بقلم د. حاكم المطيري
Ommah 2000@yahoo.com
(دويلات الطوائف وبداية المشروع البريطاني)
ظلت الجزيرة العربية إقليما مهما للخلافة والدولة الإسلامية طول عصورها وعلى اختلاف عواصمها(المدينة - دمشق - بغداد - القاهرة - الأستانة)، إذ لا تثبت شرعية الخلافة والدولة الإسلامية إلا بحماية الحرمين الشريفين في مكة والمدينة، فقد كانت الجزيرة العربية قاعدة الدولة الإسلامية وعاصمتها المدينة في العهد النبوي الشريف 1 ـ 11 هـ، ثم كانت المدينة أيضا عاصمة الخلافة طوال العهد الراشدي 11 ـ 40هـ، ثم انتقلت إلى دمشق في العهد الأموي سنة 40هـ إلى 132هـ، حيث أصبحت بعد ذلك بغداد العاصمة للخلافة العباسية سنة 132هـ طوال العهد العباسي حتى سقوطها على يد التتار سنة 656هـ، ثم أصحبت العاصمة هي القاهرة بعد انتقال الخلافة العباسية إليها تحت سلطان المماليك، إلى أن دخلها سليم الأول العثماني سنة 923هـ، وبايعه الخليفة العباسي، فأصبح أول خليفة مسلم غير عربي وغير قرشي، وانتقلت الخلافة وعاصمة الدولة الإسلامية إلى الأستانة - اسطنبول - وظلت عاصمة للدولة الإسلامية إلى هزيمة الخلافة العثمانية في الحرب العالمية الأولى سنة 1918م، وإلغاء الخلافة بعد ذلك سنة 1923م، واحتلال بريطانيا وفرنسا أقاليم الخلافة العثمانية بما فيها الجزيرة العربية والشام والعراق.
لقد ظلت الجزيرة العربية طوال تلك العصور الإسلامية جزء مهما من أقاليم الدولة الإسلامية لوجود مكة والمدينة، ولم تقم فيها أي دولة مستقلة عن الخلافة، إلا ما كان يقع في أطرافها أحيانا من استقلال ذاتي لبعض الإمارات، لا يتجاوز حدود المنطقة التي قامت فيها، لفترة قصيرة - كالإمارات التي قامت في اليمن وعمان، والتي لا تلبث مدة حتى تعود كجزء تابع للخلافة الإسلامية أو تسقط تحت الاحتلال الأجنبي - كالبرتغالي ثم الهولندي ثم البريطاني كما سيأتي بيانه - كما قامت في شرق الجزيرة العربية وغربها ووسطها إمارات ظلت تابعة للخلافة في بغداد ثم القاهرة ثم الأستانة.
قيام الدويلات المذهبية في الخليج والجزيرة العربية:
وقد شهد الخليج والجزيرة العربية في العصور المتأخرة - تحت نفوذ وسيادة الخلافة العثمانية - قيام ثلاث إمارات في ثلاثة أقاليم رئيسية على ثلاثة أسس دينية وسياسية واجتماعية (المذهب - الإمامة - القبيلة) وهذه الدويلات هي:
1ـ الإمارات الإباضية في عمان :
حيث قامت فيها الدولة اليعربية ثم السعيدية على أساس المذهب الإباضي، وارتكزت على قبائل عمان ونصرتها للدعوة، وقامت السلطة فيها على أساس الإمامة لا الملك، حيث كانت البيعة تعقد للأئمة للقيام بنصرة الدين وتنفيذ أحكامه!
(فالإباضيون - كما يقول المؤرخ كاريستين ينبهور في زيارته لمسقط سنة 1765م - لا يقرون نظرية الحاكم الدائم، وفي رأيهم أن الإمام المنتخب لابد أن يتولى الإمامة عن طريق الانتخاب في كل مرة، ولا يحق لأي أسرة أو طبقة أن تحتكر الحكم لنفسها بالوراثة، ومن حق أي فرد، مهما كانت طبقته أو وضعه الاجتماعي أن يتولى مسئولية الحكم، إذا توافرت فيها الاستقامة الدينية والأخلاقية، ومن واجب المسلمين الصادقين أن يقوموا بإقالة أو إعلان بطلان شرعية أي حاكم لا تتوفر فيه خصائص الإمامة الصحيحة، ومن حق المسلمين خلع إمامهم عن السلطة إذا لمسوا فيه انحرافا أو خروجا على تلك المبادئ، أما عملية الانتخاب فتتم عن طريق مجلس مشترك من زعماء القبائل ورجال الدين).[1]
وهذا أوضح دليل على معرفة شعوب المنطقة وممارستها للحكم الشوري الانتخابي، وحق الأمة في انتخاب السلطة، قبل الثورة الفرنسية ومبادئها، وقبل الاستعمار الصليبي البريطاني الذي فرض على المنطقة الحكم الوراثي ورسخه بحمايته له كما سيأتي تفصيله لكون النظام البريطاني كان ملكيا وراثيا!
2ـ الإمارات الزيدية في اليمن:
وقد قامت فيه دويلات عدة على أساس المذهب الزيدي، وارتكزت على قبائل الجبال في صعدة ونصرتها للدعوة، وقامت السلطة فيها على أساس الإمامة لا الملك، وكان أشهرها دولة الأئمة الزيدية التي قامت سنة 912هـ 1507م على يد الإمام السيد شرف الدين يحيى الزيدي من ذرية يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي، إلى أن سقطت بقيام الجمهورية اليمنية في صنعاء سنة 1962م، وقد نجح العثمانيون في بسط نفوذهم عليها، منذ دخول الجزيرة العربية ومكة والمدينة تحت سيادة الخلافة العثمانية.
3ـ الإمارة الوهابية في نجد:
والتي قامت فيه أول إمامة على أساس الدعوة السلفية والمذهب الحنبلي على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وارتكزت على نصرة القبائل النجدية، وقد كانت السلطة فيها تقوم باسم الإمامة لنصرة الدين والدعوة لا على أساس الملك، ولم تخرج عن التبعية للخلافة العثمانية إلا في فترة قصيرة لم تلبث أن سقطت فيها أمام الجيش العثماني، كما سيأتي.
لقد اشتهر أمراء تلك الدويلات المذهبية التي قامت في عمان واليمن ونجد بالأئمة للدلالة على طبيعة تلك الدويلات، وأنها ذات طابع ديني إذ لا يمكن السيطرة على القبائل العربية، ولا استمالتها لنصرة الدولة إلا باسم الدين والمذهب، لا باسم الملك والسلطان، إذ ترفض هذه القبائل بطبيعتها الخضوع للسلطة إلا إذا كانت تقوم على أساس ديني، غير أن تلك الإمارات ما إن يتحقق لها الأمر حتى تتحول من إمامة - تختارها القبائل وتبايعها على أساس نصر الدين وإقامة أحكامه - إلى ملك وسلطان؟!
وهذا ما أدركه البريطانيون بعد ذلك فقد جاء في تقاريرهم عن القبائل العربية(إن قيمة القبائل هي قيمة دفاعية، ومجالها هو حرب العصابات، إنهم فرديون للغاية، لا يطيقون إصدار الأوامر إليهم، ولا يقاتلون جماعة، ولا يساعد أحدهم الآخر، ويظن أنه يستحيل إنشاء قوة منظمة منهم)[2].
وقد عقد ابن خلدون في مقدمته فصلا عن العرب - أي الأعراب والقبائل في البادية - وبعدهم عن سياسة الملك وأنه لا يحصل لهم ذلك إلا بصبغة دينية فقال:
(العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية، أو أثر عظيم من الدين على الجملة، والسبب في ذلك أنهم لخلق التوحش الذي فيهم، أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض، للغلظة والأنفة، وبعد الهمة، والمنافسة في الرئاسة، فقلما تجتمع أهواؤهم، فإذا كان فيهم النبي أو الولي الذي يبعثهم على القيام بأمر الله، ويؤلف كلمتهم لإظهار الحق، تم اجتماعهم، وحصل لهم التغلب والملك، وهم مع ذلك أسرع الناس لقبول الحق)، وذكر عنهم أيضا أنهم (أكثر بداوة من سائر الأمم، وأغنى عن حاجات التلول، لاعتيادهم شظف العيش، فاستغنوا عن غيرهم، فصعب انقيادهم بعضهم لبعض، ورئيسهم يحتاج إليهم غالبا للعصبية التي بها المدافعة). [3]
لقد قامت إمارات أخرى في الجزيرة العربية، كإمارة ابن عرير في الإحساء، وإمارة آل الرشيد في حايل، غير أن كلا منها لم يدم طويلا، لأنها ارتكزت فقط على القبيلة - كما هو حال ابن عرير على بني خالد، وابن رشيد على شمر - وافتقدت الأساس الرئيسي وهو الدين والمذهب والدعوة التي توحد القبائل العربية لنصرتها، فلم يكتب لها من البقاء ما كتب للإمارات التي قامت على الإمامة والدين كما في عمان واليمن ونجد.
هذا مع العلم بأن كل تلك الإمارات ظلت في دائرة الخلافة الإسلامية أو تحت نفوذها بشكل مباشر أو غير مباشر، بحسب قوة دولة الخلافة وضعفها، ومركزيتها أو لا مركزيتها، وبحسب أهمية هذه المناطق للخلافة أو عدم أهميتها، كما سيأتي بيانه ولهذا لا يصدق عليها أنها دول بل إمارات ودويلات محدودة النفوذ جغرافيا وديمغرافيا وسياسيا!
الحملات الصليبية على الخليج والجزيرة العربية:
لقد تعرض الخليج والجزيرة إلى حملات صليبية عدة تهدف إلى السيطرة على سواحله، وكان من أبرزها:
1- الحملة البرتغالية ومواجهة قبائل عمان لها:
فقد غزا البرتغاليون الخليج العربي وسيطروا على ساحل عمان منذ سنة 1507م، فبايعت القبائل العمانية الإمام ناصر بن مرشد اليعربي سنة 1624م واتخذ الرستاق في المناطق الداخلية للقبائل عاصمة له، ونجح في تخليص أكثر الساحل من أيديهم حتى لم يبق في أيديهم عند وفاته سنة 1649م، غير بعض القلاع في مسقط، ومطرح، ثم بويع ابن عمه سلطان بن سيف إماما، وأكمل جهاده ضد البرتغاليين حتى حرر مسقط، واستمر في قتالهم وشن الحروب عليهم في منطقتي ديو، والدمام، وأصبحت البحرية العمانية أقوى قوة بحرية في الخليج العربي غير غربية.[4]
وبعد وفاة سيف سنة 1718م دخلت عمان في دوامة الحرب الأهلية بين الغفارية العدنانية، والهناوية اليمانية، وأصابها الضعف حتى اتفقت على انتخاب أحمد بن سعيد إماما سنة 1747م، وهو أول من بويع من أسرة آل بوسعيد إماما، ولم تكن السلطة في عمان مطلقة في يد الإمام، بل كان واحدا من رؤساء كثيرين للقبائل غير أنه كان أبرزهم، وقد توفي أحمد سنة 1783م، ثم بايع زعماء القبائل وعلماء الدين ابنه هلال بن أحمد، ولم يطل عهده، ثم بويع أخوه سعيد بن أحمد، ثم صار الأمر بيد حمد بن سعيد بن أحمد، وصار يطلق عليه السيد، ثم انحل نظام الإمامة بتقاسم أبناء أحمد بن سعيد السلطة فيما بينهم، وكرسوا جهدهم في نشاطهم التجاري والبحري، وانتقلت العاصمة إلى مسقط على الساحل، وأصبح الحكم سلطنة وحكما وراثيا، بعد أن كان إمامة وحكا شرعيا، مما أضعف العلاقة بينهم وبين القبائل، فضعفت عمان جراء ذلك، وأصبح لقب سلطان عمان هو الشائع بين حكامها، وقد حكم سلطان بن أحمد الذي اتسع نفوذه إلى بر فارس في أواخر القرن الثامن عشر.[5]
لقد كان الدين والمذهب هو السبب وراء وحدة عمان واتحاد قبائلها لمواجهة القوى الخارجية، وقد أدرك بيلي المسئول البريطاني آنذاك هذه الحقيقة حيث وصل إلى قناعة بأن (حركات التجمع الدينية قد جمعت عمان في وحدة كالوحدة التي تجمع بين أتباع محمد بن عبد الوهاب، ويمكن أن يضر هذا بالسياسة البريطانية).[6]
2- الحملة البريطانية ومواجهة الحركة الوهابية والقبائل النجدية والخليجية لها:
وقد تزامنت الحملة الصليبية البريطانية على الخليج العربي مع قيام الدعوة الوهابية في وسط الجزيرة العربية - من 1157هـ 1744م إلى 1233هـ 1817م - هذه الحركة التي امتدت حتى كادت تسيطر على أكثر جزيرة العرب بشكل كامل، ولم تستقل عن الخلافة العثمانية، بل كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب وابن سعود يعترفان بسلطة الخليفة العثماني حيث كانت نجد آنذاك يتنازعها نفوذ أمراء الإحساء تارة، وأمراء الأشراف في الحجاز تارة أخرى، وكلاهما يخضع للخلافة العثمانية، وقد جاء في تاريخ ابن غنام وهو مؤرخ الدعوة الوهابية وأحد دعاتها :
(وفي هذه السنة 1185 هـ أرسل الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير عبد العزيز إلى والي مكة أحمد بن سعيد هدايا، وكان قد كاتبهما وطلب منهما أن يرسلا إليه فقيها وعالما من جماعتهما يبين حقيقة ما يدعون إليه من الدين.. فأرسلوا إليه الشيخ عبد العزيز الحصين ومعه رسالة منهما هذا نصها : بسم الله الرحمن الرحيم : المعروض لديك أدام الله فضل نعمه عليك حضرة الشريف أحمد بن الشريف سعيد أعزه الله في الدارين وأعز به دين جده سيد الثقلين، إن الكتاب لما وصل إلى الخادم وتأمل ما فيه من الكلام الحسن رفع يديه بالدعاء إلى الله بتأييد الشريف لما كان قصده نصر الشريعة .. وهذا هو الواجب على ولاة الأمور، ولما طلبتم من ناحيتنا طالب علم امتثلنا الأمر وهو واصل إليكم... يعلم الشريف أعزه الله أن غلمانك من جملة الخدام ثم أنتم في حفظ الله وحسن رعايته).[7]
وهذه الرسالة أوضح دليل على عدم خروج الحركة الوهابية على نفوذ وسلطة الخلافة العثمانية، إذ كانت إلى هذا الوقت لا تتجاوز حركة إصلاحية محلية في منطقة صحراوية محدودة غير ذي أثر، خاضعة لنفوذ شريف مكة التابع للخلافة.
وقد سيطر الوهابيون - بعد السيطرة على نجد - على الإحساء عاصمة ابن عريعر سنة 1795م، وبهذا بسطت الدعوة الوهابية سيطرتها على منطقة نفوذ ابن عريعر في الإحساء، الممتدة من عمان جنوبا، إلى أطراف العراق شمالا، ومن ضمنها الكويت التي كانت تابعة لحكم ابن عريعر، وقد دفع أهل الكويت الزكاة بعد ذلك للإمارة الوهابية سنة 1803م، وكذا دفعتها البحرين بعد أن اشترط عبد العزيز بن محمد بن سعود أمير الدرعية على آل خليفة دفع الزكاة للدرعية مقابل إرجاعهم إلى البحرين، بعد أن استولى عليها سلطان عمان، السيد سلطان بن أحمد آل بو سعيد سنة 1800م، حيث نجح الوهابيون في إرجاع آل خليفة سنة 1802م، كما دفع سلطان بن أحمد أيضا الزكاة للدرعية اعترافا بالتبعية لها، وكذا دفعها القواسم[8].
وهكذا امتد نفوذ الدعوة الوهابية - تحت سيادة الخلافة العثمانية - شرقا ليشمل الزبير، والكويت، والإحساء، والبحرين، وقطر، وعمان، وساحل عمان، وكانوا يأخذون من الجميع الزكاة السنوية.[9]
وقد استمرت سيطرة الحركة الوهابية على الخليج العربي كله، بعد اغتيال عبد العزيز بن محمد بن سعود سنة 1804م ، حيث تولى ابنه سعود الإمامة بعده في الدرعية، فقد اعتنق القواسم من أهل رأس الخيمة، والشارقة، الدعوة الوهابية، وصاروا يدفعون الزكاة للدرعية، وانتشرت الدعوة الوهابية بين القواسم حتى على الضفة الأخرى من الخليج، في لنجة وما حولها سنة 1805م، وقد حذرت الحكومة البريطانية موظفيها في الخليج من التعرض أو الاصطدام بالقواسم أو الوهابيين.[10]
وبعد ذلك قررت حكومة الهند البريطانية إيقاف المد الوهابي الذي بات يهددها في البحر بأسطول حلفائهم القواسم، مما دفع حكومة الهند إلى شن حملة بحرية لتدمير هذا الأسطول القاسمي، ونفذ الهجوم على رأس الخيمة في نوفمبر 1809م حيث تم تدمير البلدة، بعد مواجهة عنيفة بين الطرفين، كما تم إحراق الأسطول.[11]
لقد رأت بريطانيا ضرورة توظيف الخلاف الطائفي بين الإباضية والوهابية لصالح سيطرتها على المنطقة، فقد توجهت بعدها القوات البحرية البريطانية بمعية سلطان مسقط سعيد بن سلطان إلى شناص لطرد القواسم منها، وفي مطلع يناير تم محاصرتها، ودارت معركة عنيفة، حيث بدأ الزحف على الحامية بعد الظهر بقوات مسقطية وبريطانية مشتركة، وقد تبع ذلك قتال شرس يدا بيد، واستخدمت في المعركة جميع أنواع الأسلحة، وكانت أقسى المعارك التي خاضتها الحملة منذ بدأت هجومها، وقد وصفها أحد الضباط البريطانيين فقال:(من المحال أن نتصور مقاومة أشد عنادا وتحديا من المقاومة التي أبداها العدو في هذا الموقع، فقد كانت دفاعاته قد دمرت وتحولت إلى أنقاض، وعلى الرغم من ذلك الوضع اليائس واحتلال البريطانيين والعمانيين للقلعة، ظل القواسم يطلقون النار من التحصينات التي لم يتم تدميرها تماما، وقد كان المساء قد اقترب وكانت الاعتبارات الإنسانية تقتضي وقف هذه المجزرة المخيفة، ودعي من بقي من القواسم للاستسلام وإنقاذ أرواحهم، غير إنهم أجابوا بأنهم يفضلون الموت على الاستسلام في هذا الوقت، وأخذت في إطلاق النار بشكل مكثف من بعض المدافع من مكان قريب من القلعة لمساواتها في الأرض ولكن العدو ظل يرد النار بالمثل، وكما يبدوا فإنهم كانوا مصممين على أن يدفنوا فيها أحياء، وعمدنا إلى استخدام القنابل الكروية واليدوية، ولكن العدو أعادها إلينا قبل أن تنفجر، مؤكدا تصميمه على مواصلة القتال).[12]
وفي تلك الأثناء كان مطلق المطيري القائد العسكر الوهابي، قد تحرك بجيشه من البريمي نحو شناص للدفاع عنها، ولم يصلها إلا متأخرا، فهجم على قوات سعيد - بعد أن غادرت البحرية البريطانية - ومزقها، وأجبرها على الانسحاب إلى مسقط.[13]
وقد طلب سلطان مسقط ثانية من حكومة الهند البريطانية مساعدته عسكريا ضد الوهابيين، غير أنهم رفضوا بعد أن رأوا خطورة التدخل في الصراع البري، واقترحوا عليه عقد سلام مع الوهابيين، غير أنه توجه إلى إيران وطلب مساعدتها، فأرسلوا له 1500مقاتل، وتحرك مطلق المطيري قائد جيوش عمان، ومعه قبائل النعيم، والظواهر، وغيرهم، وتواجه الجيشان، وانهزمت قوات مسقط وحلفائها.[14]
وفي الجزء الغربي من الجزيرة العربية استكملت الحركة الوهابية سيطرتها على الحجاز بعد ضم المدينة النبوية سنة 1810م، فاستثار ذلك الخليفة العثماني في اسطنبول السلطان محمود، فأمر محمد علي والي مصر بالتصدي للحركة والقضاء عليها وتدمير عاصمتها الدرعية، وبعد أن بلغ سعود بن عبد العزيز أخبار حملة محمد علي لشن الحرب على جيوش الدولة الوهابية في الحجاز سنة 1811م، قام باتخاذ الاحتياط، وتعزيز الحاميات العسكرية في قطر، والبحرين، وأمر بحبس آل خليفة في الدرعية، ثم أفرج عنهم بعد تعهدهم بدفع الزكاة، وأخذ تعهدا من حكومة فارس بعدم الاعتداء عليه، كما توصل مع البريطانيين إلى تفاهم بعدم الاعتداء من كلا الطرفين على الآخر.[15]
وفي سنة 1813م جهز مطلق المطيري جيشا تعداده أربعين ألف مقاتل، وتوجه من البريمي لفرض سيطرته على المناطق الداخلية من عمان، حتى وصل إلى صحار، ثم إلى مسقط، فاضطر سعيد إلى دفع الزكاة أربعين ألف ريال نمساوي، وكانت هذه آخر حملة لمطلق المطيري الذي قتل في آخر هذه السنة.[16]
الحملة المصرية على الجزيرة العربية:
ولم تدم سيطرة الحركة الوهابية على الحجاز حيث توجه الجيش المصري بأمر من الخليفة العثماني، بقيادة طوسون بن محمد علي سنة 1811م إلى الحجاز، فاحتلت جيوشه المدينة سنة 1812م، ومكة سنة 1813م، وفي سنة 1814م توفي سعود بن عبد العزيز، وبويع ابنه عبد الله إماما، وفي هذه السنة قدم محمد علي إلى الحجاز، وقاد الجيوش بنفسه، وأكمل سيطرته على الحجاز سنة 1815م، بعد سيطرته على الطائف، وفي هذه السنة وقع عبد الله بن سعود معاهدة مع طوسون تم فيها الاعتراف بعبد الله واليا على نجد بعد إعلانه الولاء للخليفة العثماني.[17]
وفي سنة 1815م، توفي طوسون بعد رجوعه إلى مصر، فنقض والده محمد علي المعاهدة، واشترط للتوقيع عليها تخلي عبد الله بن سعود عن الإحساء - التي كانت تحت حكم ابن عريعر، حتى استولى عليها الوهابيون سنة 1795م - إلا أن عبد الله بن سعود لم يرد على الطلب، فجهز محمد علي جيشا آخر هدفه احتلال الدرعية نفسها، بقيادة ابنه إبراهيم سنة 1816م، فانطلق من المدينة نحو نجد، حتى استولى على الدرعية، ودمرها في أواخر سنة 1818م، وأرسل عبد الله بن سعود إلى الأستانة، حيث تم إعدامه، وتم أخذ أسرته إلى القاهرة.[18]
وقد قام إبراهيم باشا بعد سيطرته على الإحساء سنة 1819م بتولية ابن غرير شيخ بني خالد على الإقليم من جديد، غير أنه سرعان ما اضطربت القبائل في المنطقة على الجيش المصري، ولم يرض ابن غرير بقمعها، مما حدا إبراهيم بسحب جيوشه إلى معسكره شمال غرب الدرعية.[19]
المشروع البريطاني للسيطرة على الخليج العربي :
وقد بدأت حكومة الهند البريطانية في إبريل سنة 1819م تناقش في هذه الأثناء خطة تراعي كون ساحل الخليج العربي من رأس الخيمة غربا إلى الكويت تحت السلطة المصرية العثمانية - التي سيطرت على وسط الجزيرة العربية، واحتلت الدرعية، وكل المناطق التابعة لها - وأن تدعم بريطانيا سلطان مسقط ليفرض سيطرته على ساحل الخليج إلى رأس الخيمة شمالا، مع ضم البحرين له، وإخضاع القبائل المستقلة داخل عمان لسلطته، وإقامة قاعدة عسكرية بريطانية في جزيرة قشم، على أن تتحمل موارد البحرين - الغنية بصيد اللؤلؤ - تكاليف القاعدة العسكرية البريطانية! غير أن فرانسن واردن الأمين الأول لحكومة الهند أكد (أنه من الأفضل على أي حال السماح لتلك الدويلات - القبائل المستقلة - بالاحتفاظ باستقلالها، بل وسنقوم بتأييد ذلك الاستقلال، كما سيتعين على المبعوث البريطاني - إلى إبراهيم بن محمد علي - أن يوضح له بأنه في الوقت الذي تعتبر بريطانيا أن تصفية القرصنة هو هدفها الوحيد، إلا إنها في الوقت ذاته تشاركه في ضمان حقوق مختلف الدول ـ القبائل ـ الواقعة على سواحل الخليج العربي، وأن أي مساعدة من بريطانيا له في حربه لحلفاء الوهابيين مشروطة بموافقته على احترام حقوق تلك الدول).[20]
لقد كانت هذه أول مرة يطلق فيها مسئول بريطاني مصطلح(دويلات أو دول) على القبائل الساحلية في عمان، والتي لم تكن تعد مدنا فضلا عن أن تعد دولا أو دويلات!
لقد كان الهدف البريطاني واضحا من هذه الفكرة، وهو إيجاد كيانات يمكن التعامل معها بصفة مباشرة لاحتلالها بعد ذلك بحجة الحماية وهو ما لا يمكن مع القبائل أو القرى والمدن، فكان لا بد من تسميتها بالدويلات والإمارات لتحقيق هذا الغرض الاستعماري!
لقد كان القواسم والوهابيون الذين ظلوا يسيطرون على سواحل الخليج العربي هم المشكلة الرئيسة التي كان يجب على بريطانيا العمل من أجل القضاء عليها، لتتحقق لها السيطرة على الخليج، غير أن حكومة الهند لم تكن تملك القوة اللازمة لمواجهة قوتهم التي تبلغ 10000بحار، ونحو250 سفينة كبيرة وصغيرة، والتي كانت تنطلق من موانئ رأس الخيمة، وأم القوين، والجزيرة الحمراء، وعجمان، والشارقة، ودبي، والزبارة، وخور حسن، والقطيف، والعقير، وأبوظبي، وأيضا لنجة، وخرك على الجانب الفارسي، وكان لا بد من التنسيق مع إبراهيم باشا لمواجهتهم.[21]
وبعد أن ذهب سادلر - المبعوث البريطاني - إلى القطيف ورأى الوضع في الإحساء، وانسحاب الجيش المصري - بعد تسليمه السلطة لشيوخ بني خالد أمراء الإقليم سابقا - كتب تقريرا بذلك لحكومته التي أمرت بصرف النظر عن مشروع التعاون مع إبراهيم باشا، حيث ثبت عجز الجيش المصري عن بسط سيطرته على القبائل من الكويت إلى ساحل عمان، وأنه يجب وضع خطة بديلة، وإعادة النظر في بسط نفوذ سلطان مسقط على الساحل، وإدخال البحرين تحت سلطته، ليتم الإنفاق على القاعدة البريطانية من مواردها المالية.[22]
وقد تم مناقشة هذه الخطة من قبل مسئولي الحكومة الهندية البريطانية الذي ارتأى بعضهم (بأنه لا بد من الحصول على معلومات دقيقة عن الأسس التي تقوم عليها ادعاءات مختلف القبائل فيما يتعلق باستقلالها، وهي الأسس التي يمكن بموجبها تحديد علاقتنا معها، على أساس مبادئ).[23]
غير أن هذه الخطط لم تجد إجماعا من رجال الحكومة الهندية، فتم إصدار الأوامر إلى قيادة البحرية البريطانية بشن هجوم عسكري بحري على موانئ القواسم وحلفائهم، وتدمير أسطولهم، بالتنسيق مع سلطان مسقط، وحكومة فارس.[24]
ونجحت بريطانيا في حملتها الصليبية على المنطقة أن توظف الخلاف الطائفي بين المسلمين لتحقيق أهدافها الاستعمارية، حيث شكل التحالف البريطاني، والإباضي العماني، والشيعي الإيراني، رأس حربة في مشروع السيطرة على الخليج العربي!
وفي ديسمبر سنة 1819م تم الهجوم البريطاني العماني على موانئ القواسم، وأولها رأس الخيمة، ودارت حرب طاحنة، ولمدة خمسة أيام، استخدمت فيها البحرية البريطانية مدافعها لدك أسوارها، وقلاعها، حتى وصل القتال ذروته بالاشتباك بالسلاح الأبيض، وذهب فيه من القواسم ألف رجل بين قتيل وجريح، وانتهت الحملة بتوقيع معاهدة في يناير سنة 1820م مع شيوخ هذه الموانئ، يسلمون بموجبها جميع سفنهم، وقد كان نص المعاهدة:
(أنه وبناء على ذلك يتفق الطرفان على توطيد السلم بين الحكومة البريطانية، والقبائل العربية الموقعة على هذا العقد على الشروط التالية)، والتي تضمن لبريطانيا حق تفتيش السفن، ومراقبتها، ومصادرتها، وعدم الاعتداء بين القبائل الموقعة على المعاهدة، وحق بريطانيا في إهدار حياة من يشارك في أعمال القرصنة، ومصادرة ممتلكاته.[25]
لقد وضعت هذه الاتفاقية بين بريطانيا والقبائل الساحلية أسس تقسيم الإقليم الواحد إلى دويلات كما جاء في نص الاتفاقية( لقد تأسس سلم دائم بين الحكومة البريطانية والقبائل العربية:
المادة الأولى : توقف أعمال السلب والقرصنة في البر والبحر من قبل العرب الذين هم فريق في هذه المعاهدة ....
المادة الرابعة: إن القبائل التي أخضعت ستداوم على علاقاتها السابقة وستظل في حالة سلم مع الحكومة البريطانية...
المادة السابعة:إذا لم تمتنع إحدى القبائل عن السلب والقرصنة فالعرب الأصدقاء يعملون ضدها بحسب مقدرتهم وحسب الظروف ...
المادة الحادية عشرة:إن الشروط المذكورة أعلاه عمومية لجميع القبائل والأشخاص التي يقبلونها فيما بعد بنفس الطريقة التي يقبلها الذين يوقعونها الآن.... وقد وقع عليها سنة 1820 شيخ رأس الخيمة، وشيخ أبو ظبي، وشيخ دبي، وشيخ البحرين، وشيخ الشارقة، وشيخ عجمان).[26]
لقد أرادت بريطانيا إضفاء صبغة قانونية على تعاملها مع تلك الموانئ الساحلية، من خلال الاعتراف بالقبائل الساحلية وشيوخها ككيانات شبه مستقلة، ولهذا(أطلقت بريطانيا على الرؤساء الذين اشتركوا في توقيع معاهدة 1820 اسم الرؤساء البحريين، وكانت تهدف من ورائها عزل الساحل عن الداخل في الوقت الذي كانت تعنى فيه بتدعيم سيطرتها البحرية، وإن كان من الطبيعي أن تتخلى عن هذه السياسة على أثر اكتشاف موارد النفط في الداخل، وقدرتها على السيطرة الداخلية بفضل سلاح الطيران الجوي وقد استخدم ذلك السلاح بفاعلية منذ الثلاثينيات من هذا القرن).[27]
كما يظهر جليا خطة بريطانيا في توقيع المعاهدات مع شيوخ الموانئ كل على حدة وأن هدفها ترسيخ تقسيم المنطقة وللحيلولة دون قيام أي اتحاد يشكل خطرا على النفوذ البريطاني في الخليج العربي، بعد أن دمرت قوة القواسم التي كانت تهدد الوجود البريطاني في المنطقة، وبعد أن قامت بتفتيتها والاعتراف بالشيوخ الصغار كحكام مستقلين.[28]
ولم تضمن هذه الحملة العسكرية، ولا المعاهدة التي وقعتها بريطانيا مع قبائل الساحل السيطرة البريطانية على الخليج العربي، إذ كان لقبائل الداخل القدرة على تهديد مصالحها في البحر، كما حصل من قبيلة آل بوعلي التي تقطن مقاطعة جعلان في عمان، وتمتد إلى الداخل، وقد كانت اعتنقت الدعوة الوهابية ووقفت معها، وثارت على السلطان سعيد سلطان مسقط، وقد قامت بريطانيا بحملة بحرية عسكرية من أجل إخضاعها بعد أن رأت أنها تمثل خطرا على مصالحها، وتحركت القوة البحرية البريطانية بحرا، والقوة العمانية بقيادة سلطان مسقط برا، وفي مطلع نوفمبر سنة 1820م، بدأت قوات التحالف المشتركة زحفها على المنطقة، وقد اشترطت على قبيلة بو علي شروطا، ومنها تسليم أسلحتها، فرفضت هذا الشرط بعد أن وافقت على الشروط الأخرى، ودارت حرب طاحنة بين الفريقين، فر عندها جنود السلطان والقوات الهندية البريطانية الزاحفة، ثم تبعهم الضباط ورجال المدفعية البريطانية، وأخذ رجال قبيلة بو علي يطلقون عليهم النار، ويطعنونهم بالسيوف والخناجر، حتى أصيب السلطان سعيد بطعنة عندما حاول إنقاذ الضباط البريطانيين وكانت مواجهة دموية وقد وصف هذه المعركة أحد الضباط البريطانيين بقوله:
(وعلى امتداد السهل كانت جثث القتلى من الجنود العمانيين، وثمانية من الضباط البريطانيين، ونحو أربعمائة عسكري، ملقاة على الأرض)، لقد قاتلت قبيلة بوعلي الوهابية قتالا مستميتا، ونجح رجالها في تدمير الحملة البريطانية وهزيمتها هزيمة منكرة، قضت على الهيبة التي اكتسبتها البحرية العسكرية البريطانية بعد حملتها على القواسم، وهو ما حدا بريطانيا إلى تجهيز حملة ثانية مشتركة مع سلطان مسقط ضد قبيلة بو علي، وكانت تتكون من 1263 جنديا بريطانيا، و1686 جنديا هنديا، وكان من أهداف الحملة(تسليم سلطة المنطقة المحررة إلى السيد سعيد، وإطلاق الأسرى، وتسليم الأسلحة التي وقعت خلال الحملة السابقة في يد قبائل بوعلي)، وما كادت قوات الحلفاء تعسكر قريبا من مشارف القبيلة بتاريخ 10 فبراير سنة 1821م، حتى شن عليها رجال بو علي هجوما مفاجئا، فأربك قوات الحلفاء، فدب فيها الذعر، وقتل فيها عدد من الضباط والجنود، وفي يوم 2مارس اشتبك الجيشان في حرب دموية، ونجح رجال القبيلة في شق طريقهم وسط القوات البريطانية، وكتب أحد الضباط البريطانيين المشهد المروع فقال:
(كانت المذبحة رهيبة على الجانبين، وإن قوات العدو التي كانت في المؤخرة اضطرت إلى شق طريقها وسط لوائنا في محاولة لاستعادة مزارعها، وكل الذين شاهدوا ذالك الهجوم الفريد، قالوا بأنهم لم يشهدوا في حياتهم جيشا قاتل بتلك البسالة التي لا نظير لها، ولم نستطع إيقاف تقدمهم رغم قصفنا المتكرر لمواقعهم، والذي كان يبيدهم بأعداد غفيرة متحدين الحراب المصوبة إليهم، وأبدوا صمودا في القتال، فكانوا ينقضون على سياراتنا، وينتزعون بنادقنا من أيدينا في محاولة لشق صفوفنا وإبادتنا حتى بعد أن كانت حرابنا قد انغرست في أجسادهم)!
وبعد ذلك استسلم نحو 200 مقاتل من القبيلة مع عائلاتهم، بعد أن قتل منهم 200 رجل، وجرح نحو 300 رجل ، وقد تم نقل 150منهم بما فيهم شيخا القبيلة - اللذان يعانيان من جراح خطيرة - بالإضافة إلى خمسين صبيا، إلى بومبي كأسرى حرب، وسلم الباقون من الأسرى إلى سلطان مسقط، وأمر القائد البريطاني بعد ذلك بدك القلاع، وإتلاف المزارع، وإشعال النار في مساكن القبيلة( ومنذ البداية حتى النهاية كانت الحملة - كما يقول كيلي - على رجال بني بو علي مخزية ومؤلمة، وقد ذهب ضحيتها من الرجال أكثر مما ذهب في معركتي 1809 و1818م معا، وأسفرت عن نتائج لا قيمة لها، وتحولت الحملة إلى حرب سافرة كل هدفها هو استعادة سلطة السيد سعيد على قبائل جعلان)!
وقد تمت محاكمة القائد العسكري بعد انتهاء الحملة على الأخطاء التي ارتكبها والتي أظهرت وكأن الأسلحة البريطانية هدفها إخضاع القبائل لسلطان مسقط(وإذا كان ثمة طرف له الحق في الفخر برأي كيلي - بنتيجة الحملة فهو قبائل بو علي أنفسهم لدفاعهم الباسل عن أراضيهم ومواطنهم، وهذا هو ما اعترف به أعضاء مجلس شركة الهند الشرقية عندما اجتمعوا لتقييم نتائج الحملة)، واعترفوا بأنه لم تتخذ الإجراءات اللازمة للتحقق من طبيعة أعمال القرصنة التي كان متهما فيها رجال القبيلة، وأن حكومة الهند أخذت برأي السيد سعيد الذي يهدف إلى السيطرة على منطقة القبيلة، دون التحري عن حقيقة الأمر، كما اعترفوا بأن إحراق المزارع، والمساكن، وأخذ الأسرى إلى بومبي حيث مات عدد منهم كان تصرفا مخجلا، وكذلك تسليم الأسرى للسيد سعيد - حيث مات مجموعة منهم في سجونه جوعا - كان أكثر الأعمال خزيا.[29]
لقد كان أشد ما يخشاه المسئولون البريطانيون آنذاك من تبعات هذه الحملة(هو ما سوف تتركه من انطباع في أوساط القبائل الخليجية عن السياسة البريطانية التي كانت تنطلق من مبدأ القضاء على القرصنة إلا إن تعاون تومسون - قائد الحملة - مع السيد سعيد سلطان عمان إنما يوحي بأنه محاولة منا للتدخل في الشئون الداخلية بدعوى حماية مصالحنا من الأخطار التي تهددها في مياه الخليج).[30]
لقد كانت هذه الحرب التي شنتها بريطانيا على القبائل العربية الخليجية حربا استعمارية تحت ستار مكافحة الإرهاب والقرصنة البحرية، وكان الهدف منها السيطرة على المنطقة من خلال إخضاعها لمن يتحالف معها، وبدأت منذ ذلك التاريخ أزمة الهوية! وللحديث بقية!
ملحوظة :هذه المقالات الأربعة هي اختصار لما يعادل 150 صفحة من كتاب (الحرية وأزمة الهوية)، مراعاة لقراء المقالات، إلى حين طباعة الكتاب، فالهدف إعادة صياغة العقل الخليجي باستعادة ذاكرته التاريخية، وتحريره من أوهامه الزائفة التي كبلته، إذ ما زال هذا التاريخ الاستعماري هو الذي يتحكم في واقعنا السياسي إلى اليوم!
[1] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 14ـ16 .
[2] سلام ما بعده سلام (ولادة الشرق الأوسط) لدافيد فرومكين ص 250 .
[3] مقدمة ابن خلدون الفصل السابع والعشرون والثامن والعشرون.
[4] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 17-18 .
[5] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 18-26 .
[6] سياسة الأمن في الخليج العربي 144 .
[7] تاريخ نجد ابن غنام ص 135 ط 3 سنة 1994 تحقيق ناصر الدين الأسد.[8] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 164-166.
[9] نبذة تاريخية لضاري الرشيد 28 .
[10] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 170-171 .
[11] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 192
[12] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 195.
[13] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 196 .
[14] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 205.
[15] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 207 .
[16] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 210.
[17] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 216.
[18] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 156ـ157، 225ـ230، 502 .
[19] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 241 .
[20] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 233ـ237 .[21] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/229ـ233.
[22] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/241ـ 242.
[23] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 244 .
[24] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 247-249 .
[25] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 253-259 .
[26] انظر المصدر السابق، وتاريخ الكويت السياسي لخزعل 2/108ـ113.
[27] تاريخ الخليج العربي لجمال زكريا 1/294 .
[28] تاريخ الخليج العربي لزكريا 1/ 287.
[29] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/ 284ـ296 .
[30] بريطانيا والخليج لجون كيلي 1/300 .