بقلم د0 حاكم المطيري
Ommah 2000@yahoo.com
(الاحتلال البريطاني الأول للرياض والسيطرة على نجد والإحساء سنة 1870م)
لقد كان أول اختراق بريطاني للجزيرة العربية هو ذلك الدعم الذي لقيه سعود بن فيصل بن تركي آل سعود من حكومة الهند البريطانية ليستولي على الرياض، وقد واكب افتتاح قناة السويس - الذي زاد من أهمية البحرين وساحل عمان -صراع بين عبد الله بن فيصل بن تركي، وأخيه سعود بن فيصل على الحكم في الرياض، وبلغ الصراع ذروته سنة 1870م وقد (كان أكثر من صراع بين شخصين، كان صراعا بين عقليتين، سكان الحضر وأهل البادية، بين المتطرفين الوهابيين، وبين المعتدلين الذين يرفضون تعاليمها، وكان كل من الأخوين يمثل إحدى الفئتين) على حد قول جون كيلي[1].
وهذا هو رأي كيلي إلا أن الحقيقة هو أن الصراع كان بسبب خروج سعود المدعوم بريطانيا، على أخيه عبد الله الذي كان قائمقاما عثمانيا.
وقد كانت بريطانيا وراء هذه الفتنة بين عبد الله وسعود للسيطرة على نجد كما جاء في مذكرات والي بغداد مدحت باشا حيث قال:(كان عبد الله الفيصل معتدلا لم يعاكس الدولة العلية - الخلافة العثمانية - أما سعود فكان يسعى لاستلام الإمارة، ولذا فإنه توجه إلى الهند للاستعانة بالإنجليز، وألب العشائر وحثهم على شق عصا الطاعة في وجه أخيه، وبعد حروب طويلة انتصر عليه، وكان الإنجليز يعاونون الأمير سعود بالمال والعدة، وكانت البلاد القريبة من نجد قد دخلت تحت حمايتهم، وإذا حكم الأمير سعود النجديين أدخل البلاد تحت حماية انجلترا وصارت صاحبة الطول والحول في العراق)[2].
ولم يدرك علماء الوهابية في نجد آنذاك طبيعة الصراع الدائر بين الأخوين عبد الله وسعود، ولم يدركوا أبعاد تدخل الإنجليز لصالح سعود، ولهذا صدرت الفتاوى بتجريم عبد الله لأنه استعان بالدولة العثمانية، وحكم بعضهم بردته، وأوجبوا السمع والطاعة لأخيه سعود المدعوم بريطانيا!
فقد جاء في فتوى عبد اللطيف آل الشيخ (وقد عرفتم حالنا في أول هذه الفتنة، وفيها الجزم بإمامة عبد الله ولزوم بيعته، والتصريح بأن راية أخيه راية جاهلية عمية، فلما صدر من عبد الله ما صدر من جلب الدولة - أي العثمانية - إلى البلاد الإسلامية والجزيرة العربية، وإعطائهم الحسا والقطيف والخط، تبرأنا مما تبرأ الله منه ورسوله...وقد تغلب سعود على جميع البلاد النجدية، وبايعه الجمهور، وسموه باسم الإمامة .. وقد نزل العدو - أي عبد الله وجيوش الدولة العثمانية التي جاءت لنصرته - بأطرافكم، واستخف الشيطان أكثر الناس وزين لهم الموالاة واللحاق بالمشركين، وإسناد أمر الرئاسة لهم، وأنهم ولاة أمر يعزلون ويولون، وينصرون وينصبون...وقد أجمع المسلمون على جهاد عدوهم مع الإمام سعود)[3].
وهذا يرجح أن شيوخ الدعوة الوهابية الثانية في نجد لم يكن لديهم علم بأنه منذ قيام الإمارة السعودية الثانية كانت تابعة للخلافة العثمانية، بترتيب مصري مع تركي بن عبد الله، ثم ولده فيصل بن تركي، ثم عبد الله بن فيصل!
كما لم يكن لديهم علم بأن سعود بن فيصل كان مدعوما من حكومة الهند البريطانية، ففي الوقت الذي وقفوا ضد عبد الله لأنه جاء بالترك، لم يعلموا بأن أخاه سعودا قد جاء بالإنجليز!
إن تبعية الإمارة الوهابية الأولى نفسها للخلافة العثمانية أمر مؤكد بمراسلات الشيخ محمد بن عبد الوهاب نفسه لشريف مكة وتأكيده السمع والطاعة له، كما إن تبعية تركي ثم ابنه فيصل ثم عبد الله الذين كانوا يرسلون الزكاة للأستانة أمر معلوم، كما جاء في رسالة الشريف عون شريف مكة للبريطانيين (أعرفكم بخصوص فيصل بن تركي بن سعود، بأن هذا من رعايا السلطان العثماني، وغير خاف عليكم أن هناك بعض القلاع التي تخصه في عمان، وهو يدفع لخزينة السلطان 17000ريال، وأملي فيكم أن لا تتخذوا ضده أي إجراء).[4]
وبعيد جدا أن يتم إرسال الزكاة من الرياض للأستانة دون أن يشتهر الخبر ويعلم الجميع به، فلا تفسير لفتوى الشيخ عبد اللطيف إلا أنها صدرت تحت ضغط الواقع السياسي، بعد أن استولى سعود على السلطة في الرياض!
وقد أرسل والي بغداد إلى الباب العالي في الأستانة(اسطنبول) رسالة بتاريخ 12شوال سنة 1283هـ ـ 1866م، يخبر فيها بأنه أرسل موظفا من ولاية الحجاز إلى قائمقام نجد عبد الله بن فيصل بن تركي التابع لولاية بغداد، للحصول على الرسوم السنوية، إلا أن الموظف لم يستطع الوصول بسبب انعدام الأمن بسبب الصراع بين الأخوين عبد الله وسعود، وتفيد الرسالة بأن عبد الله بن فيصل سبق أن طلب من والي الحجاز بعد وفاة والده فيصل سنة 1865م أن يعين قائمقام نجد، وقد بعث الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) بالسيرة الذاتية الكاملة لعبد الله بن فيصل للسلطان العثماني، وأن أمرا سلطانيا قد صدر من الأستانة بجعل عبد الله قائمقاما مكان أبيه في نجد، وتم إبلاغه به في شهر محرم 1284 - 1866م، كما تم إبلاغه بأن يتحلى بالحكمة في معالجة مشاكل الإقليم، حيث أن الدولة العثمانية تواجه مخاطر خارجية تقتضي الهدوء والاستقرار الداخلي، كما تأمره بالتعاون مع والي الحجاز لمواجهة قائمقامية عسير متى ما قررت الدولة العثمانية ذلك[5].
وقد بعث عبد الله بن فيصل سنة 1866م إلى والي بغداد نامق باشا يطلب نجدته لمواجهة تمرد أخيه سعود، فتردد نامق باشا في مساعدته، ثم أرسل عبد الله مرة ثانية يطلب المساعدة من الوالي الجديد أحمد مدحت باشا، الذي أعد تقريرا للأستانة يشرح فيه خلفيات الصراع بين الأخوين، ويؤكد فيه طلب سعود من إمام مسقط المدعوم من الإنجليز مساعدته، وكذا تدخل بريطانيا عن طريق شيخ البحرين لتقديم الدعم لسعود ليصل إلى السلطة، وقد حذر مدحت باشا من خطورة نجاح بريطانيا في مخططها بدعم سعود، إذا سيفتح الطريق لها للتدخل في شئون المنطقة، وأكد مدحت باشا بمذكرة ثانية كتبها للصدر الأعظم بناء على تقرير وصله من قائمقام الكويت عبد الله الصباح يؤكد فيه أن سعودا وإمام مسقط قد أعدا قوة أكبر من قوة عبد الله بن فيصل بدعم بريطاني، حيث صاحبها قيام ست قطع بحرية بريطانية بالتجوال في سواحل الأحساء[6].
وقد أكد مدحت باشا في مذكراته التي أرسلها للأستانة بأن المخطط البريطاني يهدف بعد السيطرة على عمان ثم البحرين السيطرة على الأحساء وفصلها عن نجد على يد سعود، ثم السيطرة على الكويت، لتكتمل السيطرة البريطانية على سواحل الخليج العربي[7].
كما جاء في برقية مرسلة من ولاية بغداد إلى الأستانة في 21 ذي القعدة سنة 1286هـ ـ 1869م تأكيد تدخل بريطانيا في عمان وهيمنتها عليها، وخلعها لشيخي البحرين محمد بن خليفة ومحمد بن عبد الله بعد رفضهما التبعية لبريطانيا، ونفيهما إلى بومبي، وتنصيب عيسى بن علي بن خليفة شيخا للبحرين، وتدخل بريطانيا لدعم سعود بن فيصل في صراعه مع أخيه عبد الله لبسط نفوذ بريطانيا على نجد كلها[8].
وقد جاء في تقرير مكتوب بتاريخ 28 ذي الحجة سنة 1286هـ ـ 1869م، موجه من مدحت باشا والي بغداد إلى الصدر الأعظم في اسطنبول:(إن عدم حيوية الوجود العثماني في البحر أتاح المجال للنفوذ البريطاني المدعوم من حكومة الهند البريطانية، وإحاطتهم بالجزيرة العربية من عدن مرورا بمسقط التي يحاولون إلحاقها الآن بعدن، وعملهم في ترسيخ نفوذهم في البحرين والنفوذ منها إلى داخل الجزيرة العربية، كما أتاح لفارس التي لا تملك مقومات القدرة والقوة أن تنفذ إلى البحرين وتدعي أحقية مزعومة في إدارة شئونها، ولن يفيد الهيمنة العثمانية إلا الأسطول البحري الحربي). [9]
وقد استفسر الصدر الأعظم في اسطنبول عن طبيعة الدعم البريطاني لسعود بن فيصل الذي نجح في السيطرة على الأحساء ثم الرياض، فأجابه مدحت باشا بأن الدعم البريطاني السري يشمل الأموال والأسلحة.[10]
وقد صدرت التعليمات من الباب العالي في اسطنبول إلى والي بغداد بأنه (يجب عدم السماح لانفصال البحرين ومسقط بأي صورة من الصور عن المنطقة - الجزيرة العربية - التي ينظر إليها بوصفها منطقة حيوية للدولة العثمانية، لاسيما أن شيخ البحرين كان ملتزما بدفع الضرائب لأمير نجد، أي التابع للدولة العثمانية)[11].
وقد راسل سعود بن فيصل - بعد أن وصله خبر تحركات الدولة العثمانية - المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي، يطلعه على الوضع العام، فوعده المقيم البريطاني بعرض الموضوع على حكومته[12].
الحملة العثمانية لحماية الخليج والجزيرة العربية سنة 1871م:
لقد كان عبد الله بن فيصل - كما يقول كيلي - يمثل التيار المحافظ، بينما سعود يمثل التيار المتحرر، وقد نجح سعود بدعم حكومة الهند البريطانية في انتزاع الحكم من أخيه عبد الله - بعد أن كسب ولاء القبائل التي بايعته في الإحساء، وسار بها إلى الرياض، وكان الدعم البريطاني يتواصل إليه من البحرين - وفر عبد الله إلى والي بغداد مدحت باشا ليساعده في استرجاع السلطة، وكتب مدحت باشا إلى اسطنبول التي وافقت على تجهيز جيش لمساعدة عبد الله لكونه قائمقاما وواليا على نجد من قبل الخليفة العثماني، وقد حاولت بريطانيا التدخل لمنع الحملة العسكرية على نجد خشية تهديد النفوذ البحري البريطاني في الخليج العربي، خاصة وأن بين الدولة العثمانية وبريطانيا تحالفا وصداقة وثيقة، وقد أكد مدحت باشا في رده على التخوف البريطاني بأنه لا مصلحة للباب العالي في دعم عبد الله المعروف بوهابيته الشديدة، وأنه كان يفضل دعم سعود لتحرره من تعاليم الوهابية غير أن الإجراءات تقتضي الوقوف مع عبد الله لكونه قائممقام نجد بشكل رسمي، وأن الحملة العسكرية ستكون داخل الجزيرة العربية وفي نجد التي لا نزاع على كونها تحت السيادة العثمانية، وليس هناك أطماع بحرية، وأن استخدام موانئ الإحساء كان بسبب قربها من مسرح العمليات ولا بد من استخدامها، وقد تحركت القوات العثمانية من البصرة إلى الإحساء بحرا في إبريل سنة 1871م، كما تم نقل مؤن الجيش العثماني بسفن الكويت، التي كانت نقطة تجمع القبائل للتوجه برا نحو الإحساء، (وتوجه مع الجنود جماعة من أهالي الكويت التابعين لولاية البصرة كمتطوعين للإعانة على نقل مرافق الجيش ومؤنه) كما جاء في مذكرات والي بغداد مدحت باشا[13].
وقد صار إقليم الأحساء ونجد كله تابعا لولاية بغداد ثم لولاية البصرة كما سيأتي بيانه.
وقد طلب حلفاء بريطانيا سعود بن فيصل وعيسى بن خليفة من المقيم السياسي البريطاني التدخل للحيلولة دون استخدام الدولة العثمانية للبحر في حربها هذه، غير أن وزير الشؤون الخارجية لحكومة الهند البريطانية أدرك أن حججه القانونية في التدخل ضعيفة، إذ أن أي تدخل بريطاني يعد غزوا لأرض أجنبية تحت سيادة الدولة العثمانية، كما أن المعاهدات التي عقدتها بريطانيا مع قبائل الساحل محدودة جدا، إذ هي فقط لمنع الاعتداءات البحرية بين القبائل بعضها على بعض، وأنه لا يمكن أن تخضع الإجراءات البريطانية في البحر للسياسات العربية في البر(إذ أن ذلك يجر بريطانيا إلى المشاكل الداخلية للقبائل العربية الذين قد لا نعرفهم ولا نتفهم ظروفهم)، وهذا اعتراف بريطاني بعدم وجود دويلات أو إمارات في المنطقة إلى سنة 1871م بل قبائل تابعة للخلافة العثمانية.
وهكذا نجحت الخلافة العثمانية من بسط نفوذها على الجزيرة العربية مرة أخرى، والتأكيد على حقها في بسط سيادتها على أقاليمها التابعة لها، وقد حاول السفير البريطاني في الأستانة الاستفسار من رئيس الوزراء العثماني عن أهداف الحملة، فرد عليه بأن تركيا دولة مستقلة لها الحق في ممارسة شؤونها كما تشاء، وأنه لا شك في تبعية عبد الله بن فيصل للخلافة العثمانية، فقد تم تعيينه بمرسوم وفرمان سلطاني، كقائممقام في نجد، التي هي جزء لا يتجزأ من أقاليم الدولة العثمانية، وأن للخليفة العثماني حق فرض سلطته، باعتباره خليفة المسلمين، ولا يمكن أن يسمح للقبائل وصغار الزعماء بتهديد مكة، والمدينة، وأمن الدولة العثمانية، أما بالنسبة للكويت التي اتخذها الجيش العثماني نقطة انطلاق فقد أدرك البريطانيون أنه لا يحق لهم اتخاذ أي إجراء بخصوصها، ولا التدخل في موضوعها، لأنها بلا شك -كما يقول كيلي - ضمن المناطق الخاضعة للسيادة العثمانية، إذ أن والي بغداد قد اعترف بعبد الله بن صباح كقائممقام في الكويت بفرمان سلطاني، تم تسليمه بشكل رسمي إلى عبد الله في يناير 1867م[14].
وعندما سيطرت الدولة العثمانية على الساحل الشرقي من الخليج العربي، لم تكن الكويت قد وجدت بعد، ثم بعد أن ظهرت كميناء صغير لم تكن ذات أهمية، وقد كانت تدفع الزكاة لوالي بغداد، العثماني في العشرينات من القرن الثامن عشر.[15]
وهكذا ثبت صحة ما توصل إليه الخبراء القانونيون البريطانيون آنذاك من أن الوجود البريطاني في الخليج إنما يقوم على أسس اعتبارية لا قانونية، كالسراب يصور الماء حيث لا ماء، فهو على أحسن الفروض غزو بحري، وأن المعاهدات مع شيوخ قبائل الساحل هي لكف الاعتداءات فيما بين الموقعين على المعاهدات فقط، ولا حماية بريطانية لهم تجاه الدول الأخرى، وأن الحملة العثمانية إنما هي حملة لدولة تريد دفع تمرد على أراض تدعيها، فلا يمكن والحال هذه أن تتدخل بريطانيا في الموضوع[16].
وقد صدرت تعليمات من والي بغداد مدحت باشا إلى قائد الحملة نافذ باشا تحدد مهمة الحملة، وتؤكد وجوب تطمين الأهالي في الإقليم وعدم التعرض لأحد منهم، ووجوب نشر العدل بينهم، ومعاملتهم بالشفقة، وعدم التعدي عليهم، وشراء احتياجات الجنود، وعدم قبول الهدايا منهم، وتعيين قضاة في الأحساء، والقصيم، والرياض، من علماء أهل كل بلد، من أتباع المذهب الحنبلي، وجعل عبد الله بن فيصل متصرف على لواء يضم هذه الأقاليم، فإن خيف منه، فيترك قائمقاما على الرياض فقط، ويجعل على البلدان الأخرى قائمقاميات.[17]
وقد استعان الجيش العثماني بقبيلة عنزة والمنتفق والظفير، كما وقفت قبيلة العجمان مع سعود بن فيصل، ووقف أكثر أهل نجد مع أخيه عبد الله، وقد استنجد قاسم بن ثاني بقبيلة بني هاجر للقدوم للبدع للوقوف مع الحملة العثمانية، كما راسل شيخ قبيلة النعيم راشد بن جبر، وكذا كتب برسالة إلى عبد الرحمن بن أحمد الأشقر من شيوخ آل مرة، يشرح لهما تطور ما جرى من أحداث في قطر، وقد أرسل عبد الله بن فيصل برسالة يؤكد فيها سيطرته ثانية على الوضع في نجد، ودخول الجميع في طاعة السلطان والخليفة عبد العزيز العثماني (وأن نجد وتوابعها تعد الآن من أخلص المخلصين للسلطان وكافة سكانها مطيعون له)[18].
وقد تحركت القوات العثمانية ووصلت إلى الكويت في مايو سنة 1870م، فاستقبلت استقبالا حافلا من الأهالي، وقد خرج قائمقام الكويت عبد الله الصباح بثمانين مركبا في خدمة الجيش العثماني، وخرج معها من البر مبارك الصباح مع قوات من فرسان قبيلة عنزة بقيادة عبد المحسن الهذال، وقبيلة المنتفق بقيادة منصور السعدون، وقد تأخر وصول مبارك للأحساء واعتذر بقيام قبيلة مطير التي ما زالت تؤيد سعود بقطع الطريق على قواته، مما اضطره إلى العودة إلى الكويت لاصطحاب مزيدا من القوة، كما قطعت قبيلة مطير الطريق على ابن هذال ومن معه من عنزة وأخذت خيلهم وجمالهم.[19]
وبعد سيطرة الجيش العثماني على الدمام والقطيف وإطلاق سراح محمد بن فيصل بن سعود الذي سجنه أخوه سعود في قلعة الدمام، فر عبد العزيز بن سعود بن فيصل وعبد الله بن ثنيان بن سعود إلى قطر ثم إلى البحرين، وأخبر عبد العزيز بأن والده سعود في الصبيحية - قرب الكويت - تتوافد عليه القبائل السبع الرئيسية في نجد لمناصرته، وقد راسل أهل البحرين نافذ باشا يؤكدون له تبعيتهم للدولة العثمانية، وخشيتهم من عيسى بن خليفة، وقد أرسل عبد الله الصباح رسائله إلى شيخ البحرين، وإلى قاسم بن ثاني، وناصر بن مبارك للقدوم على نافذ باشا وتقديم فروض الطاعة، حتى لا يفقدوا مكانتهم وسلطتهم[20].
وقد نزل الجيش العثماني بالإحساء في إبريل سنة 1871م، وسيطر عليها، وقام قائد الفرقة حافظ باشا بقراءة البيان على أهل القطيف وقال فيه:
(إن نجد وملحقاتها كلها جزء من الخلافة العثمانية، كالعراق، واليمن، ومصر، وبما أن سعود قد أطاح بالحكم، وبالقائممقام الشرعي الأمير عبد الله، فقد اضطرت الحكومة العثمانية إرسال هذه الحملة).
ثم توجه الجيش العثماني، وعبد الله بن فيصل مع قواته إلى الرياض، وتعرضوا لخسائر في المواجهة مع قوات سعود من القبائل، وقد أبدى سعود استعداده ليصبح قائممقاما عثمانيا، وأن يدفع الزكاة للباب العالي، وقد نجح الجيش العثماني في توسيع سيطرته على الساحل إلى قطر، وتم رفع العلم العثماني عليها، بعد أن أرسل القائد العثماني نافذ باشا عبد الله الصباح، ليطلب من محمد بن ثاني رفع العلم العثماني، وقد أكد مدحت باشا للبريطانيين - بعد أن استفسروا عن هذه الخطوة - أنه لا يوجد ما يمنع من أن تكون قطر في نطاق تحرك الحملة، وقد بدأت السفن العثمانية العسكرية تجوب البحر في المنطقة ما بين المكلا، وحضرموت، والبصرة.[21]
وقد طلب والي بغداد مدحت باشا من الصدر الأعظم تكريم عبد الله بن صباح وأخويه محمد ومبارك على خدمتهما في الحملة العسكرية، وتم منحهما نياشين عثمانية.[22]
وقد قام والي بغداد مدحت باشا بعد ذلك، في أغسطس سنة 1871م، بتحديد مناطق توابع نجد، فذكر عشر مناطق منها البحرين، والشارقة، وأبوظبي، ودبي، مما أثار القلق في أوساط حكومة الهند البريطانية في بومبي، وقد كتب المسئولون فيها للحاكم العام رسالة كما يلي: (إن أمير الرياض يستلم الزكاة السنوية من مسقط، كما أنه لا يكف عن المطالبة بالسيادة على البحرين، وساحل قطر، وأبوظبي، وإذا قدر لعبد الله بن فيصل أن يسترد نجد بمساعدة القوات التركية في نجد، فلا شك بأنه سيعود لفرض سيطرته على هذه المناطق، وسيصبح تدخل الأتراك في شئون القبائل الساحلية في هذه المناطق أمرا نافذا)، وقد اعترفت حكومة الهند بأنها عاجزة عن مقاومة المد العثماني، كما اعترفت بأن تلك المناطق كانت تدفع الزكاة لنجد، ولا يهم بريطانيا ما يحدث على البر مادامت لا تأثر على سيادتها في البحر.[23]
وقد تم وضع الإحساء تحت السيادة العثمانية المباشرة، كما تم تعيين جاسم بن ثاني قائمقاما عثمانيا على قطر، وبعد عدة أشهر ثار أهل الرياض على سعود بقيادة عمه عبد الله بن تركي، وفر سعود من الرياض، وأرسل عبد الله رسالة إلى نافذ باشا، وإلى ابن أخيه عبد الله بن فيصل، الذي عينه نافذ باشا واليا على نجد حتى يصل إليها عبد الله، وأرسل إليه بالعتاد والمؤن، كما تم إرسال قوات عثمانية إلى قطر للمرابطة فيها لحفظ الأمن والاستقرار، وقد استمر الصراع في الرياض بين عبد الله بن فيصل وأخيه سعود مدة دون حسم، ورأى نافذ باشا أن آل سعود لم يعودوا صالحين لحكم الرياض، بعد أن ضج الناس من صراعهم على السلطة، واضطربت أوضاع نجد، وقد سلم فريق باشا سنة 1873م إقليم الإحساء إلى براك بن عريعر شيخ بني خالد، ووضع فرقة جندرمة للدفاع عن نجد والإحساء في شرق الجزيرة العربية، كما تم في الوقت نفسه إتمام السيطرة العثمانية على مناطق عسير، ولحج، والجهة الغربية من الجزيرة العربية.[24]
وقد حاولت بريطانيا الاعتراض على هذه الحملة أيضا، فكان رد السفير العثماني في لندن صريحا وواضحا، حيث أكد:(بأنه لا حق للحكومة البريطانية في التدخل بين السلطان ورعاياه، في شبه الجزيرة العربية بما في ذلك لحج، وبأن اليمن وغيرها من المناطق في شبه الجزيرة العربية تخضع للخلافة العثمانية منذ قرون بحكم فتح الأتراك لها، وبحكم سيادتها الشرعية عليها، وبأنه من البديهي أن مسألة شبه الجزيرة العربية قضية حساسة باعتبارها جزء لا يتجزأ من العالم الإسلامي، وأن هذه المنطقة وحكامها بلا استثناء متفقون على حق الخلفاء العثمانيين بحكم هذه المنطقة).[25]
وفي سنة 1874م قدم بعض آل خليفة المنفيين عن البحرين عريضة للخليفة العثماني يؤكدون الولاء له، ويطالبونه برد حقوقهم التي انتهكتها السلطات البريطانية، حيث صادرت ممتلكاتهم، وأنها نفت حاكم البحرين السابق محمد بن خليفة، وحاكم الدمام محمد بن عبد الله إلى الهند[26].
وفي شهر أغسطس 8 سنة 1874م أفرج والي بغداد عن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي، الذي كان قد احتجز في بغداد منذ سنة 1872م، كضمان لحسن سير أخيه سعود في الرياض، وبعد خروجه اتصل بقبائل الإحساء من العجمان والمرة التي كانت على الاستعداد للثورة على ابن عريعر، وقد قام عبد الرحمن ومعه تلك القبائل بالهجوم على الهفوف، فأصدر الوالي في بغداد رديف باشا أمره إلى ناصر السعدون متصرف لواء البصرة وشيخ المنتفق باتخاذ الإجراء اللازم للقضاء على التمرد، فقام بإعداد جيش كبير، وتحرك من ميناء البصرة للإحساء، وفر عبد الرحمن - الذي كان هدفه أن يتم تعيينه واليا على الإحساء بدلا من ابن عريعر - وتوجه إلى الرياض بعد أن تخلت عنه القبائل، وعين ناصر السعدون ابنه على الإحساء[27].
وقد قام الشيخ ناصر السعدون عام 1875م، بإعادة صرح بناء الإدارة العثمانية في المنطقة، وعاد إلى البصرة، وتكونت ولاية البصرة التي ضمت إليها الإحساء، وأصبح أول حاكم لهذه الولاية المستحدثة، التي تمتد من البصرة إلى الإحساء، مرورا بالكويت، وأصبحت المنطقة تابعة تبعية كاملة للدولة العثمانية[28].
وقد أكدت الدولة العثمانية سيادتها على المنطقة، وعلى حقها في استخدام الخليج العربي وموانئه، لبسط سيطرتها على داخل الجزيرة العربية، دون أن تستطيع بريطانيا الحيلولة دون ذلك.
وقد خشيت بريطانيا أن تكون هناك أيضا خطة للهجوم بعد ذلك على البحرين، فحذر السفير البريطاني في اسطنبول من خطورة الإقدام على ذلك، مؤكدا في الوقت ذاته أنه ليس لبريطانيا سيادة على البحرين، إلا أنها مصممة على حمايتها بموجب المعاهدة التي بين الطرفين سنة 1861م، خاصة أن البحرين يفصلها عن الجزيرة العربية البحر الذي تحرص بريطانيا على تأمين مصالحها فيه.[29]
لقد نجحت الدولة العثمانية في إحكام سيطرتها على الجزيرة العربية وحمايتها من جديد، وسمحت لرجلها القوي في شمال نجد ابن رشيد أمير حايل بالسيطرة على الرياض، وضبط الأوضاع فيها، بعد صراع آل سعود فيما بينهم، وتم تحقيق ذلك، وبذلك فشلت بريطانيا في اختراق نجد بدعمها لسعود بن فيصل عن طريق مسقط والبحرين ليحتل الرياض، وأحبطت الدولة العثمانية ووالي بغداد مدحت باشا هذه المؤامرة، غير أن بريطانيا ستعيد الكرة مرة أخرى بعد ثلاثين سنة، ليس عن طريق مسقط والبحرين، بل عن طريق الكويت البوابة الرئيسية لنجد!
وما زالت إشكالية الحرية وأزمة الهوية في الخليج والجزيرة العربية، فللحديث بقية!
[1] بريطانيا والخليج لجون كيلي 2/581 .
[2] مذكرات مدحت باشا 240 .وانظر إلى حدة ذكاء الوالي العثماني! فما كان يخشاه مدحت باشا من سقوط نجد تحت النفوذ البريطاني تحقق بعد ثلاثين سنة من توقعاته!
[3] مجموعة الرسائل النجدية 3/170-174 .
[4] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/686 .
[5] الحملة العسكرية العثمانية على الأحساء ص 20 من وثائق الأرشيف العثماني.
[6] الحملة العسكرية العثمانية على الأحساء ص 22 من وثائق الأرشيف العثماني.
[7] الحملة العسكرية العثمانية على الأحساء ص 22 من وثائق الأرشيف العثماني.
[8] الحملة العسكرية العثمانية على الأحساء ص 50 من وثائق الأرشيف العثماني.
[9] الحملة العسكرية العثمانية على الأحساء ص 25 من وثائق الأرشيف العثماني.
[10] الحملة العسكرية العثمانية على الأحساء ص 30 من وثائق الأرشيف العثماني.
[11] الحملة العسكرية العثمانية على الأحساء ص 32 من وثائق الأرشيف العثماني.
[12] الحملة العسكرية العثمانية على الأحساء ص 35 .
[13] مذكرات مدحت باشا 243 .
[14] بريطانيا والخليج لجون كيلي 2/582-597 ، ومذكرات مدحت باشا 240-243، وسياسة الأمن لحكومة الهند في الخليج 213-217 .
[15] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 58-59 .
[16] سياسة الأمن 214-215 .
[17] الحملة العسكرية العثمانية على الأحساء ص 61-65 من وثائق الأرشيف العثماني.
[18] الحملة العسكرية العثمانية على الأحساء ص 66-69 من وثائق الأرشيف العثماني.
[19] الحملة العسكرية العثمانية على الأحساء ص 72 نقلا من وثائق الأرشيف العثماني وجريدة الزوراء البغدادية.
[20] الحملة العسكرية العثمانية على الأحساء ص 77-81 من وثائق الأرشيف العثماني.
[21] بريطانيا والخليج لجون كيلي 2/600-606، ومذكرات مدحت باشا 246-249، وسياسة الأمن 218-221.
[22] الحملة العسكرية العثمانية على الأحساء ص 83 من وثائق الأرشيف العثماني.
[23] بريطانيا والخليج لجون كيلي 2/602-603، وسياسة الأمن 218-219 .
[24] بريطانيا والخليج لجون كيلي 2/612-623 .
[25] بريطانيا والخليج لجون كيلي 2/646-647 .
[26] بريطانيا والخليج لجون كيلي 2/649 .
[27] بريطانيا والخليج لجون كيلي 2/653-654 .
[28] سياسة الأمن 229 .
[29] بريطانيا والخليج لجون كيلي 2/655-656 .