بقلم د. حاكم المطيري
(مشروع حكومة الهند البريطانية للسيطرة على الجزيرة العربية)
وقد قامت الدولة الوهابية مرة ثانية ـ بعد ست سنوات من السيطرة المصرية العثمانية على نجد ـ على يد تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود، سنة 1240هـ 1824م، بعد أن خرج من سجنه في مصر ـ بترتيب من القيادة المصرية ليضبط لها نجد ـ وخاض حروبا داخلية من سنة 1820 إلى 1824م، حيث استقر له الأمر، واتخذ الرياض عاصمة له بدل الدرعية، ولم تتجاوز سلطته حدود نجد، ودخل في حروب مع شيوخ بني خالد محمد وماجد العريعر، من أجل السيطرة على الإحساء، حيث نجح هو وابنه فيصل في احتلال الهفوف عاصمة الإحساء في ربيع سنة 1830م، وبدأ النفوذ الوهابي يعود مرة أخرى لسواحل الخليج العربي، غير أن تركي آل سعود كان أقل حماسا لنشر الدعوة الوهابية، وأحرص على الحكم منه على الدين (على العكس من الزعماء الوهابيين السابقين، الذين كان حماسهم ـ كما يرى كيلي ـ لنشر العقيدة الوهابية أكثر من حماسهم للحكم)!
وقد أرسل تركي بن سعود للحكومة الهندية البريطانية في بومبي رسالة يؤكد فيها رغبته في إقامة علاقة ودية معها.[1]
وقد دعا تركي بن سعود بعد السيطرة على الإحساء عبد الله بن خليفة شيخ البحرين إلى الاعتراف بسلطته ودفع الزكاة له، وهي أربعين ألف ريال نمساوي، وقد قام عبد الله بتنفيذ ما طلبه منه تركي، بعد أن سأل البريطانيين مساعدته فآثروا عدم التدخل، وتم عقد اتفاق بينه وبين تركي اعترف بموجبه بالسلطة العليا للرياض على البحرين، وبدفع الزكاة السنوية، مقابل ضمان الرياض لسيادة شيخ البحرين، كما أبدى السيد سعيد سلطان عمان سنة 1831م موافقته على الدخول تحت سلطة تركي، بعد أن سيطرت قوات أمير الإحساء الوهابي عمر بن عفيصان على البريمي ـ المدخل الإستراتيجي لعمان ـ بشرط السماح له باحتلال البحرين، فرفض تركي هذا الشرط، كما جاءت وفود من شيوخ القبائل العمانية إلى الإحساء للدخول في الطاعة للدولة الجديدة، وعلى رأسهم راشد بن حمد شيخ عجمان، وبعدها تحرك ابن عفيصان بجيشه إلى عمان وسواحله، لفرض سلطة الدولة الوهابية الجديدة، وأخذ الزكاة من القبائل، فاستجاب شيخ أبوظبي، وبدأ ابن عفيصان الضغط على مسقط، وأخيرا استسلم السلطان سعيد، والتزم بدفع الزكاة السنوية للرياض، بعد أن طلب مساعدة البريطانيين الذين نصحوه بالتفاهم مع تركي، غير أنها تفاجأت بالاستسلام الكامل من سعيد.[2]
وقد كان سبب ضعفه تخلي القبائل عنه، بعد افتقاده لصفة الإمامة التي تم التخلي عنها في عمان من قبل آل بو سعيد، حيث أصبح الحكم بالوراثة، وهو ما يصطدم بالعقيدة الإباضية لقبائل عمان الداخلية، التي تراه بالانتخاب، وهو ما يفتقده السلطان سعيد، مما أضعف قوته أمام جيوش ابن عفيصان.[3]
وقد أدركت بريطانيا خطورة سيطرة الوهابيين على عمان، وتهديدهم مصالحها في الهند، ورأت ضرورة تحذير تركي من الاعتداء على أراضي السيد سعيد، وطلبت من محمد علي والي مصر الضغط على تركي ليكف عن سعيد، إذا كان تركي خاضعا فعلا للسلطة المصرية، كما أنها كانت تخشى من التدخل في شئون البر، والتورط في مشاكل لا حصر لها، كما حصل من قبل[4].
وفي سنة 1834م كان نفوذ تركي بن سعود قد بلغ أقصى مداه حيث سيطر على نجد، والإحساء، وشرق الخليج العربي، والجنوب الشرقي منه، ولم يكن خضوع بعض شيوخ الساحل للدولة الوهابية رغبة بقدر ما هو خشية من مواطنيهم، الذين اعتنقوا الدعوة الوهابية، وفي هذه السنة اغتيل تركي في شهر مايو، وهو في المسجد، على يد ابن عمه مشاري، ونجح ولده فيصل بن تركي الذي كان يقود الجيوش في الإحساء، في العودة سرا، ودخول الرياض، وقتل مشاري، وتم اختياره مكان أبيه[5].
حيلولة بريطانيا دون قيام أي وحدة عربية أو إسلامية في المنطقة :
لقد بدأت حكومة الهند تناقش موضوع مشروع محمد علي الرامي إلى السيطرة على الشام، والعراق، والجزيرة العربية، وخطورة ذلك، ومدى تأثيره على الدولة العثمانية، التي تمثل سدا أمام أطماع روسيا في المنطقة، خاصة الهند البريطانية، ومدى إمكانية الاستفادة من قيام محمد علي بتحقيق مشروعه، غير أن هنري أليس وصل في تقريره لبحث هذا الموضوع إلى:
(إنه ليس من مصلحة الدولة الأوربية الحاكمة في الهند أن تقوم على أرض الفرات دولة إسلامية قوية، إذ أن من المحتمل أن تتحد مع روسيا، كما قد تتحد مع فارس لمقاومة الأطماع الروسية، كما أن أي دولة تنشأ هنا سيمتد نفوذها بلا شك إلى جميع أقطار الجزيرة العربية، وقد تصبح في وقت قصير دولة بحرية هامة، إن منطقة أسيا الوسطى بأسرها يمكن اعتبارها منطقة إسلامية، وأنها تشكل حلفا إسلاميا هدفه طرد الدولة المسيحية، ولو توحدت كل ممالك الخليفة الإسلامي في دولة واحدة قوية، يتزعمها حاكم طموح، فإنها ستصبح خطرا على المصالح الأوربية، وعلى الرغم من أن الفرس ينتمون إلى المذهب الشيعي، وبقية السكان في الأقطار الأخرى التي يضمها هذا الحلف من المذهب السني، فإن هناك إحساسا دينيا مشتركا بينها يدفعها إلى الاتحاد مع بعضها في تلك المهمة المقدسة)!
ومن ثم رأى صرف النظر عن دعم مشروع محمد علي إذ أن دولة تضم مصر، والشام، والعراق، ستكون على حساب الوجود البريطاني في الهند[6].
وقد ذهب مسئولون بريطانيون آخرون إلى أن مشروع محمد علي يهدف إلى إقامة دولة تضم كل الأقطار التي يتحدث سكانها اللغة العربية، دون خروج عن الخلافة العثمانية، فلا ضرر على بريطانيا من قيام مثل هذه المملكة العربية[7].
وقد أمر محمد علي سنة 1836م خالد بن سعود ـ بعد أن أفرج عنه ـ بقيادة جيش والتوجه إلى الرياض، ليتولى الأمر فيها، بدلا من ابن عمه فيصل بن تركي، وقد أمر محمد علي والي المدينة إسماعيل باشا بتزويد خالد بالقوات لتنفيذ مهمته، فعرض فيصل على محمد علي أن يكون واليا على نجد تابعا له، فرفض محمد علي هذا العرض، ونجح خالد في السيطرة على الرياض سنة 1837م، وفر فيصل إلى الإحساء، وفي سنة 1838م تحرك الجيش المصري في نجد بقيادة خورشيد باشا، ومعه جيش خالد بن سعود وانطلقوا من الرياض نحو الإحساء، وقد طلب خورشيد باشا من شيخي الكويت والبحرين الخاضعين للسيادة العثمانية بتقديم الدعم لقواته عند وصولها إلى الإحساء، وفي آخر سنة 1838م تمت السيطرة المصرية على الإحساء، وتم أسر فيصل بن تركي، وإرساله لمصر، حيث حبس هناك[8].
وقد جرى بين قنصل بريطانيا ومحمد علي تباحث حول الأوضاع في الخليج العربي، فذكر محمد علي أن الهدف من تحركات جيوشه في الجزيرة العربية (حماية مكة والمدينة، وبأن البحرين كالكويت، ولاية من ولايات نجد، وأنها كانت تدفع الزكاة إلى ابن سعود لسنوات عديدة)[9].
كما سبق أن أكد محمد علي للقنصل البريطاني (بأن نجد كلها قد أصبحت خاضعة له، وبأن شبه الجزيرة العربية من مكة إلى المدينة، ثم إلى سواحل الخليج العربي قد أصبحت تحت نفوذه)[10].
كما حاول البريطانيون استخدام نفوذهم للحيلولة دون سيطرة خورشيد على البحرين، غير أنها باعترافهم كانت (واقعة فعلا تحت سيطرته)[11].
وفي الوقت الذي كانت بريطانيا تضغط على محمد علي بخصوص البحرين، كان خورشيد قد وقع اتفاقية مع عبد الله بن حمد بن خليفة بتاريخ 7/5/1839م، اعترفت البحرين بموجبها بالسيادة المصرية العثمانية، والتزمت بدفع الزكاة السنوية، وقدرها 3000ريال نمساوي، وتقديم كل ما يطلبه الوالي من مساعدات، وبهذا صارت البحرين تحت السيادة الرسمية والفعلية لمصر العثمانية، كولاية تابعة لنجد والجزيرة العربية، التي أصبحت من البحر الأحمر إلى الخليج العربي تحت سيادتها[12].
وكذا امتد نفوذ خورشيد باشا ليشمل ساحل عمان، حيث كان سعد بن مطلق المطيري قد قدم بقواته إلى الشارقة، كنائب لخالد بن سعود، وبتكليف من خورشيد باشا، وكممثل له[13].
كما أرسل سعد بن مطلق المطيري إلى السيد سعيد سلطان مسقط، يطلب منه دفع الزكاة السنوية للرياض التابعة لسلطة خورشيد باشا[14].
وقد نجح القائد خورشيد في بسط نفوذه الكامل، وتأمين الاستقرار في المنطقة، كما جاء وصفه في التقارير البريطانية بأنه(قائد موهوب، لأن جميع السكان العرب على امتداد المنطقة من شواطئ البحر الأحمر إلى سواحل الخليج العربي إلى البحرين متحدون ومنضبطون تحت حكم هذا الباشا، لدرجة أنهم يقومون بأنفسهم بحراسة المراكز العسكرية، وإبقاء الاتصالات مفتوحة مع مصر)[15].
وفي سنة 1840م أمر محمد علي خورشيد باشا بسحب قواته من وسط الجزيرة العربية(نجد)، وشرقها(الإحساء)، وواكب ذلك ثورة القبائل في هذه المناطق على خورشيد باشا، وذلك بعد تمرد محمد علي على الخلافة العثمانية، ثم هزيمتة بعد ذلك سنة 1840م، وتراجع محمد علي عن مشروعه في إقامة دولة عربية موحدة، حيث أصبحت الجزيرة العربية تتبع الباب العالي العثماني مباشرة، بحسب المعاهدة التي بينه وبين الخلافة العثمانية.
وفي سنة 1841م اعترف خالد بن سعود بالتبعية للباب العالي مباشرة بعد أن كان تابعا لمصر، وتم تعيينه واليا على نجد[16].
وفي سنة 1843م أفرجت مصر عن فيصل بن تركي، وعاد إلى الرياض، وأصبح واليا على نجد تابعا للباب العالي، حيث شرع في دفع الزكاة لشريف مكة محمد بن عون، الذي كان يتبع الأستانة مباشرة[17].
وقد امتد نفوذ فيصل ليشمل في سنة 1845م نجدا، والإحساء، وساحل عمان، وقد أرسل مبعوثا إلى المقيم البريطاني يؤكد له استئناف حكمه في المنطقة، وقد التزمت بريطانيا عدم التدخل في شئون الجزيرة العربية بعد انسحاب الجيش المصري منها، وقد أرسل فيصل إلى البريمي سعد بن مطلق المطيري نائبا عنه، الذي خرج بقواته إليها، واستقبلته القبائل الغفارية فيها بحماس شديد.[18]
وقد أعرب شيوخ ساحل عمان عن ولائهم لسعد بن مطلق، كما أرسل سعد إلى السيد ثويني بن سعيد والي مسقط ـ وكان والده السلطان سعيد في زنجبار ـ وإلى ابن أخيه حمود بن عزان والي صحار، يطلب منهما دفع الزكاة السنوية، فتم دفعها له، بعد أن أدركوا عدم قدرتهم على مواجهته، وبعد رفض بريطانيا التدخل في شئون الجزيرة العربية الداخلية، كما قرر حمود بن عزان وبتأييد من القبائل تولي الحكم في مسقط بعد أن ضاق علماء الدين، وضاقت القبائل ذرعا بإهمال سعيد لشئون عمان، وأيضا(بسبب علاقته بالأجانب والنصارى)[19].
وقد خشيت حكومة الهند البريطانية على مصالحها في الخليج، فحذرت فيصل بن تركي من تعريض الأمن في الخليج للخطر، فكتب أمير مكة الشريف عون ـ بطلب من فيصل ـ كتابا إلى المندوب البريطاني في بوشهر جاء فيه :
(أعرفكم بخصوص فيصل بن سعود، بأن هذا من رعايا السلطان العثماني، وغير خاف عليكم أن هناك بعض القلاع التي تخصه في عمان، وهو يدفع لخزينة السلطان 17000ريال، وأملي فيكم أن لا تتخذوا ضده أي إجراء).[20]
وقد أكدت بريطانيا أنها لا تتدخل فيما يحدث في داخل الجزيرة العربية على البر، لأنه ليس لها عليه سيادة، ما لم تصل المشاكل إلى البحر، وتعرض مصالحها التجارية للخطر، كما امتد نفوذ فيصل ليشمل قطر، والبحرين، كتوابع للإحساء، حيث دفعتا الزكاة له سنة 1850م، وفي سنة 1849م، صدر قرار عثماني من الباب العالي بفصل ولاية البصرة عن بغداد، وإلحاق إقليم الإحساء والساحل الغربي من الخليج العربي بولاية البصرة[21].
وفي سنة 1850م طلب فيصل من محمد الخليفة دفع الزكاة السنوية، وقد قام مواطنو الدوحة في قطر التابعة للبحرين بالانتفاضة عليه، وإعلان ولائهم لفيصل بن تركي، مما حدا محمد الخليفة بطلب التدخل البريطاني، وقد أرسل فيصل مبعوثه إلى المقيم البريطاني ليبلغه بأنه (حائر من الاتجاه المعاكس الذي تسير فيه السياسة البريطانية تجاهه في الآونة الأخيرة، فعلى حين كانت الحكومة البريطانية تحترم أسس التفاهم القائمة بينها وبينه، والتي تقوم على أساس عدم التدخل في علاقاته بسكان الساحل الغربي، فإنها قامت في الفترة الأخيرة بمنع رعاياه في رأس الخيمة ودبي من تقديم المساعدة البحرية إليه لإخضاع رعاياه المتمردين في البحرين)، وقد رد عليه المقيم البريطاني، بأن بريطانيا لا تعترف بسيادته على البحرين وقبائل ساحل عمان(التي كانت ولا تزال تعتبرها وتعاملها كدولة مستقلة).[22]
وفي سنة 1853م توجه عبد الله بن فيصل بن تركي من الرياض بجيش إلى البريمي التي سيطر عليها، وطلب حضور شيوخ الساحل إليه، كما طلب من ثويني إرجاع صحار إلى قيس بن عزان، ودفع متأخرات الزكاة، وجميع تكاليف الحملة، وقد حاول المقيم البريطاني الحيلولة دون حضور الشيوخ إليه، غير أن عبد الله كتب إليه بأنهم (مرتبطون بنا ومحسوبون علينا)!
وأخيرا وقعت مسقط اتفاقا مع عبد الله بن فيصل بن تركي، التزمت مسقط بموجبه بدفع الزكاة المتأخرة، والمستحقة عن مسقط وصحار[23].
وفي الوقت الذي كانت بريطانيا ترفض وجود أي نفوذ أجنبي في الخليج العربي، إلا إنها لم تستطع الحد من النفوذ الوهابي التابع للخلافة العثمانية، لأنه واقع على داخل الجزيرة العربية من جهة البر، لا خارجها من جهة البحر، الذي هو محط اهتمامها[24].
وقد حاولت بريطانيا فرض وجودها البحري على مجريات الأحداث داخل البر، والحد من نفوذ فيصل بن تركي الذي يتبع الخلافة العثمانية، وحاولت تذكيره بالاتفاقيات التي بينها وبين قبائل الساحل فرد عليها برسالة سنة 1855م جاء فيها:(بخصوص الاتفاقيات المعقودة بين شيوخ ساحل عمان والمقيم البريطاني إننا نعلم بذلك، وبأن الغرض منه منع المخالفات، وإني أوافق على هذه لتدابير موافقة تامة، لأنه يوجد بيننا وبين الحكومة البريطانية تفاهم مدته مائة عام، وذلك بقصد حماية التجار، والمسافرين في البحار، وإن سواحل عمان والمناطق التابعة لها هي على أية حال تابعة لشبه الجزيرة العربية التي نحكمها، وإن أهلها يدينون بالولاء لنا، وإن أهل المقاطعات الداخلية من عمان وفي قلب مواطن القبائل البدوية أقوى من الجميع، وهم يتحكمون في سكان الساحل، ويعتدون عليهم، وتعلمون أني عينت نائبا في عمان تحت تصرفه قوة عسكرية مهمته أن يمنع الاعتداءات والأضرار، وإن هؤلاء يتمتعون بحماية النائب المذكور، ووجوده هناك هو مرضاة لله ثم لأمير المؤمنين، وبما أنني تابع لحكومة تركيا (الدولة العثمانية) فإني أحمل تفويضا من السلطان بحكم جميع العرب نيابة عنه، نسأل الله أن يديم حكمهم ومجدهم).[25]
ومع إن سياسة بريطانيا كانت تقوم على أساس تعزيز استقلال قبائل الساحل ـ لأنها (ستكون الدولة الخاسرة فيما لو انهار استقلال الدويلات الساحلية) [26]ـ ومع ذلك لم تستطع بريطانيا الحيلولة دون دفع البحرين الزكاة لفيصل بن تركي الذي كان يقوم بدفعها إلى الباب العالي (فقد كانت السلطات البريطانية في الخليج تتحاشى الزج بنفسها في هذا الموضوع ) على حد قول كامبل المندوب البريطاني في بوشهر، الذي أكد له فيصل بأن البحرين ومنذ عصور بعيدة هي تابعة له، وتدفع الزكاة السنوية، وقد كتب فيصل إلى كامبل رسالة يؤكد فيها:
(إن ثمة تفاهم بيني وبين الحكومة البريطانية بشأن المناطق التابعة لنجد، والتي تمتد من عمان إلى الكويت، والتي لا يحق لكم ممارسة أي سلطة عليها، أو التدخل في شئونها).[27]
واستقر الوضع على ذلك، واستمر الهدوء إلى أواخر سنة 1859م[28].
وقد كتب المقيم البريطاني الجديد في بوشهر فيلكس جونز تقريرا حول الوضع، يحذر فيه من خطر امتداد النفوذ الوهابي الذي يبسط سيطرة الدولة العثمانية على السواحل والموانئ الخليجية[29].
وبعد أن وقع نزاع في البحرين واضطراب، وحاول جونز منع فيصل من التدخل فيه، رد عليه بقوله:(إنكم تعلمون بأن البحرين تابعة للأمير الوهابي، وأن القوانين التي فيها صادرة عنه، وأن الزكاة هو الذي فرضها، وأن جونز يتدخل فيما لا يعنيه) [30].
ولما أدرك شيخ البحرين محمد بن خليفة عجز المقيم البريطاني، وخطورة الوضع، بادر بإرسال رسالة لوالي بغداد عمر باشا يعرض عليه وضع البحرين تحت سيادة الخليفة العثماني مباشرة، دون واسطة فيصل بن تركي، وقد أرسل والي بغداد مندوبا عنه لترتيب الوضع، وفي إبريل سنة 1860م تم الاتفاق بين والي بغداد الجديد مصطفى باشا ومحمد الخليفة على دفع الزكاة لبغداد، واعتراف البحرين بالتبعية للدولة العثمانية، وتم رفع العلم العثماني[31].
ولم تعترض بريطانيا على ما جرى(فطالما أن ولاء حاكم البحرين أو تبعيته لأي دولة لا يستتبعه احتلال عسكري من جانب تلك الدولة، فإن ذلك لا أهمية له، ويجب تجاهله) على حد قول المعتمد السياسي البريطاني في بغداد رولنسون في رسالته لجونز، إذ أن ما يهم بريطانيا هو حماية البحر من أي قوة قد تشكل خطرا على مصالحها[32].
[1] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/381ـ383 .
[2] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 385-389 .
[3] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 389-390 .
فالقبائل العمانية تؤمن منذ ألف ومائتي عام بحقها في انتخاب الإمام إيمانا منها بمبدأ الشورى الإسلامي، والتي مارسته قرونا طويلة قبل أن يعرف العالم النظم الديمقراطية، غير أنها فقدت هذا الحق بعد الاستعمار البريطاني للمنطقة، وتثبيته للحكم الوراثي، وهو ما يمارسه الاستعمار اليوم الذي يرفع شعار الديمقراطية ويكرس النظم الاستبدادية الوراثية!
[4] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 396-397 .
[5] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/415ـ416 .
[6] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 469-470 .
تأمل مدى خشية الحملات الصليبية والدول الغربية الاستعمارية من الوحدة الإسلامية، وعملها على الحيلولة دون تحالف بين السنة والشيعة في المنطقة، لتدوم لها السيطرة على المنطقة في ظل تناحر طوائفها، وهو ما نجح الاستعمار اليوم باستثماره بتخويف كل طائفة من الأخرى، والوقوف مع هذه تارة، وهذه تارة، وقيام حلفائه بتعزيز روح العداء بين الطوائف، من أجل دوام حكمهم، كما جرى في احتلال العراق!
[7] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/472 .
[8] بريطانيا والخليج لكيلي 1/ 502، و524-530 ، وانظر تحفة المستفيد 145-150.
[9] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 552 .
[10] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 507.
[11] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 555 .
[12] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 556 .
[13] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 546و561 .
[14] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/565 .
[15] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 530 .وفي هذا أوضح دليل على مدى التضليل والزيف الثقافي المعاصر الذي يصور أوضاع الجزيرة العربية بأنها كانت فوضى، ولا وجود لدولة وسلطة، وأن تاريخها ظلمات حتى قامت دويلات الطوائف الصليبية فيها!
[16] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/597 ، وتحفة المستفيد 155.
[17] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 671 ، وسياسة الأمن لحكومة الهند 120 .
[18] وفي هذا أوضح دليل على مدى تطلع قبائل وسكان الخليج العربي إلى الوحدة، التي حال بينهم وبينها الاستعمار وحلفاؤه في المنطقة الذين جعلوا مصالحهم العشائرية الخاصة فوق كل اعتبار!
[19] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 671-679 .
[20] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/686 .
[21] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 692 .
[22] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 693-696 .
تأمل في السياسة الاستعمارية الصليبية في تكريسها للتفرقة، وكيف جعلت من القبائل دولا، ليسهل لها السيطرة عليه والحيلولة دون وحدتها، وهي المشكلة التي ما تزال قائمة إلى اليوم وتنتظر من يحقق طموح شعبها بالوحدة!
[23] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 701-702 .
[24] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 705 .
[25] بريطانيا والخليج لجون كيلي 2/181-182 ، وسياسة الأمن 117-118 .
[26] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 177 .
[27] بريطانيا والخليج لجون كيلي 2/179 .
[28] بريطانيا والخليج لجون كيلي 2/ 186 .
[29] بريطانيا والخليج لجون كيلي 2/193 .وكل هذه المراسلات تكشف مدى الزيف والتضليل في الثقافة المعاصرة التي تتحدث عن استقلال الإمارة الوهابية عن الخلافة العثمانية والدولة الإسلامية، فقد ظلت تابعة لها منذ تأسيسها إلى سقوطها في المرة الأولى ثم المرة الثانية.
[30] بريطانيا والخليج لجون كيلي 2/194 .
[31] بريطانيا والخليج لجون كيلي 2/197-200 .
[32] بريطانيا والخليج لجون كيلي 2/203 .