(الثورة
العربية والأزمة الشيعية)
الجزء
الأول
بقلم
د. حاكم المطيري
30 /12 /2011م
يواجه
التشيع السياسي أزمة عميقة غير مسبوقة في تاريخه المعاصر، وهي أزمة لها ارتباط
وثيق بالجذور الفكرية والنفسية للتشيع كعقيدة وتاريخ، فرض على الطائفة الشيعية
الإمامية عزلة شعورية عن الأمة قرونا طويلة، كما عبر عن ذلك أحمد الكاتب في
(التشيع السياسي ص 232) تحت عنوان (التعبئة النفسية العامة) (كان الإعلام الإمامي
يعالج الشيعة نفسيا ويحاول تحصينهم من الإعلام المضاد الموجه إليهم، وتحاول الروايات
معالجة الشعور بالوحشة والأقلية والمقاطعة من المجتمع وعدم الاعتناء بذلك)!
وقد
ازدادت تلك الأزمة عمقا بعد سقوط بغداد تحت الاحتلال المغولي سنة 656 هـ واحتفاء
بعض زعماء ومراجع الشيعة الإمامية به كابن العلقمي والحلي والطوسي، واتهام الأمة
لهم بالتآمر مع العدو الغازي، حيث كان نصير الدين الطوسي مستشارا لهولاكو!
ثم بلغت العزلة النفسية الوجدانية الشعورية
أوجها لدى الإمامية بعد قيام الدولة الصفوية في إيران سنة 905 هـ، حيث تطورت
العزلة كما يقول علي شريعتي في (التشيع الصفوي ص 142): (لتشمل مساحات أخرى هي في الأساس
مما يتفق عليه المسلمون كالتوحيد والنبوة والمعاد، حيث صار الشيعي الصفوي ينظر إلى
الثوابت من زاوية ومنظار خاص به، ويعتقد بها على نحو مختلف بالنسبة لسائر أهل
الإسلام)!
وها
هي تعود من جديد تلك العزلة الشعورية والسياسية التي سبق أن حذر منها مفكرون شيعة قبل
قيام الثورة الإيرانية كخطيب الثورة ومنظرها علي شريعتي في كتابه (التشيع العلوي
والتشيع الصفوي)، كما حذر منها أيضا مراجع دينيون سابقون كالسيد موسى الموسوي في
كتابه (الشيعة والتشيع)، ومحمد حسين فضل الله الذي حذر الشيعة من التورط بمشروع
احتلال العراق والتعاون مع المحتل الأمريكي، وقبله شمس الدين الذي حذر من انعزال
الشيعة العرب عن شعوبهم وأمتهم، وكذا تصدى لها مراجع حاليون كالسيد علي الأمين
الذي له موقف رافض لولاية الفقيه ونظرية الإمامة السياسية لدى الشيعة الإمامية
وارتباطهم بإيران سياسيا على حساب أمتهم وأوطانهم، وغير هؤلاء كثير في داخل إيران
وخارجها أدركوا عمق الأزمة التي يعاني منها الفكر الشيعي الإمامي على مستوى الوعي
لذاته وتاريخه وتصوراته العقائدية والسياسية التي أدت إلى أزمة معاصرة كانت عبأ
ثقيلا وشرا وبيلا على الطائفة الشيعية قبل غيرها على المستوى النفسي والفكري،
والتي تساوي بوطأتها وثقلها حجم نجاح المشروع الصفوي على المستوي السياسي والعسكري!
لقد
كان من تجليات هذه الأزمة داخل إيران الانتفاضة الشعبية الإيرانية الثانية بعد
انتخاب نجاد للرئاسة الثانية، والتي قادها الاصلاحيون وعلى رأسهم خاتمي ..الخ، تلك
الانتفاضة التي كادت تسقط النظام لولا القمع الأمني الذي تعرضت له، ولم تكن
انتفاضة سياسية ولا صرعا بين فريقين سياسيين كما يتوهم كثيرون، بل هو صراع حقيقي
عقائدي أيديولوجي يصل إلى حد رفض نظرية النص على الإمامة، ونسف نظرية الوصي من
الأساس، وإبطال نظرية ولاية الفقيه! والتي حام حولها خاتمي في بعض كتبه، وصرح بها
أحمد الكاتب في مؤلفاته (التشيع السياسي والتشيع الديني) وكتابه (نظرية ولاية
الفقيه)، وقد باتت تلك الرؤى الإصلاحية تجد رواجا كبيرا لدى النخب الفكرية
والمراجع الدينية خاصة الإصلاحية في إيران، التي تحاول تحرير الفكر الإمامي من هذه
الشرنقة التي تقوقع فيها منذ قرون، وما زالت إيران تعيش مخاضا عسيرا لن يهدأ حتى يسقط
نظرية ولاية الفقيه ومشروعها السياسي في إيران وخارجه!
وقد
كنت على تواصل دائم مع الحركة الإصلاحية في إيران منذ سنة 2000م، حيث كان بعض
كتابها يزورنا بشكل دوري لإطلاعنا على حقيقة ما يجري على الساحة الثقافية
الإيرانية من صراع فكري بين الفكر الإصلاحي الذي يؤمن بنظرية الشورى في الإسلام
وعدم صحة نظرية النص والوصي، والفكر المحافظ الذي يؤمن بولاية الفقيه استنادا على
عقيدة الولي الغائب!
وقد
سألتهم كيف لم يصل تأثيركم الفكري للشيعة في الخليج والعراق؟
فأجابوا
بأن الشيعة في الخليج والعراق أقلية، وهم يتبعون أكثرية الشيعة في إيران، وفي حال
نجح التغيير في إيران فسيمتد أثره في المناطق الأخرى!
كما
كان من تجليات تلك الأزمة خارج إيران الموقف من الاحتلال الأمريكي في أفغانستان
والعراق والتفاهم الأمريكي الإيراني والتعاون بين الاحتلال وحلفاء إيران وأمريكا
في حكم العراق!
وقد
حاولت العقلية الذرائعية أن تبرر ما جرى في العراق بكل الحجج! وكان من الذرائع
الاحتجاج بقسوة النظام العراقي السابق وبجرائم حزب البعث بحق الشيعة في العراق وهو
ما اضطرهم مكرهين للوقوف مع إسقاطه حتى لو كان مع احتلال أجنبي! حتى جاءت الثورة
العربية خاصة السورية فكانت الفاضحة للمشروع الطائفي الصفوي، فقد وقف الصفويون ضد
الثورة الشعبية السورية وتخندقوا مع النظام البعثي الدكتاتوري على نحو غير أخلاقي
ولا إنساني ولا ديني، للمحافظة على مكاسبهم الطائفية على حساب حرية الشعوب العربية
وسيادتها!
لقد
نجح الصفويون الجدد في إيران في تعزيز نفوذهم في الداخل من خلال سيطرتهم على مفاصل
الدولة خاصة الجهاز الأمني والعسكري، وخارج إيران من خلال أذرعته ومؤسساته خاصة
تنظيم حزب الله، ومن خلال احتواء كل التنظيمات السياسية الشيعة خارج إيران وضمها
تحت عباءته خاصة في العراق والخليج، فاختطف المشروع الصفوي الطائفة الشيعية كلها
سياسيا حتى لا يكاد يوجد خارج إيران تنظيم سياسي شيعي مستقل عن نفوذه وتوجيهه كما
اشتكى من ذلك كثير من مراجع الشيعة ومفكريهم!
وقد
صار الصفويون الجدد يستلهمون - من أجل إثبات عقائديتهم الإمامية ولتأكيد تمثيلهم
للطائفة - أشد النظريات الشيعية تطرفا وأكثرها خرافة! حتى صار الرئيس أحمدي نجاد
لا حديث له إلا موضوع المهدي وقرب خروجه، وأن كل ما يقومون به هو لتمهيد ظهوره،
وبلغ الهوس بهم أن أشاعوا اتصالهم بالمهدي! وهو ما يثير المخيال الشعبي الشيعي
الذي تشكل الأسطورة جزءا كبيرا من تصوره الذهني والنفسي! وهو ما دفع المرشد خامنئي
إلى التصدي لهذا الادعاء ونفي أن يكون أحد على اتصال بالمهدي!
لقد
هدم المشروع الصفوي بممارساته السياسية ووقوفه مع النظام الإجرامي في سوريا البعد
الأخلاقي للثورة الحسينية على الظلم، كما جرد بتلك الممارسات التشيع من شعاره
ودثاره الذي طالما تدثر به وهو الثورة على الظلم، والمظلومية الشيعية في مواجهة
الاستبداد، فإذا الدفاع عن بشار الأسد ونظامه بكل جرائمه واستبداده وبعثيته
اللادينية يصبح أولى أولويات المشروع الصفوي، مهما سفك بشار من دماء شعبه، ومهما
ذهب من أبرياء وأطفال ونساء، فكل ذلك مقبول في الخطاب الشيعي الصفوي الجديد!
وإذا
كان كل هذا الهوس الطائفي من أجل بشار وحزب البعث اللاديني في سوريا أمرا مشروعا
دينيا وأخلاقيا فقد انتهت إذا قصة المظلومية الشيعية! وحق للأمة أن تدافع عن وجهة
نظرها في الموقف من الخلافة الأموية والعباسية والعثمانية، التي لم يعرف تاريخها
كله أشد إجراما وكفرا ووحشية مما يجري في سوريا اليوم!
لقد
أدرك المفكرون الإيرانيون خطورة العقلية الصفوية على الوعي الشيعي العام كما يقول
علي شريعتي في كتابه (التشيع الصفوي ص141) عن غاية الدعوة الصفوية (كان الهدف هو
إضفاء طابع مذهبي على الحالة القومية، وبعث القومية الإيرانية تحت ستار التشيع،
وتمت عملية فصل الشعب الإيراني عن جسد الأمة الكبير... ومن هنا نجد أن الشيعي
الصفوي قد يبقى متمسكا بالإسلام إلا إنه في الوقت ذاته يزاول أعمالا من شأنها أن
تقطع جميع أواصر الأخوة مع باقي المسلمين.. وهكذا أوجد التشيع الصفوي مع القومية
الإيرانية حركة جديدة ونجم عنهما (تشيع شعوبي) و(شعوبية شيعية))!
لقد
ظلت النفسية الشيعية تعاني أزمة تاريخية من موقفها من الغزو المغولي للمشرق
الإسلامي، حيث استنفرت الأمة كلها لمواجهته حتى تحطم على أطراف الشام على يد
السلطان قطز في عين جالوت، بينما تحالف بعض أئمة المذهب الإمامي مع هولاكو حين
احتل بغداد كشيخ الطريقة الطوسي والحلي!
وتكررت
الأزمة في تحالف الدولة الصفوية مع دول أوربا لمواجهة الخلافة العثمانية كما عبر
عن ذلك علي شريعتي (في كتابه السابق ص 263) حيث يقول (إن التشيع الصفوي ظهر وتحالف
مع القوى الصليبية والبرجوازية العدوانية في أوربا لضرب القوة الإسلامية الوحيدة
التي كانت تتصدى لهم ولو باسم الإمبراطورية العثمانية البغيضة، وقد كانت الضربة
التي وجهها التشيع الصفوي بمثابة طعنة في الظهر، تجلت على شكل لقاءات مشتركة بين
السلاطين الصفويين وسلاطين أوربا الشرقية تمخضت عن اتفاقيات ومخططات للقضاء على
العدو المشترك للمسيحية الغربية والتشيع الصفوي والمتمثل آنذاك بالدولة
العثمانية)!
ثم
تكررت الأزمة للمرة الثالثة في هذا العصر في وقوف حلفاء طهران - كالمجلس الأعلى
بقيادة الحكيم وذراعه العسكري فيلق بدر، وكحزب الدعوة بقيادة الجعفري والمالكي -
مع الاحتلال الأمريكي للعراق قبل الاحتلال ثم بعد الاحتلال، ثم وقوف المراجع
الشيعية مع حكومة الاحتلال التي كانت تدك بقواتها مدن العراق مع جيش الاحتلال جنبا
إلى جنب، لتستعيد الذاكرة العربية الإسلامية مرة أخرى كارثة احتلال بغداد سنة 656
هـ!
إنها
حركات الارتداد التاريخية للتشيع السياسي الذي لم يسهم طوال تاريخه في حركات الفتح
الإسلامي، بل كان في كل مراحل ظهوره السياسي حركة ارتداد وصراع داخلي، ومظهر من
مظاهر ضعف الأمة وغياب مشروعها الخارجي!
هكذا
كان حال الأمة في القرن الرابع والخامس الهجري حيث كان التشيع السياسي يسيطر على
مساحة جغرافية واسعة ففي المشرق القرامطة والبويهيون، وفي المغرب ومصر الإسماعيليون
العبيديون، وشهدت الأمة خلال هذه الحقبة انحلالا واضطرابا وصراعا داخليا أدى إلى
سيطرة الحملات الصليبية على الشام وتهديد مصر والأندلس، حتى نهضت الأمة من جديد
على يد السلطان نور الدين زنكي ثم السلطان صلاح الدين الأيوبي في المشرق، ويوسف بن
تاشفين والمرابطين في المغرب، حيث تم صد الهجمات الصليبية في المشرق والمغرب في
عصر واحد!
وكذا
الحال بعد قيام الدولة الصفوية في القرن العاشر الهجري في إيران حيث كانت حركة
ارتداد للداخل، ودخلت في حروب إبادة لكل من خالف مذهبها في إيران التي كانت أغلبية
سكانها سنة شافعية وحنفية، ثم اندفعت نحو بغداد للسيطرة عليها، حتى تصدى لهم
العثمانيون الذين كانوا قد فتحوا القسطنطينية وتوجهوا غربا يكملون فتوحهم وسط
أوربا حتى جاءت الضربة لهم من الخلف على يد الدولة الصفوية!
وقد
أعاد المشروع الصفوي - خاصة منذ احتلال بغداد سنة 2003 ، ثم بعد الثورة العربية
سنة 2011- إيران والشيعة من جديد إلى عزلتهم التاريخية الشعورية والذهنية، وازدادت
هذه العزلة بعد الثورة العربية في سوريا، وعمق الصفويون بممارساتهم غير الأخلاقية
العداء ليس بينهم وبين الأمة، بل بين الأمة والشيعة الإمامية كطائفة لا تتحمل
بالضرورة وزر ممارساتهم، وبين الأمة والشعب الإيراني - الذي كان وما زال من أعظم شعوب
العالم الإسلامي أثرا في الحضارة العربية الإسلامية، والذي ضرب بثورته التاريخية
على الشاه سنة 1979م المثل في مواجهة الطغيان السياسي، تلك الثورة التي شارك فيها
السنة في إيران مشاركة رئيسية، كما جاء في دراسة قاسم دراني (علاقات إيران
الداخلية ص 2) حيث يقول (هذه الثورة لم تكن ثورة خمينية ولا ثورة أصحاب العمائم
فقط، بل كانت ثورة شعبية عارمة ضد نظام فاسد وعميل قاد البلاد إلى الهاوية، فقام
الأحرار من جميع الاتجاهات الفكرية والعقدية بمقاومة هذا النظام الفاسد.. وفي
المناطق السنية بدأ العلامة أحمد مفتي زاده حركته الإصلاحية قبل الخميني وسجن عدة
مرات مع الدكتور علي شريعتي.. وبعد الإفراج عن العلامة أحمد مفتي زاده كتب له
الخميني من النجف : أنت تسعى لإسقاط هذا النظام وإيجاد نظام إسلامي، وهذا نفس
الهدف الذي نحن نسعى إليه، فهيا نكون يدا واحدة وصفا واحدا! فوافق العلامة أحمد
مفتي زاده .. بعد أن قطع له الخميني وعدا بأن الثورة ستكون إسلامية لا شيعية ولا
سنية..)!
لقد
اختطف الصفويون الجدد بقيادة الخط النجادي الشعب الإيراني، وصار اليوم يعاني قبل غيره
من تبعات تلك الممارسات داخل إيران وخارجها، وهو ما يجعل من الثورة الشعبية
الإيرانية اليوم وتغيير النظام في إيران ضرورة وطوق نجاة للشعب الإيراني أولا،
وللطائفة الشيعية الإمامية ثانيا، وللأمة ثالثا قبل أن تحل الكارثة بالجميع جراء
سياسات الصفويين الجدد في طهران!
وقد
عبرت عن أزمة إيران مع الثورة العربية بمقالي :
(الثورة العربية والمواقف الإيرانية)
26/ 4/ 2011م
حيث
جاء فيها (كشفت الثورة العربية المعاصرة المشهد السياسي الدولي بكل أبعاده
ومخططاته وتوجهاته في العالم العربي، فالمشروع الاستعماري الغربي يحيك مؤامراته
لوأد الثورة المصرية والتونسية والالتفاف عليها من الداخل قبل نجاح الثورة وبعد
نجاحها بواسطة قوى الثورة المضادة، ومن خلال التحكم في إيقاع الثورة الليبية
وضبطها والسيطرة عليها من الخارج بواسطة مجلس الأمن!
كما
يعمل المشروع الاستعماري الغربي الصليبي اليوم على قطع الطريق على الثورة اليمنية
وتفريغها من أهدافها الثورية من خلال المبادرة الخليجية، فدول الخليج العربي هي
حصان طروادة الذي يستخدمه الغرب الاستعماري لاختراق حصون المنطقة منذ القرن الماضي
إلى اليوم!
كما
إن المشروع الصهيوني الاستيطاني مازال مذهولا من هول الصدمة التي حلت بحليفه الاستراتيجي
نظام حسني مبارك الساقط، مع أنه كان يرصد إرهاصات الثورة منذ خمسة عشر عاما ويحذر
من انفجارها كما صرح بذلك شمعون بيريز رئيس الوزراء الإسرائيلي سابقا في كتابه
(الشرق الأوسط الجديد) حين قال ص 62(إن الأصولية تشق
طريقها سريعا وعميقا في كل بلد عربي في الشرق الأوسط مهددة بذلك السلام الأقليمي
واستقرار حكومات بعينها - الحليفة لإسرائيل - وثمة ضرورة للتصدي لهذا الخطر وإطفاء
نيران التطرف الديني وتبريد رياح الثورة الساخنة)!
لقد
حاول بيريز في كتابه رصد مظاهر الثورة وطرح الحلول لمواجهتها من أجل إقامة شرق
أوسط جديد غير أن الثورة العربية حدثت فجأة، وأسقطت الحكومات التي كان يخشى عليها
بيريز، وذهبت اقتراحاته لتبريدها أدراج الرياح!
وإذا
كانت مواقف كلا من المشروع الغربي الاستعماري ومشروع الاحتلال الصهيوني من الثورة
العربية معروفة سلفا، فقد كانت الضربة قاضية وقاصمة للمشروع الإيراني الصفوي الذي
تظاهر في الوقوف مع الثورة العربية المصرية والتونسية في البداية ليركب الموجة
لترويج مشروعه الطائفي، وخطب أحمدي نجاد بكل صفاقة ليتحدث عن الثورة العربية
المصرية وأنها امتداد للثورة الإيرانية وأنها مقدمة لظهور المهدي! غير أنه وفجأة قلب
ظهر المجن للثورة العربية السورية والعراقية، ووقف ضدها وحرض عليها واتهمها بأنها
مؤامرة خارجية، لا لشيء إلا لأن مصالحه في المنطقة التي اتخذت من العرب ورقة
للمساومة والابتزاز تعرضت للخطر!
ولم
ير أحمدي نجاد في تحرر العراق وشعبه من الاحتلال، وتحرر سوريا وشعبها من
الاستبداد، تمهيدا لخروج المهدي بل تأخير لظهوره، فكان لا بد من الوقوف ضدهما،
فنجاد هو الوكيل الحصري عن المهدي، والأعلم بما يصلح لخروجه وما لا يصلح، عجل الله
فرجه!
لقد
كان المشروع الصفوي يحاول فرض نفسه على المنطقة لا كشريك تجمعه مع العرب أخوة
الإسلام وأواصر التاريخ الإسلامي المشترك، بل كبديل عن النفوذ الغربي الاستعماري،
وكوصي على المنطقة حين غاب المشروع العربي الإسلامي، وخلت المنطقة للمشروعين
الصليبي الصهيوني من جهة، والصفوي الطائفي من جهة أخرى، يتصارعان تارة، ويتفاهمان
تارة، في غياب كامل لمشروع الأمة الذي سقط منذ سقوط الخلافة العثمانية في الحرب
العالمية الأولى!
إن
وقوف حكومة أحمدي نجاد ضد الشعب السوري وثورته السلمية الشعبية، وضد الشعب العراقي
وثورته على الاحتلال وحكومة الاحتلال الطائفية، وما يشاع من أخبار عن دعم إيراني
ودعم من حزب الله لمواجهة ثورة الشعب السوري، كل ذلك يفضح ازدواجية معايير السياسة
الإيرانية في المنطقة العربية، وأنها لا تقوم على أساس قيمي أخلاقي بل على أساس
مصلحي طائفي، وأن حكومة إيران نجاد حين تقف هنا أو هناك فهي تراعي مصالحها القومية
والطائفية قبل أن تراعي المصالح الإستراتيجية للأمة وللعالم الإسلامي!
إن
من حق حكومة نجاد أن تدافع عن وجودها وعن مصالح الشعب الإيراني المشروعة، إلا أنه
لا يحق لها تحت أي ذريعة أن تتجاوز حدودها لتجعل من العالم العربي أحجارا على رقعة
الشطرنج تتفاهم مع الغرب الاستعماري من أجل خدمة مشروعها القومي والطائفي، ومشروعه
الاستعماري، على حساب مصالح العرب وحريتهم واستقلالهم!
لقد
أصبحت إيران اليوم بقيادة الخط النجادي المتطرف ليس جارا مشاكسا أو مزعجا لشعوب
العالم العربي، بل أصبحت وبعد موقفها السلبي من ثورة الشعب السوري وثورة الشعب
العراقي عدوا يقف وجها لوجه أمام تطلع العرب نحو الحرية والعدل والتحرر من
الاستبداد الداخلي والاحتلال الخارجي!
لقد كان لإيران عذر حين كانت تناكف وتشاكس
الحكومات العربية بدعوى أنها دول خاضعة للنفوذ الاستعماري الغربي، وأن الحكومات
العربية لا تمثل شعوبها - وهو الواقع فعلا - وقد تصبح أداة لتهديد إيران، غير إن
إيران اليوم لا تواجه الدول العربية العميلة للغرب، بل تواجه ثورات عربية شعبية
تتطلع للحرية والاستقلال والكرامة!
لقد
خسرت إيران ومنذ احتلال العراق تعاطف العالم العربي الشعبي حين تورطت في دعم حكومة
الاحتلال وميليشياتها وجرائمها ضد الشعب العراقي وضد المقاومة، وحين تحالفت مع
الاحتلال الأمريكي وتعاونت معه من أجل تثبيت مشروعه في العراق لأسباب قومية
إيرانية وأخرى طائفية!
أما
اليوم فتجاوز الأمر فقدان التعاطف إلى العداء المباشر مع شعوب العالم العربي التي
بدأت تدرك بأن إيران نجاد تمارس التقية السياسية في تعاطيها مع قضايا الأمة، فهي
حين كانت تدافع عن مشروعية المقاومة اللبنانية ومن يدعمها فليس لأنها مقاومة ضد
احتلال أجنبي، بل لكونها قوى طائفية تؤمن بمشروع ولاية الفقيه ومشروعية مد نفوذه
الصفوي على المنطقة العربية تحت شعار تحرير القدس!
وكذا
حين تقف مع المظاهرات البحرينية فهو لذات السبب، غير أن المشروع الصفوي انكشف
وانفضح حين وقف بالأمس ضد المقاومة العراقية للاحتلال الأمريكي، وحين يقف اليوم ضد
الثورة السلمية الشعبية في سوريا والعراق!
إن مشكلة الثورة العربية والعرب ليست مع إيران
كدولة، ولا مع الشعب الإيراني، ولا مع القومية الفارسية التي هي من أعظم القوميات
في تاريخ الإسلام، ولا مع المذهب الشيعي كمكون ثقافي وديني موجود منذ وجدت الطوائف
والمذاهب في الإسلام، فالفرس ومنذ دخولهم الإسلام وهم يحملونه ويخدمونه كما حمله
العرب وخدموه، ولم تخرج إيران من الإسلام منذ أن دخلت فيه، ولم تعد إلى المجوسية
من جديد ولن تعود إليها، بل المشكلة اليوم هي بين العرب والثورة العربية بقيمها
الإنسانية ومبادئها الإسلامية العالمية التي تؤمن بالإصلاح والحرية والعدل
والمساواة لا تفرق بين الأمة ومكوناتها على اختلاف طوائفها وقومياتها، والمشروع
السياسي الصفوي الطائفي الذي أخرج إيران منذ أربعة قرون من عالمها الإسلامي الأممي
وفضائه الرحب، إلى عالم طائفي خاص انعزلت إيران بسببه عن الأمة سياسيا وفكريا
وشعوريا ووجدانيا، وهو المشروع الذي يقوده المحافظون الجدد في إيران اليوم ليجعلوا
الشعب الإيراني كقومية في مواجهة العالم العربي، والشيعة كطائفة في مواجهة العالم
الإسلامي، لتزداد الهوة بين القوميتين العظيمتين العرب والفرس، وبين الطائفتين
السنة والشيعة، لا لشيء إلا لمغامرات سياسية وهوس ديني يسيطر على خيال الخط
المحافظ في إيران ظنا منهم أنهم يمهدون الطريق لخروج المهدي من السرداب القابع في
سامراء، لتضطر الأمة بدلا من السكوت عن هذه الأسطورة الدينية الخرافية إلى
مواجهتها وتفنيدها، لأنها لم تعد عقيدة دينية خاصة بطائفة أو بالمحافظين الجدد، بل
مشروعا سياسيا وعسكريا يراد فرضه على الأمة وعلى العرب من خلال مد نفوذهم والسيطرة
على العالم العربي ولو بالحروب والدماء، وبالتحالف مع الاحتلال الغربي الصليبي
لتحرير وتطهير مراقد الأئمة بزعمهم، وتأمين خروج المهدي من سردابه، وإقامة دولتهم
المزعومة!
إن
حكومة أحمدي نجاد بهوسها الديني تقود إيران كقومية، والشيعة كطائفة نحو مصير
مجهول، كما قاد بوش الابن بهوسه الديني الولايات المتحدة نحو الهاوية التي ما زالت
تهوي بها أمريكا منذ ورطها في حرب أفغانستان والعراق وإلى اليوم!
لقد
اختطفت إيران بمشروعها الصفوي الشيعة كطائفة بعجمهم وعربهم، لتتخذهم أذرعا لمد
نفوذها السياسي، ليعيش الشيعة أزمة هوية بين الانتماء للأمة بفضائها الرحب، وإيران
الطائفية بعالمها الخاص الضيق!
لقد
وقف العرب جميعا مع ثورة الشعب الإيراني التاريخية ضد الشاه، وخرجت المظاهرات في
العواصم العربية مؤيدة للثورة الإيرانية الإسلامية، ولم يجد العرب غضاضة في دعم
إخوانهم الإيرانيين وثورتهم، كما لم يجد السنة غضاضة في الوقوف مع الثورة
الإيرانية سواء السنة داخل إيران أو خارجها غير أن الثورة انحرفت عن مشروعها
الإسلامي الأممي، لتتحول إلى مشروع طائفي وذلك بالنص في الدستور الإيراني لا على
الإسلام فقط بل على المذهب الجعفري الأثنى عشري، حيث اختزل الشعب الإيراني كله
بقومياته ومذاهبه وطوائفه لصالح طائفة واحدة، وليصادر عليه حقه في الثورة التي
شارك فيها الجميع، فإذا هو أمام مشروع طائفي صفوي غارق في مشكلات التاريخ وفي
الماضي وأحقاده وثاراته التي عبرت عن نفسها في المواقف السياسية الإيرانية تجاه
الثورة الشعبية في العراق وسوريا!
إن
مشكلة المشروع الصفوي أنه يتحدث باسم الإسلام من منظور طائفي، في الوقت الذي لا
يعبر هذا المشروع عن الإسلام لا على الصعيد الديمغرافي السكاني حيث لا يعترف
المسلمون السنة الذين يمثلون تسعين بالمئة من الأمة بهذا التمثيل المزعوم للإسلام،
بل ولا يعترف به حتى الشيعة غير الجعفرية أيضا!
ولا
يعبر هذا المشروع عن الإسلام على الصعيد التاريخي حيث يعيش المشروع الصفوي مشكلة
مع الإسلام التاريخي منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حتى قيام الدولة الصفوية
في إيران، فلا يرى في تاريخ الأمة المجيد كله مدة ألف وأربعمائة عام وفتوحاته
وإنجازاته السياسية والحضارية تاريخا له، بل هو في نظره ظلمات بعضها فوق بعض حتى
قامت الدولة الصفوية وجددتها الثورة الخمينية وأكملتها الحكومة الطائفية العميلة
للاحتلال الأمريكي التي جاءت على ظهر الدبابة الصليبية الغربية لتحرير العراق
ومراقد الأئمة الأطهار!
وكذلك لا يعبر المشروع الصفوي عن الإسلام على
صعيده العلمي والمعرفي ومصادره التشريعية، حيث يرتكز المشروع الصفوي الطائفي على
موروث نصي أسطوري خرافي، لا يعترف به المسلمون على اختلاف طوائفهم بما في ذلك
الشيعة الزيدية بل وكثير من الشيعة الجعفرية وحركاتهم الإصلاحية التي ترفض هذا
الموروث بروياته وأكاذيبه وأباطيله التي تفرق ولا تجمع، وتخفض ولا ترفع، وتنشر
العداوة والضغينة والبغضاء بين المسلمين تحت ذريعة حب آل البيت!
ولا
على الصعيد الشعوري والنفسي فهناك حاجز بين الأمة وهذا المشروع الصفوي أدى إلى
حالة من الاستقطاب الحاد ضده، حتى اصطفت الأمة مكرهة خلف حكوماتها العلمانية
العميلة للغرب خشية من سقوطها تحت نفوذ هذا المشروع الخرافي الدموي الذي عبر عن
حقده وطائفيته في العراق وسوريا!
لقد
خسرت إيران - وكذا خسرت قوى المقاومة في لبنان وفلسطين - تعاطفا شعبيا عربيا كبيرا
حين وقفت ضد الثورة السورية الشعبية السلمية التي تتطلع إلى الحرية والعدل
والمساواة كقيم إنسانية تنشدها كل المجتمعات، ولن يشفع لتلك القوى ادعاؤها
المقاومة، كما لن يشفع للحكومة السورية مواقفها القومية الخارجية المشرفة، إذا
كانت على حساب حقوق الشعب السوري وحريته وكرامته ومصالحه الداخلية!
كما
على حكومة إيران أن تكف شرها عن العرب وثورتهم، وتدعهم وشأنهم، وأن لا تورط الشعب
الإيراني في مواجهة مع إخوانه العرب، فما زال أمام الجميع فرصة لصناعة مستقبل أفضل
للعرب والفرس، وتحقيق نهضة كبرى للعالم الإسلامي من جديد، كما فعلوا مدة ألف سنة
من تاريخ الإسلام، بعيدا عن الهوس الديني الطائفي والمشروع الصفوي!
إن
الدماء الطاهرة التي تسيل في درعا وقرى ريف دمشق لن تذهب سدى، ولن تهدأ الثورة
مهما مورس عليها من قمع وعنف، وما زال أمام الحكومة السورية فرصة لتدارك الموقف،
بإطلاق الحريات العامة، والاستجابة لصوت الشعب، لتظل سوريا قلعة للعرب وصمودهم
ومقاومتهم من جهة كما تقتضيه مصلحة الأمة الخارجية، ووطنا للحرية والعدل والكرامة
من جهة أخرى، كما تستوجبه مصلحة الشعب السوري الداخلية!
فعذرا
يا دمشق أيتها الفاتنة التي ما زلت كما أنت عبق التاريخ، وشذى الجنة، وناقوس
المجد، ورباط الإسلام، وأرض العرب والعروبة منذ كانوا وكنت!
وعذرا
أيها الشعب العربي السوري العظيم! فلله در ثورتك كم أدهشت من يتابعها فهي في
هدوئها كجريان نهر بردى، وفي عصيانها كنهر العاصي!!
وعذرا
للدماء الطاهرة التي تسيل على أرض الشام المباركة بلا ذنب إلا لأنها تنشد الحرية
والعدل والكرامة!
وعذرا
أيها الشباب الثائر الطاهر فمهما أساء الآخرون لكم فالأمة كلها معكم، وكل القلوب
تهفو إليكم، والألسن تهتف لكم، وتصلي من أجلكم!
وعذرا
أيها العرب الأحرار الثوار إذا كانت عواصم العرب مشغولة عنكم فكلها في الهم شام
ويمن وشرق وغرب!
سلام من صبا بردى أرق
ودمع لا يكفكف يا دمشق
ومعذرة اليراعة والقوافي
جلال الرزء عن وصف يدق) انتهى المقال..
وما
زلنا مع أسطورة الثورة العربية فللحديث بقية!