه جارودي في مقدمة كتابه (الأساطير الإسرائلية) خطة الحرب المنشورة سنة 1982 التي تقتضي تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات سنية وشيعية وكردية، وتقسيم السودان، وتقسيم مصر..الخ، وهو ما لم يجرؤ على تنفيذه إلا المحافظون الجدد في العراق حربا، وفي السودان سلما!
لقد كانت أمريكا تحرص غاية الحرص على أمن الخليج العربي واستقراره لحماية مصالحها، وكانت تخشى عليه من أي اضطراب، غير أنها وجدت بأن الفوضى التي حدثت بغزو صدام للكويت سنة 1990م حققت لها ما لم يكن في حسبانها، وفتحت لها آفاقا أوسع ليس لتعزيز سيطرتها على الخليج بشكل كامل وبانتشار قواعدها العسكرية في كل بلد، بل بفتح الطريق للسيطرة على العراق نفسه والذي تحقق سنة 2003م، فتعزز إيمان الولايات المتحدة بصحة نظرية الفوضى الخلاقة وأن الاضطراب قد يكون أنفع وأجدى لها من الاستقرار!
وقد كانت حرب احتلال أفغانستان 2001م ثم حرب احتلال العراق سنة 2003م في سياق تطبيق نظرية الفوضى الخلاقة، إلا أن ما حدث هو أن الولايات المتحدة وحلفاءها وبعد تعرضهم للهزيمة العسكرية في أفغانستان ثم العراق، وجدوا أنفسهم أنهم أصبحوا هم في دائرة الفوضى الخلاقة نفسها!
وقد برر ريتشارد بيل المستشار السياسي للسفير الأمريكي في الكويت سنة 2003م في زيارته الثانية لنا، بعد احتلالهم للعراق، وبعد أن واجهوا مقاومة من الشعب العراقي، وثبت لهم بأن الوضع في العراق ليس كما صوره لهم عملاؤهم العراقيون، فقال معبرا عن سياسة الولايات المتحدة في المنطقة وكيفية إدارتها للأزمات، وكيف سيسعون لتحقيق ما يريدون من تغيير واقع المنطقة سياسيا، وضرب على ذلك مثلا فقال:
أرأيتم هذه الطاولة وكانت أمامه وعليها كأس ماء وفنجان قهوة، إذا لم أستطع قلبها ما الذي يمكن لي أن أفعل؟
ثم أجاب على الفور سأعيد ترتيب ما عليها من جديد!
لقد أرادت الولايات المتحدة إعادة ترتيب أوضاع الدول العربية للسيطرة عليها أكثر فأكثر، من خلال التدخل المباشر وغير المباشر، وقد آثرت - حين رأت عجزها عن القيام بحرب جديدة بعد هزيمتها في أفغانستان والعراق، ورأت عجز التيار الليبرالي العربي وعدم شعبيته وعدم قدرته على الوصول للسلطة عن طريق الانتخابات ومن خلال الديمقراطية - أن تحافظ على حلفائها التقليديين مع إشراك الإسلاميين التقليديين في السلطة لكسب شعبيتهم، خاصة بعد أن جربتهم في أفغانستان والعراق والسودان ومصر واليمن والأردن والجزائر والكويت وغيرها من الدول، فوجدت أنهم حلفاء يمكن التفاهم معهم، وأنهم يمكن أن يحققوا حين يتم إشراكهم في السلطة استقرارا للأنظمة العربية التي يهم أمريكا وإسرائيل عدم اضطرابها، وقد قطعت الولايات المتحدة مع السودان شوطا بعيدا في مكافحة الإرهاب، وتنفيذ سياساتها دون حاجة لتغيير النظام الأصولي، ولهذا حرصت على المحافظة عليه، مع ممارسة الضغوط حين يستعصي عليها، وتركت دعم المعارضة السودانية ذات التوجهات الليبرالية، ووجدت أن هذه الطريقة هي الأفضل لها ولمشروعها في المنطقة، ولهذا حرصت إدارة أوباما على المحافظة على الوضع القائم في مصر والجزائر وليبيا وتونس وباقي الدول العربية، وتخلت عن فزاعة الديمقراطية التي ترفعها بين الفينة والأخرى في وجه حلفائها لابتزازهم، مع الضغط لتحقيق بعض الإصلاحات في الدول الحليفة لها بما يمنع من تفجر الوضع فيها، من خلال التنفيس للمعارضة وفتح المجال للمشاركة مع السيطرة على العملية السياسية كلها!
لقد كانت الولايات المتحدة قد اقتنعت بفكرة التوريث في الدول العربية الجمهورية، ما دام ذلك سيحافظ على الاستقرار ويحقق لها مصالحها، خاصة بعد أن وجدت بأن الإسلاميين التقليديين لا يمانعون من ذلك لا في مصر ولا في اليمن ولا في ليبيا!
فكانت تريد لمصر نظاما يرث نظام حسني مبارك وبنفس سياساته، مع تحقيق بعض الإصلاحات الجزئية، التي تمنع من انهياره!
ولقد أثارت المظاهرات المليونية التي خرجت في العالم العربي إبان حصار غزة قلق الدوائر الغربية من خطورة تفجر الشارع العربي فجأة، وتم عقد اجتماع تابع لحلف النيتو في البحرين، بمشاركة الدول الخليجية التي أصبحت جزءا من الحلف، وكان مما طرح فيه موضوع كيف يتم حفظ الأمن الداخلي للدول العربية بالجيوش العربية نفسها!
وكيف يتم تغيير استراتيجياتها لتقوم الجيوش العربية لا بحماية دولها وشعوبها وأوطانها بل بحماية الأنظمة الحاكمة وضبط الأمن الداخلي ومواجهة المظاهرات!
وقد كانت الولايات المتحدة تضغط على قيادات المؤسسة العسكرية المصرية للموافقة على تغيير إستراتيجية الجيش المصري، وذلك قبيل الثورة بأسابيع!
فجاءت (الثورة العربية الخلاقة) لتنسف المشروع الأمريكي للمنطقة من أساسه، ولتعيد ترتيب الأوراق من جديد، لا كما يريد الغرب الاستعماري، وإنما وفق ما تتطلع له الأمة وشعوبها، فكانت الثورة العربية التي لم يتوقعها أحد، ولم تخطر ببال أحد، حدثا تاريخيا مفاجأ بكل المقاييس، فقد أربك سياسة أمريكا، وأذهل أوربا، حدوث مثل هذه الثورة دون سابق إنذار ورصد، ولهذا حاولت - ولا تزال تحاول - بكل ما تستطيع وأد الثورة التونسية من خلال التدخل الفرنسي، والثورة المصرية من خلال تدخل بريطاني وأمريكي، فباءت حتى الآن كل محاولاتهم بالفشل، وسقط حلفاؤهم!
فلما جاءت الثورة الليبية وكان القذافي قد أمن لهم مصالحهم النفطية، ونفذ لهم شروطهم، رأت الولايات المتحدة ضرورة كبح جماح هذه الثورة العربية، والاكتفاء بما جرى في تونس ومصر، إذ نجاحها في ليبيا سيفتح الباب على مصراعيه لتعم الثورة العالم العربي كله، وكان وأد الثورة فيها يعني إمكانية إجهاض أي ثورة قادمة، فغضوا الطرف عن المجازر الوحشية التي قامت بها كتائبه مدة أسبوع كامل، حتى ضجت المنظمات الدولية من تلك الجرائم، وبعد أن نجح الثوار في السيطرة على الوضع، خرجت أمريكا من صمتها مذهولة لتتحدث عن العقوبات على النظام، وقد بدا الحزن على وجه أوباما أشد ما يكون وضوحا، وتحدث كأنه في مأتم عن ضرورة رحيل القذافي، بعد أن رأى بأن الثورة أصبحت واقعا!
إن (الثورة العربية الخلاقة) هي مشروع الأمة المرحلي - وليس النهائي - النقيض لمشروع (الفوضى الخلاقة) الأمريكي، وقد كانت الثورة ردة فعل عنيفة لتراكمات الهزيمة التي تعرضت لها الأمة منذ كامب ديفيد وأوسلو إلى سقوط بغداد وحصار غزة، الذي كشف المشهد المأساوي للعالم العربي بكل أبعاده، حيث وجد العرب أن عدوهم ليس أمريكا وإسرائيل فقط، بل الأنظمة العربية التي تملأ السجون بهم لتمنع مظاهراتهم واحتجاجاتهم ضد ممارسات إسرائيل الإجرامية! وحين تمارس قوات الأمن في بلدانهم ضدهم أبشع صور القمع حين يعبرون عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني أو الشعب العراقي!
وحين يتم محاصرة المقاومة العراقية في كل مكان إرضاء للاحتلال الأمريكي، حتى لا يجد العرب بلدا يستضيف مؤتمرهم حول العراق وجرائم الاحتلال إلا في تركيا!
فكان القرار العربي الشعبي السري الصامت لنبدأ بإسقاط العدو الأول لنا، وهو هذه الأنظمة العميلة{هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله}، قبل مواجهة إسرائيل وأمريكا!
لقد كان الشارع العربي من المحيط إلى الخليج منذ احتلال بغداد، يغلي غليان القدر، ويموج موج البحر، وكانت الأرض تئن أنينا لا يسمعه إلا أهلها، وكان همس العرب في كل مكان تتوجه إليه هو (يا لثارات العراق)، وقد التقيت في عشرات اللقاءات والمؤتمرات الخاصة والعامة، ومع كل ألوان الطيف السياسي الإسلامي والقومي والوطني، فكان الجميع يتحدث عن وجوب التغيير وضرورته في العالم العربي كله، فقد كان سقوط بغداد تحت الاحتلال الأمريكي جرس الإنذار الذي تم قرعه في كل عاصمة ومدينة وقرية وبيت عربي، بأن الأوان قد حان للتغيير!
لقد زرت أكثر البلدان العربية فزرت أهل السوادن في مدنهم وقراهم، من الخرطوم إلى كسلا..
وزرت أهل اليمن في جبال صعدة، وصنعاء، والضالع، وعدن، وتعز، وإب..
وزرت المغرب وسوريا والأردن ولبنان وكل مناطق جزيرة العرب والخليج العربي..
فلم أدخل بلدا ولا مدينة ولا قرية ولم ألتق أحدا إلا وكان الحديث ما هو العمل؟! وكيف نغير الواقع؟ وكيف نحرر العراق وفلسطين؟!
لقد كانت تلك النخب في المؤتمرات واللقاءات تمثل توجه الشارع العربي، فكان نحو أربعمائة مليون عربي يمتلئون غيضا وحقدا وهم يرون كيف تحاربهم حكوماتهم، وكيف تخونهم مع أعدائهم، حتى إذا وقعت حرب غزة واشترك العرب في حصارها بكل فجور، ورفض حسني مبارك فتح المعابر لضحايا الحرب، كان قرار الشعب المصري حينها أن النظام سقط، وبقي تنفيذ حكم الإعدام فيه!
لقد تحدثت في كثير مما كتبت عن الثورة ووجوبها وتوقعت حدوثها، لأنني كنت أسمع همسا لا يسمعه الملأ في أبراجهم العاجية، ولا تسمعه الاستخبارات الغربية، ولا تستطيع فهمه لو سمعته، فقد كانت الأرض العربية تئن من الطغيان والفساد والاستبداد والاحتلال، وتحن إلى الطهر والعدل والحرية والاستقلال، وكان العرب يضطرمون غيظا مما يجري حولهم، وكانوا يترقبون ساعة الصفر، دون أن يعرفوا عنها شيئا، فالجميع ينتظر، ولا يعلم من سيطلق شرارة الثورة، وفي أي بلد، ومن سيقودها، إلا أن الجميع كانوا ينتظرونها، وكانوا على أهبة الاستعداد لها!
لقد كان القرار العربي الشعبي قد اتخذ دون اجتماع، ودون نطق، ودون خطة عمل، فقد كان العقل العربي الجمعي قد اتخذ قراره في نفسه، وكتمه في صدره، ولم يبد سره، ولم يكشف خططه، وتركها لساعة الصفر، فكانت الثورة الخلاقة!
لقد شارك في القرار حتى العجائز في صعيد مصر، والشيوخ في جبال صعدة، والحرائر في صحراء العرب، والشباب في قرى المغرب!
لقد خرج الشباب الثائرون لا لأنهم تأثروا بالفيس بوك والتوتر، ولا أظن أن قرية محمد البوعزيزي في سيدي بو زيد التي فجرت الثورة، كانت متأثرة بثورة الانترنت - وإن كانت أهم أسباب نجاح الثورة بعد انطلاقها – وإنما كان الشباب في العالم العربي من الخليج إلى المحيط يرضعون من ثدي أمهاتهم لبنا مرا، ويسمعون في بيوتهم ومن آبائهم وأهليهم زفراتهم وآهاتهم وحسراتهم وتحطم أحلامهم، ويخرجون إلى واقعهم فإذا هم يشاهدون الذل والقهر، والبطالة والفقر، فأدركوا ضرورة التغيير والتحرير الذي كان حلم آبائهم!
لقد أصدرت ملايين البيوت العربية في ديوانياتها وصالوناتها وغرفها المغلقة من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي حكم الإعدام على حكوماتها، وسمع الشباب من آبائهم وأهليهم وذويهم هذا الحكم على الواقع العربي وعلى الأنظمة الإجرامية، وبقي تنفيذ الحكم، فأضمره الشباب في قلوبهم، فلا تسمع إلا حرارة زفراتهم، وغيظهم المكنون في صدورهم وصدور آبائهم قبلهم، فقد تلقوا الأمر من أمتهم، حتى إذا حانت ساعة الصفر، ودق البوعزيزي ناقوسها وأضرم نارها، فإذا الملايين من الشباب يهرعون إلى الساحات والميادين لينفذوا حكم الإعدام في الأنظمة الخائنة، فكانت (الثورة العربية الخلاقة)، وما زالت الثورة في بدايتها، وما زالت المهمة لم تستكمل) انتهى المقال!!
ولم تنته الأسطورة بعد، فما زلنا مع قصة الثورة العربية، فللحديث بقية!