.jpg)
بقلم د. حاكم المطيري
ذكرنا في الحلقة السادسة من هذه الدراسة أن أهل السنة والجماعة لهم أصولهم العقائدية السياسية في الموقف من الأمة ووحدتها تتجلى في أربعة مسائل:
الأولى في عدم إكفار المسلمين المخالفين وكذا العصاة والمذنبين.
والثانية في تقرير جميع حقوقهم ووجوب العدل معهم.
وهذا تفصيل القول في الثالثة والرابعة:
المسألة الثالثة: صحة الصلاة خلف الأئمة منهم، والجهاد معهم، والطاعة لهم بالمعروف:
وهذه من أصول أهل السنة والجماعة العقائدية النظرية والفقهية العملية بناء على ما سبق من أصولهم في الموقف من أهل الفسق والكبائر، ومن أهل القبلة المخالفين في الرأي من أهل الأهواء والبدع، حيث أثبت أهل السنة والجماعة لهم حكم الإسلام، ومن ثم صححوا صلاتهم، كما صححوا الصلاة خلفهم في الجمع والجماعات والأعياد التي هي شعائر المسلمين العامة التي توحدهم روحيا واجتماعيا وسياسيا، وكذا رأوا صحة الجهاد معهم، والطاعة للأئمة منهم، مع اشتراط أهل السنة والجماعة في الأئمة العدالة ابتداء، إلا أنهم رأوه شرط صحة في حال السعة والاختيار لا حال الضيق والاضطرار، فمن صار إماما أو ولاه الإمام الصلاة أو الحج أو الجهاد صح الإتمام به وإن لم يكن عدلا إذا لم تقدر الأمة على صرفه وتغييره، ولهذا لم يتخلف أهل السنة والجماعة عن الصلاة والجهاد زمن المأمون والمعتصم والواثق، وقد كانوا على رأي المعتزلة، بل حملوا الأمة على القول بالاعتزال بالسيف والسجن، ومع ذلك ظل أهل السنة يحافظون على الجماعة ووحدة الأمة التي هي أصل الأصول بعد التوحيد، كما في الحديث الصحيح (إن الله يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا).
وهذا الموقف موافق للنصوص المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن، ولما ثبت عن السلف أنهم كانوا يصلون خلف الحجاج بن يوسف بعد أن عجزوا عن تغييره، إذ حاولوا الخروج عليه مع ابن الأشعث فلم يستطيعوا، ثم صلوا خلفه، حفاظا على وحدة الأمة السياسية، وعدم تفرقها وتشرذمها، وهو ما تقرر عند أئمة أهل السنة والجماعة كما في العقيدة الطحاوية عن أبي حنيفة وأصحابه (ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم).
بل عد الإمام أحمد بن حنبل من أعاد الصلاة خلفهم من أهل البدع فقال (وصلاة الجمعة خلفه ـ أي الإمام برا كان أو فاجرا ـ وخلف من ولاه جائزة تامة ركعتين من أعادها فهو مبتدع تارك للآثار مخالف للسنة).
وقال أيضا في رسالة عبددوس ـ كما في أصول السنة (1/44) ـ (والغزو ماض مع الإمام إلى يوم القيامة البر والفاجر لا يترك...وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولاه جائزة باقية تامة ركعتين من أعادهما فهو مبتدع).
وهو إجماع أهل السنة والجماعة حفاظا على هذا الأصل السياسي الديني، وهو وحدة الأمة والدولة وعدم تفرقها، وحفاظا على مصلحة الجهاد حتى لا يتعطل، وهو الضمانة لحماية الأمة، وحفظ البيضة، وإقامة الشعائر والشرائع، فاغتفر الشارع له ما قد يقع من قصور في الأئمة ـ كبدعة ومعصية ـ تعظيما لشأن هذه الأصول التي بها قيام الإسلام وظهور الأحكام، كما قال ابن حزم في الفصل في الملل (4/135):
(فصل في الكلام في الصلاة خلف الفاسق والجهاد معه والحج ودفع الزكاة إليه ونفاذ أحكامه من الأقضية والحدود وغير ذلك: ذهب الصحابة كلهم دون خلاف من أحد منهم، وجميع فقهاء التابعين كلهم دون خلاف من أحد منهم، وأكثر من بعدهم، وجمهور أصحاب الحديث، وهو قول أحمد والشافعي وأبي حنيفة وداود وغيرهم إلى جواز الصلاة خلف الفاسق الجمعة وغيرها، وبهذا نقول وخلاف هذا القول بدعة محدثة، فما تأخر قط أحد من الصحابة الذين أدركوا المختار بن عبيد والحجاج وعبيد الله بن زياد وحبيش بن دلجة وغيرهم عن الصلاة خلفهم وهم من أفسق الفساق..
وقال تعالى {أجيبوا داعي الله} فوجب بذلك ضرورة أن كل داع دعا إلى خير من صلاة أو حج أو جهاد أو تعاون على بر وتقوى ففرض إجابته وعمل ذلك الخير معه، لقول الله تعالى {تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} وإن كل داع دعا إلى شر فلا يجوز إجابته بل فرض دفاعه ومنعه...
وهكذا القول في الأحكام كلها من الحدود وغيرها إن أقامها الإمام الواجبة طاعته والذي لا بد منه فإن وافقت القرآن والسنة نفذت وإلا فهي مردودة لما ذكرنا، وإن أقامها غير الإمام أو واليه فهي كلها مردودة، ولا يحتسب بها لأنه أقامها من لم يؤمر بإقامتها، فإن لم يقدر عليها الإمام فكل من قام بشيء من الحق حينئذ نفذ، لأمر الله تعالى لنا بان نكون قوامين بالقسط، ولا خلاف بين أحد من الأمة إذا كان الإمام حاضرا متمكنا أو أميره أو واليه فإن من بادر إلى تنفيذ حكم هو إلى الإمام فإنه إما مظلمة ترد وإما عزل لا ينفذ، على هذا جرى عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميع عماله في البلاد، بنقل جميع المسلمين عصرا بعد عصر، ثم عمل جميع الصحابة رضي الله عنهم، وأما الجهاد فهو واجب مع كل إمام وكل متغلب وكل باغ وكل محارب من المسلمين، لأنه تعاون على البر والتقوى وفرض على كل أحد دعا إلى الله تعالى وإلى دين الإسلام ومنع المسلمين ممن أرادهم قال تعالى {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد}الآية فهذا عموم لكل مسلم بنص الآية في كل مكان وكل زمان).
فهذا ابن حزم الذي يرى وجوب الخروج على الإمام الجائر إذا استطاعت الأمة ذلك، ووجوب نصرة العدل إذا خرج على الإمام الجائر، ومع ذلك يقرر أنه مادام الإمام إماما لم يتم عزله برا كان أو فاجرا فالواجب الصلاة خلفه والجهاد معه ودفع الزكاة إليه ما دام يؤديها في مصارفها، إذ فسقه على نفسه، بينما مصلحة الجهاد معه وكذا رعاية المصالح العامة ونفوذ أمره في إقامة الحقوق والحدود كل ذلك لصالح الأمة، فلا يمنع ذلك من التعاون معه على البر والخير والتقوى، إلى أن يتم تغييره بمن هو خير منه، فإن عجز الإمام عن القيام بمسئولياته برا كان أو فاجرا، وجب على من قدر من الأمة القيام بها، ووجب على الأمة التعاون معه على البر والتقوى، ولا تتعطل الأحكام والحقوق بأي حال من الأحول.
وهذا كله يؤكد أن موقف أهل السنة والجماعة هو الأقرب للمعقول والأصوب في المنقول، إذ نظروا إلى الإسلام على أنه دين وأمة ودولة وخلافة وشريعة وأحكام، وهذه كلها ثوابت وأصول يجب المحافظة عليها بقطع النظر عن حال السلطة ورجالها، التي قد تتغير وتتقلب بهم الأحوال، فالإمام فرد قد يطرأ عليه فسوق أو جور وقد يتوب، فلا تتعطل الأحكام في الدولة بل يجب إنفاذ ما وافق الحق منها، وإعانة السلطة على البر والتقوى، إلى أن تتمكن الأمة من تغييرها، فأهل السنة والجماعة نظروا إلى الإمام من خلال نظرهم إلى مصالح الأمة والدولة، وبهذا الفقه استطاعت الدولة والأمة والخلافة مواجهة كل التحديات طوال مرحلة الاستخلاف مدة ألف وثلاثمائة سنة من تاريخ الإسلام إلى سقوط الخلافة وعودة مرحلة الاستضعاف في هذا العصر الذي بدأت فيه تباشير وإرهاصات عودة مرحلة الاستخلاف الثانية كما في البشارة النبوية (ثم تعود خلافة على منهاج النبوة)!
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ كما في منهاج السنة (1/65) ـ (ومن أوجب الإعادة على كل من صلى خلف كل ذي فجور وبدعة فقوله ضعيف، فإن السلف والأئمة من الصحابة والتابعين صلوا خلف هؤلاء وهؤلاء لما كانوا ولاة عليهم، ولهذا كان من أصول أهل السنة أن الصلوات التي يقيمها ولاة الأمور تُصلى خلفهم على أي حالة كانوا، كما يُحج معهم ويُغزى معهم).
وقال أيضا ـ كما في الفتاوى(23/342-345) ـ (أما الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع، وخلف أهل الفجور، ففيه نزاع مشهور، لكن أوسط الأقوال في هؤلاء أن تقديم الواحد من هؤلاء في الإمامة لا يجوز مع القدرة على غيره، فإن من كان مظهرًا للفجور أو البدع يجب الإنكار عليه ونهيه عن ذلك، وأقل مراتب الإنكار هجره لينتهي عن فجوره وبدعته ... فإذا لم يمكن منع المظهر للبدعة والفجور إلا بضرر زائد على ضرر إمامته، لم يجز ذلك، بل يصلى خلفه مالا يمكنه أن يفعلها إلا خلفه، كالجمع، والأعياد، والجماعة، إذا لم يكن هناك إمام غيره، ولهذا كان الصحابة يصلون خلف الحجاج، والمختار بن أبي عبيد الثقفي، وغيرهما الجمعة والجماعة، فإن تفويت الجمعة والجماعة أعظم فسادًا من الاقتداء فيهما بإمام فاجر، لا سيما إذا كان التخلف عنهما لا يدفع فجوره، فيبقى ترك المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة، ولهذا كان التاركون للجمعة والجماعات خلف أئمة الجور مطلقًا معدودين عند السلف، والأئمة من أهل البدع، وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر فهو أولى من فعلها خلف الفاجر، وحينئذ فإذا صلى خلف الفاجر من غير عذر فهو موضع اجتهاد العلماء، منهم من قال: أنه يعيد لأنه فعل مالا يشرع، بحيث ترك ما يجب عليه من الإنكار بصلاته خلف هذا، فكانت صلاته خلفه منهيًا عنها فيعيدها، ومنهم من قال: لا يعيد، قال: لأن الصلاة في نفسها صحيحة...).
وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية على صحة الصلاة خلف الجهمي والرافضي والخارجي، إذ كلام أئمة أهل السنة والجماعة إنما هو في مثل هؤلاء، حيث قال (وكذلك إذا كان الإمام قد رتبه ولاة الأمور، ولم يكن في ترك الصلاة خلفه مصلحة، فهنا ليس عليه ترك الصلاة خلفه، بل الصلاة خلف الإمام الأفضل أفضل، وهذا كله يكون فيمن ظهر منه فسق، أو بدعة، تظهر مخالفتها للكتاب والسنة، كبدعة الرافضة، والجهمية ونحوهم...وأما الصلاة خلف المبتدع: فهذه المسألة فيها نزاع، وتفصيل، فإذا لم تجد إمامًا غيره كالجمعة التي لا تقام إلا بمكان واحد، وكالعيدين وكصلوات الحج، خلف إمام الموسم فهذه تفعل خلف كل بر وفاجر باتفاق أهل السنة والجماعة، وإنما يدَعُ مثل هذه الصلوات خلف الأئمة؛ أهلُ البدع كالرافضة ونحوهم، ممن لا يرى الجمعة والجماعة، فإذا لم يكن في القرية إلا مسجد واحد، فصلاته في الجماعة خلف الفاجر خير من صلاته في بيته منفردًا؛ لئلا يفضي إلى ترك الجماعة مطلقًا.
وأما إذا أمكنه أن يصلي خلف غير المبتدع فهو أحسن، وأفضل بلا ريب، لكن إن صلى خلفه ففي صلاته نزاع بين العلماء، ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة تصح صلاته، وأما مالك وأحمد، ففي مذهبهما نزاع وتفصيل، وهذا إنما هو في البدعة التي يعلم أنها تخالف الكتاب والسنة، مثل بدع الرافضة والجهمية ونحوهم، فأما مسائل الدين التي يتنازع فيها كثير من الناس في هذه البلاد، مثل "مسالة الحرف والصوت" ونحوها، فقد يكون كل من المتنازعين مبتدعًا، وكلاهما جاهل متأول، فليس امتناع هذا من الصلاة خلف هذا بأولى من العكس، فأما إذا ظهرت السنة وعلمت فخالفها أحد، فهذا هو الذي فيه النِّزاع). (الفتاوى (23/351-356) و(360-368،361-369).
وقال أيضا ـ كما في المستدرك على مجموع الفتاوى 3/117 ـ (أهل الحديث والسنة كالشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم متفقون على أن صلاة الجمعة تصلى خلف البر والفاجر حتى أن أهل البدع كالجهمية الذين يقولون بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة ومع أن أحمد ابتلي بهم وهو أشهر الأئمة بالإمامة في السنة ومع هذا لم تختلف نصوصه أنه تصلى الجمعة خلف الجهمي والقدري والرافضي وليس لأحد أن يدع الجمعة لبدعة في الإمام).
وهذا أوضح دليل على أن شيخ الإسلام ابن تيمية يرى إثبات إسلامهم وعدم إكفارهم وهو الصحيح عن أئمة أهل السنة والجماعة، إذ لا تصح الصلاة خلف الكافر بالنص والإجماع، ومعلوم أن هذه الفرق (الجهمية والرافضة) هي في نظر الأئمة أبعد فرق أهل القبلة عن أهل السنة والجماعة وأكثرها تطرفا، بخلاف المعتزلة والشيعة الزيدية والإباضية والمرجئة، فإذا صحت الصلاة خلف الجهمي والرافضي فمن باب أولى صحتها خلف من هو أخف بدعة، وهذا أوسع باب لتوحيد الأمة ورص صفوفها، إذ وحدة مساجدها وصلواتها هي السبب في وحدة قلوبها وائتلافها، ولهذا صحح شيخ الإسلام ابن تيمية أيضا دعوة أهل البدع لغير المسلمين للدخول في الإسلام وأنها خير من بقاء الكفار على شركهم ووثنيتهم حيث قال ـ كما في الفتاوى (13/96) (وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار، فأسلم على يديه خلق كثير، وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفارا، وكذلك بعض الملوك قد يغزو غزوا يظلم فيه المسلمين والكفار ويكون آثما بذلك، ومع هذا فيحصل به نفع خلق كثير كانوا كفارا فصاروا مسلمين، وذاك كان شرا بالنسبة إلى القائم بالواجب، وأما بالنسبة إلى الكفار فهو خير).
وكل ذلك يؤكد موقف أهل السنة والجماعة من أهل القبلة وحفاظهم على أصل الجماعة ووحدة الأمة وانتظام أمرها، وحماية بيضتها، والجهاد مع كل من قاتل عدوها دفاعا عنها، ولا يلتفتون إلى عقيدته وبدعته، بل يعينونه على البر والتقوى، ولهذا لم يتعطل جهاد الفتح والدفع في الثغور حتى في ظل ضعف الخلافة في أواخر القرن الرابع الهجري، الذي وصل فيه أهل الأهواء والبدع للسلطة في بغداد، والقاهرة، الشام، حيث يقرر عبد القاهر البغدادي (ت 429) في كتابه أصول الدين (ص317) وهو معاصر لتلك الفترة بأن كل (ثغور الروم والجزيرة وثغور الشام وثغور أذربيجان وباب الأبواب ـ أرمينيا ـ كلهم على مذهب أهل الحديث من أهل السنة، وكذلك ثغور أفريقيا والأندلس وكل ثغور بحر المغرب أهله من أهل الحديث، وكذلك ثغور اليمن على ساحل الزنج، وأما ثغور أهل ما وراء النهر في وجوه الترك والصين فهم فريقان إما شافعية وإما من أصحاب أبي حنيفة، وقد قال تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} فالجهاد مع الكفرة في الثغور منهم، وليس لأهل الأهواء ثغر).
فالجهاد عند أهل السنة والجماعة هو ذروة سنام الإسلام وهو ماض عندهم إلى يوم القيامة لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، كما قال أحمد بن حنبل وكما قال الطحاوي في عقيدة أبي حنيفة وأصحابه (والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما)، وذلك لقوله تعالى في شأن أعداء المسلمين وبقاء عداوتهم وعدوانهم {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} وقوله {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} وما زال المسلمون منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ودخولهم في الإسلام إلى اليوم وإلى آخر الدهر وهم يتعرضون للظلم والعدوان في حال الاستضعاف وفي حال الاستخلاف، فهم في جهاد دفع أو جهاد فتح، وكما في الصحيح (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة).
المسألة الرابعة : تحريم سل السيف على أهل القبلة :
وهو من أهم أصول أهل السنة والجماعة المنصوص عليه في كتب عقائدهم لشدة حرمة دماء المسلمين كما ثبتت بنصوص القرآن والسنة وإجماع سلف الأمة، ولهذه العقيدة أربعة معان عندهم، وربما اختلطت على المتأخرين حتى صارت عندهم معنى واحدا، وربما لبس بعضهم الحق بالباطل فيها مشايعة منهم لأهواء الملوك، والصحيح التفصيل فيها على النحو التالي :
المعنى الأول : حرمة سل السيف على المسلمين وحرمة استباحة دماء المخالفين كما تفعل الخوارج الحرورية الذين كفروا كل من خالفهم وسلوا السيف عليهم، وهذا هو المعنى المقصود عند الإطلاق، ردا على الخوارج، كما جاء في عقيدة الإمام الطحاوي عن أئمة أهل العراق من أهل الرأي أبي حنيفة وأصحابه (ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من وجب عليه السيف).
وكذا قال إمام أهل الحديث في عصره سفيان الثوري ـ كما في الشريعة للآجري (5/279) ـ (وكل أهل هوى، فإنهم يرون السيف على أهل القبلة، وأما أهل السنة فإنهم لا يرون السيف على أحد، وهم يرون الصلاة والجهاد مع الأئمة تامة قائمة، ولا يكفرون أحدا بذنب، ولا يشهدون عليه بشرك).
وكذا قال البخاري ـ كما في أصول السنة للالكائي (1/174) ـ (لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم أهل الحجاز ومكة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومصر لقيتهم فما رأيت واحدا منهم يختلف في هذه الأشياء...وأن لا يرى السيف على أمة محمد صلى الله عليه و سلم).
فالمقصود هنا أنهم لا يرون استباحة دماء أحد من أهل القبلة من المسلمين مهما كانوا مخالفين في الرأي، لا كما يستحله الحرورية من الخوارج الذين صالوا على الأمة بالسيف (يقاتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان) كما جاء وصفهم في الحديث الصحيح.
المعنى الثاني : حرمة سل السيف على المسلمين في القتال في الفتن، وهو كل قتال بين طائفتين من المسلمين على التنازع في الإمامة، أو القتال في حال عدم وجود إمام عام، أو القتال على شيء من حظوظ الدنيا، أو القتال على تأويل في الدين، وهذا قول عامة أهل السنة اتباعا للأحاديث التي جاء فيها النهي عن القتال في الفتن التي تقع بين المسلمين، كما فعل أكثر الصحابة الذين اعتزلوا القتال في الجمل وصفين، لحديث (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ كما في منهاج السنة(8/522-526) ـ (والذي عليه أكابر الصحابة والتابعين أن قتال الجمل وصفين لم يكن من القتال المأمور به، وأن تركه أفضل من الدخول فيه، بل عدُّوه قتال فتنة، وعلى هذا جمهور أهل الحديث، وجمهور أئمة الفقهاء، فمذهب أبي حنيفة فيما ذكره القدوري أنه لا يجوز قتال البغاة إلا أن يبدؤوا بالقتال، وأهل صفين لم يبدؤوا عليًا بقتال، وكذلك مذهب أعيان فقهاء المدينة والشام والبصرة، وأعيان فقهاء الحديث كمالك وأيوب والأوزاعي وأحمد وغيرهم أنه لم يكن مأمورًا به، وأن تركه كان خيرًا من فعله، وهو قول جمهور أئمة السنة كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة الصريحة في هذا الباب).
فهذا القتال بين المسلمين لا يسوغ المشاركة فيه حتى وإن كان الإمام خليفة راشدا كعلي رضي الله عنه، إذ هو قتال لم يستبن فيه وجه الحق للجميع، وطاعة الإمام الشرعي منوطة بالمعروف كما في الصحيح (إنما الطاعة بالمعروف)، أما في المتشابهات فلا طاعة له، ولهذا كان الحسن بن علي رضي الله عنه يشير على أبيه بتركه، حتى ندم علي بعد ذلك وبكى وتنمى أن لو مات قبل تلك الفتنة، وقال (لله موقف وقفه سعد بن مالك وعبد الله بن عمر) وهم من الذين اعتزلوا كلا الطائفتين ولم يشاركوا في القتال، فلما اصطلحوا على التحكيم شارك هؤلاء فيه، إذ هو المشروع للأمة عند وقوع القتال فيما بينها أن تحتكم إلى الكتاب والسنة وإلى الأمة دون لجوء للسيف والقتال، كما في الصحيح (قتال المسلم كفر وسبابه فسوق) وحديث (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) وحديث (إن دماءكم حرام عليكم كحرمة يومك هذا في بلدكم هذا)..الخ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان صحة مذهب أهل المدينة ـ كما في مجموع الفتاوى (20/393) ـ (ودين الإسلام : أن يكون السيف تابعا للكتاب، فإذا ظهر العلم بالكتاب والسنة وكان السيف تابعا لذلك كان أمر الإسلام قائما، وأهل المدينة أولى الأمصار بمثل ذلك، أما على عهد الخلفاء الراشدين فكان الأمر كذلك وأما بعدهم فهم في ذلك أرجح من غيرهم، وأما إذا كان العلم بالكتاب فيه تقصير وكان السيف تارة يوافق الكتاب وتارة يخالفه : كان دين من هو كذلك بحسب ذلك، وهذه الأمور من اهتدى إليها وإلى أمثالها تبين له أن أصول أهل المدينة أصح من أصول أهل المشرق بما لا نسبة بينهما، ومن ذلك أن القتال في الفتنة الكبرى، كان الصحابة فيها ثلاث فرق : فرقة قاتلت من هذه الناحية، وفرقة قاتلت من هذه الناحية، وفرقة قعدت، والفقهاء اليوم على قولين : منهم من يرى القتال من ناحية علي - مثل أكثر المصنفين - لقتال البغاة، ومنهم من يرى الإمساك، وهو المشهور من قول أهل المدينة وأهل الحديث، والأحاديث الثابتة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أمر هذه الفتنة توافق قول هؤلاء، ولهذا كان المصنفون لعقائد أهل السنة والجماعة يذكرون فيه ترك القتال في الفتنة والإمساك عما شجر بين الصحابة، ثم إن أهل المدينة يرون قتال من خرج عن الشريعة كالحرورية وغيرهم، ويفرقون بين هذا وبين القتال في الفتنة، وهو مذهب فقهاء الحديث، وهذا هو الموافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين فإنه قد ثبت عنه الحديث في الخوارج من عشرة أوجه خرجها مسلم في صحيحه وخرج البخاري بعضها...وقد ثبت اتفاق الصحابة على قتالهم وقاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وذكر فيهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المتضمنة لقتالهم، وفرح بقتلهم وسجد لله شكرا لما رأى أباهم مقتولا، وهو ذو الثدية، بخلاف ما جرى يوم الجمل وصفين؛ فإن عليا لم يفرح بذلك بل ظهر منه من التألم والندم ما ظهر، ولم يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك سنة بل ذكر أنه قاتل باجتهاده، فأهل المدينة اتبعوا السنة في قتال المارقين من الشريعة، وترك القتال في الفتنة، وعلى ذلك أئمة أهل الحديث، بخلاف من سوى بين قتال هؤلاء وهؤلاء، بل سوى بين قتال هؤلاء وقتال الصديق لمانعي الزكاة، فجعل جميع هؤلاء من باب البغاة كما فعل ذلك من فعله من المصنفين في قتال أهل البغي؛ فإن هذا جمع بين ما فرق الله بينهما، وأهل المدينة والسنة فرقوا بين ما فرق الله بينه، واتبعوا النص الصحيح، والقياس المستقيم العادل ؛ فإن القياس الصحيح من العدل وهو : التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المتخالفين، وأهل المدينة أحق الناس باتباع النص الصحيح والقياس العادل).
المعنى الثالث: سل السيف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الذي عناه الإمام أبو الحسن الأشعري ـ في مقالات الإسلاميين (1/451) ـ (واختلف الناس في السيف على أربعة أقاويل :
1 ـ فقالت المعتزلة والزيدية والخوارج وكثير من المرجئة ذلك واجب إذا أمكننا أن نزيل بالسيف أهل البغي ونقيم الحق واعتلوا بقول الله عز و جل {وتعاونوا على البر والتقوى} وبقوله {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} واعتلوا بقول الله عز وجل {لا ينال عهدي الظالمين}
2 ـ وقالت الروافض بإبطال السيف ولو قتلت حتى يظهر الإمام فيأمر بذلك.
3 ـ وقال أبو بكر الأصم ومن قال بقوله السيف إذا اجتمع على إمام عادل يخرجون معه فيزيل أهل البغي.
4 ـ وقال قائلون السيف باطل ولو قتلت الرجال وسبيت الذرية، وأن الإمام قد يكون عادلا ويكون غير عادل، وليس لنا إزالته وإن كان فاسقا وأنكروا الخروج على السلطان ولم يروه وهذا قول أصحاب الحديث).
ولم يستوعب الأشعري المقالات هنا وقد استوعبها أبو محمد ابن حزم وفصل القول فيها وبيان حججها ـ في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/132) ـ فقال:
(الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : قال أبو محمد اتفقت الأمة كلها على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا خلاف من أحد منهم لقول الله تعالى {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} ثم اختلفوا في كيفيته:
1 ـ فذهب بعض أهل السنة من القدماء من الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم وهو قول أحمد بن حنبل وغيره وهو قول سعد بن أبي وقاص وأسامة ابن زيد وابن عمر ومحمد بن مسلمة وغيرهم إلى أن الفرض من ذلك إنما هو بالقلب فقط ولا بد، وباللسان إن قدر على ذلك، ولا يكون باليد ولا بسل السيوف ووضع السلاح أصلا، وهو قول أبي بكر ابن كيسان الأصم، وبه قالت الروافض كلهم ولو قتلوا كلهم إلا أنها لم تر ذلك إلا ما لم يخرج الناطق فإذا خرج وجب سل السيوف حينئذ معه، وإلا فلا، واقتدى أهل السنة في هذا بعثمان رضي الله عنه، وممن ذكرنا من الصحابة رضي الله عنهم، وبمن رأى القعود منهم، إلا أن جميع القائلين بهذه المقالة من أهل السنة إنما رأوا ذلك ما لم يكن عدلا، فإن كان عدلا وقام عليه فاسق وجب عندهم بلا خلاف سل السيوف مع الإمام العدل، وقد روينا عن ابن عمر أنه قال لا أدري من هي الفئة الباغية ولو علمنا ما سبقتني أنت ولا غيرك إلى قتالها.
قال أبو محمد وهذا الذي لا يظن بأولئك الصحابة رضي الله عنهم غيره.
2 ـ وذهبت طوائف من أهل السنة وجميع المعتزلة وجميع الخوارج والزيدية إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك، قالوا فإذا كان أهل الحق في عصابة يمكنهم الدفع ولا ييئسون من الظفر ففرض عليهم ذلك، وإن كانوا في عدد لا يرجون لقلتهم وضعفهم بظفر كانوا في سعة من ترك التغيير باليد، وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكل من معه من الصحابة، وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير وكل من كان معهم من الصحابة، وقول معاوية وعمرو والنعمان بن بشير وغيرهم ممن معهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وهو قول عبد الله بن الزبير ومحمد والحسن بن علي وبقية الصحابة من المهاجرين والأنصار والقائمين يوم الحرة رضي الله عن جميعهم أجمعين، وقول كل من قام على الفاسق الحجاج ومن والاه من الصحابة رضي الله عنهم جميعهم كأنس بن مالك وكل من كان ممن ذكرنا من أفاضل التابعين كعبد الرحمن ابن أبي ليلى وسعيد بن جبير وابن البحتري الطائي وعطاء السلمي الأزدي والحسن البصري ومالك بن دينار ومسلم بن بشار وأبي الحوراء والشعبي وعبد الله بن غالب وعقبة بن عبد الغافر وعقبة بن صهبان وماهان والمطرف بن المغيرة ابن شعبة وأبي المعد وحنظلة بن عبد الله وأبي شيخ الهنائي وطلق بن حبيب والمطرف بن عبد الله ابن الشخير والنضر بن أنس وعطاء بن السائب وإبراهيم بن يزيد التيمي وأبي الهوجاء وجبلة بن زحر وغيرهم، ثم من بعد هؤلاء من تابعي التابعين ومن بعدهم كعبد الله بن عبد العزيز ابن عبد الله بن عمر وكعبد الله بن عمر ومحمد بن عجلان، ومن خرج مع محمد بن عبد الله بن الحسن وهاشم بن بشر ومطر، ومن أخرج مع إبراهيم بن عبد الله، وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء كأبي حنيفة والحسن بن حيي وشريك ومالك والشافعي وداود وأصحابهم.
فإن كل من ذكرنا من قديم وحديث إما ناطق بذلك في فتواه وإما الفاعل لذلك بسل سيفه في إنكار ما رآه منكرا.
قال أبو محمد احتجت الطائفة المذكورة أولا بأحاديث فيها أنقاتلهم يا رسول الله؟ قال (لا ما وصلوا) وفي بعضها (إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان) وفي بعضها وجوب الصبر وإن ضرب ظهر أحدنا وأخذ ماله، وفي بعضها (فإن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فاطرح ثوبك على وجهك وقل إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار) وفي بعضها (كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل) وبقوله تعالى {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر} الآية.
قال أبو محمد كل هذا لا حجة لهم فيه لما قد تقصيناه غاية التقصي خبرا خبرا بأسانيدها ومعانيها في كتابنا الموسوم بـ (الاتصال إلى فهم معرفة الخصال) ونذكر منه إن شاء الله هاهنا جملا كافية، أما أمره صلى الله عليه وسلم بالصبر على أخذ المال وضرب الظهر فإنما ذلك بلا شك إذا تولى الإمام ذلك بحق، وهذا ما لا شك فيه أنه فرض علينا الصبر له، وإن من امتنع من ذلك بل من ضرب رقبته إن وجب عليه، فهو فاسق عاص لله تعالى، وأما إن كان ذلك بباطل فمعاذ الله أن يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر على ذلك، برهان هذا قول الله عز وجل {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} وقد علمنا أن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخالف كلام ربه تعالى قال الله عز وجل {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} وقال تعالى {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} فصح أن كل ما قاله رسول الله صلى الله عليه و سلم فهو وحي من عند الله عز وجل ولا اختلاف فيه ولا تعارض ولا تناقض, فإذا كان هذا كذلك فيقين لا شك فيه يدري كل مسلم أن أخذ مال مسلم أو ذمي بغير حق وضرب ظهره بغير حق إثم وعدوان وحرام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم) فإذ لا شك في هذا ولا اختلاف من أحد من المسلمين، فالمسلم ماله للآخذ ظلما، وظهره للضرب ظلما، وهو يقدر على الامتناع من ذلك بأي وجه أمكنه، معاون لظالمه على الإثم والعدوان، وهذا حرام بنص القرآن، وأما سائر الأحاديث التي ذكرنا وقصة ابني آدم فلا حجة في شيء منها، أما قصة ابني آدم فتلك شريعة أخرى غير شريعتنا، قال الله عز وجل {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا}، وأما الأحاديث فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده إن استطاع فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ليس وراء ذلك من الإيمان شيء) وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا طاعة في معصية إنما الطاعة في الطاعة) (وعلى أحدكم السمع والطاعة ما لم يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) وأنه عليه السلام قال (من قتل دون ماله فهو شهيد، والمقتول دون دينه شهيد، والمقتول دون مظلمة شهيد) وقال عليه السلام (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله بعذاب من عنده) فكان ظاهر هذه الأخبار معارضا للآخر فصح أن إحدى هاتين الجملتين ناسخة للأخرى، لا يمكن غير ذلك، فوجب النظر في أيهما هو الناسخ، فوجدنا تلك الأحاديث التي منها النهي عن القتال موافقة لمعهود الأصل، ولما كانت الحال فيه في أول الإسلام بلا شك، وكانت هذه الأحاديث الأخر واردة بشريعة زائدة وهي القتال، هذا ما لا شك فيه، فقد صح نسخ معنى تلك الأحاديث ورفع حكمها، حين نطقه عليه السلام بهذه الأخر بلا شك، فمن المحال المحرم أن يؤخذ بالمنسوخ ويترك الناسخ، وأن يؤخذ الشك ويترك اليقين، ومن ادعى أن هذه الأخبار بعد أن كانت هي الناسخة فعادت منسوخة فقد ادعى الباطل وقفا ما لا علم له به، فقال على الله ما لم يعلم وهذا لا يحل، ولو كان هذا لما أخلا الله عز و جل هذا الحكم عن دليل وبرهان يبين به رجوع المنسوخ ناسخا لقوله تعالى في القرآن {تبيانا لكل شيء}.
وبرهان آخر وهو أن الله عز وجل قال {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء} لم يختلف مسلمان في أن هذه الآية التي فيها فرض قتال الفئة الباغية محكمة غير منسوخة، فصح أنها الحاكمة في تلك الأحاديث، فما كان موافقا لهذه الآية فهو الناسخ الثابت، وما كان مخالفا لها فهو المنسوخ المرفوع، وقد ادعى قوم أن هذه الآية وهذه الأحاديث في اللصوص دون السلطان.
قال أبو محمد وهذا باطل متيقن لأنه قول بلا برهان، وما يعجز مدع أن يدعي في تلك الأحاديث أنها في قوم دون قوم، وفي زمان دون زمان، والدعوى دون برهان لا تصح، وتخصيص النصوص بالدعوى لا يجوز، لأنه قول على الله تعالى بلا علم، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سائلا سأله عن من طلب ماله بغير حق؟ فقال عليه السلام (لا تعطه) قال فإن قاتلني؟ قال (قاتله) قال فإن قتله؟ قال (إلى النار) قال فإن قتلني؟ قال (فأنت في الجنة)، وصح عنه عليه السلام أنه قال (المسلم أخو المسلم لا يسلبه ولا يظلمه) وقد صح أنه عليه السلام قال في الزكاة (من سألها على وجهها فليعطها ومن سألها على غير وجهها فلا يعطها) وهذا خبر ثابت عن أنس بن مالك عن أبي بكر الصديق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يبطل تأويل من تأول أحاديث القتال عن المال على اللصوص، لأنهم لا يطلبون الزكاة، وإنما يطلبها السلطان، فاقتصر عليه السلام معها إذا سألها على غير ما أمر به عليه السلام.
قال أبو محمد وما اعترضوا به من فعل عثمان فما علم قط أنه يقتل، وإنما كان يراهم يحاصرون فقط، وهم لا يرون هذا اليوم للإمام العدل، بل يرون القتال معه ودونه فرضا، فلا حجة لهم في أمر عثمان رضي الله عنه.
وقال بعضهم أن في القيام إباحة الحريم وسفك الدماء وأخذ الأموال وهتك الأستار وانتشار الأمر!
فقال لهم الآخرون كلا لأنه لا يحل لمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر أن يهتك حريما، ولا أن يأخذ مالا بغير حق، ولا أن يتعرض لمن لا يقاتله، فإن فعل شيئا من هذا فهو الذي فعل ما ينبغي أن يغير عليه، وإما قتاله أهل المنكر قلوا أو كثروا فهذا فرض عليه، وأما قتل أهل المنكر الناس، وأخذهم أموالهم، وهتكهم حريمهم، كله من المنكر الذي يلزم الناس تغييره، وأيضا فلو كان خوف ما ذكروا مانعا من تغيير المنكر ومن الأمر بالمعروف لكان هذا بعينه مانعا من جهاد أهل الحرب، وهذا ما لا يقوله مسلم، وإن أدى ذلك إلى سبي نساء المؤمنين وأولادهم، وأخذ أموالهم، وسفك دمائهم، وهتك حريمهم، ولا خلاف بين المسلمين في أن الجهاد واجب مع وجود هذا كله، ولا فرق بين الأمرين، وكل ذلك جهاد ودعاء إلى القرآن والسنة.
قال أبو محمد: ويقال لهم ما تقولون في سلطان جعل اليهود أصحاب أمره، وألزم المسلمين الجزية، وحمل السيف على أطفال المسلمين، وأباح المسلمات للزنا، وحمل السيف على كل من وجد من المسلمين، وملك نساءهم وأطفالهم، وأعلن العبث بهم، وهو في كل ذلك مقر بالإسلام معلنا به لا يدع الصلاة؟
فإن قالوا لا يجوز القيام عليه، وأجازوا الصبر على هذا، خالفوا الإسلام جملة، وانسلخوا منه.
وإن قالوا بل يقام عليه ويقاتل، وهو قولهم، قلنا لهم فان قتل تسعة أعشار المسلمين أو جميعهم إلا واحد منهم، وسبى من نسائهم كذلك، وأخذ من أموالهم كذلك، فان منعوا من القيام عليه تناقضوا، وان أوجبوا سألناهم عن أقل من ذلك، ولا نزال نحيطهم إلى أن نقف بهم على قتل مسلم واحد أو على امرأة واحدة، أو على أخذ مال أو على انتهاك بشرة بظلم، فان فرقوا بين شيء من ذلك تناقضوا وتحكموا بلا دليل، وهذا مالا يجوز، وان أوجبوا إنكار كل ذلك رجعوا إلى الحق.
ونسألهم عمن غصب سلطانه الجائر الفاجر زوجته وابنته وابنه ليفسق بهم أو ليفسق به بنفسه، أهو في سعة من إسلام نفسه وامرأته وولده وابنته للفاحشة أم فرض عليه أن يدفع من أراد ذلك منهم؟
فإن قالوا فرض عليه إسلام نفسه وأهله أتوا بعظيمة لا يقولها مسلم، وان قالوا بل فرض عليه أن يمتنع من ذلك ويقاتل رجعوا إلى الحق ولزم ذلك كل مسلم في كل مسلم وفي المال كذلك.
قال أبو محمد : والواجب إن وقع شيء من الجور وإن قل أن يكلم الإمام في ذلك، ويمنع منه، فان امتنع وراجع الحق، وأذعن للقود من البشرة، أو من الأعضاء، ولإقامة حد الزنا والقذف والخمر عليه، فلا سبيل إلى خلعه، وهو إمام كما كان، لا يحل خلعه، فان امتنع من إنفاذ شيء من هذه الواجبات عليه، ولم يراجع، وجب خلعه، وإقامة غيره ممن يقوم بالحق، لقوله تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} ولا يجوز تضييع شيء من واجبات الشرائع).
المعنى الرابع : سل السيف على الأئمة من المسلمين، والخروج عليهم ونزع طاعتهم، وهو على قسمين :
الأول : الخروج على إمام عادل اختارته الأمة بالرضا والشورى، أو عهد إليه بالأمر فرضيته الأمة وظهر عدله، أو إمام تصدى للأمر والأمة في حال فوضى واضطراب حتى جمعها ولم شعثها ووحدها وظهر عدله وفضله ورضيته الأمة، فهذا الذي أجمع أهل السنة وسلف الأمة على تحريم الخروج عليه بأي حال من الأحوال، وأنه إن ضعف أو عجز أو طرأ عليه ما أخرجه عن حد العدالة، فالأمة هي التي تعزله بلا سيف ولا فتنة، وكل من خرج على الإمام الشرعي العادل الذي أجمعت عليه الأمة ورضيت به فهو خارجي، كما قال الشهرستاني ـ في الملل والنحل (1/ 113) ـ (كل من خرج عن الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيا، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين، أو كان بعدهم على التابعين بإحسان والأئمة في كل زمان).
الثاني : الخروج على الإمام الجائر، كما قال الطحاوي (ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا، ولا ننزع يدا من طاعتهم، ما لم يأمروا بمعصية).
والإمام الجائر هو كل من اغتصب الإمامة قهرا بالسيف بلا رضا الأمة ولا شورها، أو من اختارته الأمة ثم جار عليها وتتابع ظلمه حتى غلب على أحواله ولم تستطع عزله إلا بالسيف والقتال، وهذا هو الذي اختلف فيه أهل السنة والجماعة كما اختلف فيه سلف الأمة، ومنهم من يجري الخلاف في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هنا، والصحيح أن هذه المسألة أخص من مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأشد خطرا، ويجري فيها النظر الفقهي والمصلحي أكثر من النظر العقائدي.
قال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني الشافعي (ت 478هـ) ـ كما في غياث الأمم (ص126) :(الخلع إلى من إليه العقد [أي أهل الحل والعقد]) ثم قال عن طروء تغيّير على حال الإمام :
(فأما إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وتعطلت الحقوق والحدود، وارتفعت الصيانة، ووضحت الخيانة، واستجرأ الظلمة، ولم يجد المظلوم منتصفا ممن ظلمه، وتداعى الخلل إلى عظائم الأمور، وتعطيل الثغور، فلابد من استدراك هذا الأمر المتفاقم، وذلك أن الإمامة إنما تعنى لنقيض هذه الحالة، فإذا أفضى الأمر إلى خلاف ما تقتضيه الزعامة والإيالة ـ أي السياسة ـ فيجب استدراكه لا محالة، وترك الناس سدى ملتطمين لا جامع لهم على الحق والباطل أجدى لهم من تقريرهم على اتباع ونصب من هو عون الظالمين، وملاذ الغاشمين، ومعتصم المارقين، فإن تيسر نصب إمام مستجمع للخصال المرضية تعين البدار إلى اختياره، وإن علمنا أنه لا يتأتى نصب إمام دون إراقة دماء، ومصادمة أهوال، وإهلاك أنفس، ونزف أموال، فالوجه أن يقاس ما الناس مدفوعون إليه، فإن كان الواقع الناجز أكثر [ضررًا] مما يقدر وقوعه، فيجب احتمال المتوقع لدفع البلاء الناجز، ومبنى هذا على طلب مصلحة المسلمين وارتياد الأنفع لهم، واعتماد خير الشرين إذا لم يتمكن من دفعهما جميعًا، فالمتصدي للإمامة إذا عظمت جنايته، وكثرت عاديته، وتتابعت عثراته، وخيف بسببه ضياع البيضة، وتبدد دعائم الإسلام، ولم نجد من ننصبه للإمامة حتى ينتهض لدفعه حسب ما يدفع البغاة، فإن اتفق رجل مطاع، ذو أتباع وأشياع، يقوم محتسبًا آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، وانتصب لكفاية المسلمين ما دفعوا إليه، فليمض في ذلك والله نصيره).
بل إن الفقهاء اختلفوا في الإمام العدل إذا فقد شرطا من شروط الإمامة كالاجتهاد هل تصح إمامته أم لا؟ وهل تجب طاعته أم لا؟ دع عنك شرط العدالة!
كما قال الإمام الغزالي (ت 555) ـ في الاقتصاد في الاعتقاد (ص77) ـ في مسألة ما إذا مات الإمام ولم تستطع الأمة انتخاب خليفة له بالشورى والاختيار، واضطربت أحوالها، وتصدى للأمر ذو كفاية واقتدار، وجمع شملها إلا أنه فاقد لشرط الاجتهاد:
(فإن قيل: فإن كان المقصود حصول ذي رأي مطاع يجمع شتات الآراء ويمنع الخلق من المحاربة والقتال ويحملهم على مصالح المعاش والمعاد، فلو انتهض لهذا الأمر من فيه الشروط كلها سوى شروط القضاء، ولكنه مع ذلك يراجع العلماء ويعمل بقولهم فماذا ترون فيه، أيجب خلعه ومخالفته أم تجب طاعته ؟ قلنا: الذي نراه ونقطع أنه يجب خلعه إن قدر على أن يستبدل عنه من هو موصوف بجميع الشروط من غير إثارة فتنة وتهييج قتال، وإن لم يكن ذلك إلا بتحريك قتال وجبت طاعته وحكم بإمامته، لأن ما يفوتنا من المصارفة بين كونه عالماً بنفسه أو مستفتياً من غيره دون ما يفوتنا بتقليد غيره إذا افتقرنا إلى تهييج فتنة لا ندري عاقبتها، وربما يؤدي ذلك إلى هلاك النفوس والأموال، وزيادة صفة العلم إنما تراعى مزية وتتمة للمصالح فلا يجوز أن يعطل أصل المصالح في التشوق إلى مزاياها وتكملاتها).
وقد سبق تعريف الخلافة وأنها رئاسة عامة للإمام على الأمة بالشورى والرضا والاختيار، وقد أجمعت الأمة على اشتراط العدالة ابتداء عند اختيار الإمام، ولا خلاف بين الأئمة وسلف الأمة أنه يشترط فيمن يترشح لها أن يكون مسلما عدلا كفؤا، والعدالة وصف قائم بمن اتصف بها تتمثل في أدائه للواجبات، واجتنابه المحرمات، واشتهاره بالصدق والأمانة، وحسن السيرة والصيانة، وكذلك هي شرط أثناء قيامه بأعباء الإمامة، وإنما اختلف أهل السنة فيمن طرأ عليه الفسق وخرج عن حد العدالة بجور أو فجور، هل يخرج بذلك عن كونه إماما؟ أم لا بد للأمة من عزله؟ وإذا لم تفعل أو لم تستطع هل يظل إماما واجب الطاعة؟ وهل يجب الخروج عليه بالسيف؟
ففي حال السعة والاختيار وقدرة الأمة على إقامة حكم الله في الإمام فالواجب هو ما ذكره ابن حزم من أنه يخاطب الإمام بذلك ليقام عليه الحق أو الحد، فإن نفذ ذلك عليه فهو على إمامته ورئاسته، إذ حكم الله فوق الحاكم والمحكوم والجميع تحت حكم الشريعة سواء، كما قال عبد القاهر البغدادي في أصول الدين (ص 378) (فمتى أقام الإمام في الظاهر على موافقة الشريعة كان أمره في الإمامة منتظما، ومتى زاغ عن ذلك كانت الأمة عيارا عليه في العدول به من خطئه إلى الصواب، أو في العدول عنه إلى غيره، وسبيلهم معه فيها كسبيله مع خلفائه وقضاته وعماله وسعاته إن زاغوا عن سننه عدل بهم أو عدل عنهم).
أي أن الأمة قيم على الإمام تراقبه وتقومه وتحتسب عليه فإن زاغ وجار عن الحق كانت الأمة عيارا عليه وحكما فيه، فتعدله عن الخطأ وترده إلى الصواب، أو تعدل عنه إلى غيره فتعزله، كما قال أبو بكر (فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم).
والأمة مع الإمام في محاسبتها لها كوكيل عنها كالإمام مع نوابه ومساعديه كوكلاء عنه، فإن زاغوا ومالوا عن الحق كان للإمام أن يصرفهم إلى الحق أو يصرفهم من المسئولية ويأتي بغيرهم، فالإمام مسئول عن وكلائه وتصرفاته لأنه اختارهم، والأمة مسئولة عن الإمام وتصرفاته لأنها التي تختاره.
أما في حال الضيق والاضطرار إذا كان الإمام قاهرا للأمة مغتصبا للسلطة بحيث لا تستطيع الأمة أن تخاطبه فهذه مواطن اجتهاد ونظر وقد فصل أبو بكر الجصاص الفقيه والمفسر الحنفي في هذه المسألة أحسن تفصيل ـ في أحكام القرآن (1/86) ـ وذكر مذهب أبي حنيفة فقال في اشتراط العدالة ابتداء في الإمام :
(لم يخل قوله تعالى {لا ينال عهدي الظالمين} من أن يريد أن الظالمين غير مأمورين، أو أن الظالمين لا يجوز أن يكونوا بمحل من يقبل منهم أوامر الله تعالى وأحكامه، ولا يؤمنون عليها، فلما بطل الوجه الأول لاتفاق المسلمين على أن أوامر الله تعالى لازمة للظالمين كلزومها لغيرهم، وأنهم إنما استحقوا سمة الظلم لتركهم أوامر الله ثبت الوجه الآخر، وهو أنهم غير مؤتمنين على أوامر الله تعالى، وغير مقتدى بهم فيها، فلا يكونون أئمة في الدين، فثبت بدلالة هذه الآية بطلان إمامة الفاسق، وأنه لا يكون خليفة، وأن من نصب نفسه في هذا المنصب وهو فاسق لم يلزم الناس اتباعه ولا طاعته، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، ودل أيضا على أن الفاسق لا يكون حاكما ـ أي قاضيا ـ وأن أحكامه لا تنفذ إذا ولي الحكم، وكذلك لا تقبل شهادته، ولا خبره إذا أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا فتياه إذا كان مفتيا، وأنه لا يقدم للصلاة، وإن كان لو قدم واقتدى به مقتد كانت صلاته ماضية، فقد حوى قوله {لا ينال عهدي الظالمين} هذه المعاني كلها.
ومن الناس من يظن أن مذهب أبي حنيفة تجويز إمامة الفاسق وخلافته، وأنه يفرق بينه وبين الحاكم فلا يجيز حكمه، وذكر ذلك عن بعض المتكلمين وقد كذب في ذلك وقال بالباطل، ولا فرق عند أبي حنيفة بين القاضي وبين الخليفة في أن شرط كل واحد منهما العدالة، وأن الفاسق لا يكون خليفة، ولا يكون حاكما، كما لا تقبل شهادته ولا خبره لو روى خبرا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف يكون خليفة وروايته غير مقبولة، وأحكامه غير نافذة، وكيف يجوز أن يدعى ذلك على أبي حنيفة وقد أكرهه ابن هبيرة في أيام بني أمية على القضاء وضربه فامتنع من ذلك وحبس..).
ثم ذكر أبو بكر الجصاص مذهب أبي حنيفة في الإمام الجائر وإيجابه الخروج عليه فقال: (وكان مذهبه مشهورا في قتال الظلمة وأئمة الجور، ولذلك قال الأوزاعي احتملنا أبا حنيفة على كل شيء حتى جاءنا بالسيف يعني قتال الظلمة فلم نحتمله، وكان من قوله وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض بالقول، فإن لم يؤتمر له فبالسيف على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسأله إبراهيم الصائغ وكان من فقهاء أهل خراسان ورواة الأخبار ونساكهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال هو فرض، وحدثه بحديث عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتل) فرجع إبراهيم إلى مرو وقام إلى أبي مسلم صاحب الدولة فأمره ونهاه وأنكر عليه ظلمه وسفكه الدماء بغير حق، فاحتمله مرارا ثم قتله، وقضيته في أمر زيد بن علي مشهورة وفي حمله المال إليه وفتياه الناس سرا في وجوب نصرته والقتال معه، وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن، وقال لأبي إسحق الفزاري حين قال له لم أشرت على أخي بالخروج مع إبراهيم حتى قتل؟ قال مخرج أخيك أحب إلي من مخرجك، وكان أبو إسحق قد خرج إلى البصرة وهذا إنما أنكره عليه أغمار أصحاب الحديث الذين بهم فُقد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تغلب الظالمون على أمور الإسلام، فمن كان هذا مذهبه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كيف يرى إمامة الفاسق؟!).
ثم فسر أبو بكر الجصاص مذهب أبي حنيفة وأن التعامل بالواقعية السياسية لا تقتضي الاعتراف للإمام الجائر بالشرعية، حيث رد على من غلط على أبي حنيفة وأهل العراق ولم يفهم مذهبهم كيف يسوغون تولي القضاء للإمام الجائر (فإنما غلط من غلط في ذلك من جهة قوله وقول سائر من يعرف قوله من العراقيين أن القاضي إذا كان عدلا في نفسه فولي القضاء من قبل إمام جائر أن أحكامه نافذة وقضاياه صحيحة، وأن الصلاة خلفهم جائزة مع كونهم ـ أي الأئمة ـ فساقا وظلمة، وهذا مذهب صحيح ولا دلالة فيه على أن من مذهبه تجويز إمامة الفاسق، وذلك لأن القاضي إذا كان عدلا فإنما يكون قاضيا بأن يمكنه تنفيذ الأحكام وكانت له يد وقدرة على من امتنع من قبول أحكامه حتى يجبره عليها، ولا اعتبار في ذلك بمن ولاه، لأن الذي ولاه إنما هو بمنزلة سائر أعوانه وليس شرط أعوان القاضي أن يكونوا عدولا، ألا ترى أن أهل بلد لا سلطان عليهم لو اجتمعوا على الرضا بتولية رجل عدل منهم القضاء حتى يكونوا أعوانا له على من امتنع من قبول أحكامه لكان قضاؤه نافذا وإن لم يكن له ولاية من جهة إمام ولا سلطان، وعلى هذا تولى شريح وقضاة التابعين القضاء من قبل بني أمية، وقد كان شريح قاضيا بالكوفة إلى أيام الحجاج ...وقد كان الحسن وسعيد بن جبير والشعبي وسائر التابعين يأخذون أرزاقهم من أيدي هؤلاء الظلمة لا على أنهم كانوا يتولونهم ولا يرون إمامتهم، وإنما كانوا يأخذونها على أنها حقوق لهم في أيدي قوم فجرة، وكيف يكون ذلك على وجه موالاتهم وقد ضربوا وجه الحجاج بالسيف وخرج عليه من القراء أربعة آلاف رجل هم خيار التابعين وفقهاؤهم فقاتلوه مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بالأهواز ثم بالبصرة ثم بدير الجماجم من ناحية الفرات بقرب الكوفة وهم خالعون لعبد الملك بن مروان لاعنون لهم متبرئون منهم، فليس إذا في ولاية القضاء من قبلهم ولا أخذ العطاء منهم دلالة على توليتهم واعتقاد إمامتهم).
وهذا الذي ذكره الجصاص في مشروعية تولي القضاء للإمام الجائر حكم صحيح، والتعليل الصحيح له هو كون ولاية القاضي مستمدة من الولاية العامة للأمة، والخليفة والسلطان وكيل عنها، فتنفذ أحكام القاضي حتى لو بطلت ولاية الخليفة أو مات أو فقد، لأن الأمة وهي الأصيل موجودة لا تبطل ولايتها بحال من الأحوال، وهذا السبب الذي يفسر تولي كثير من أئمة التابعين لبعض أئمة الجور لأنهم يتولونه لصالح المسلمين وفي ولايتهم وشوكتهم ودولتهم، وأما الإمام فهو فرد منهم قد يتغير وتتقلب فيه الأحوال، وتبقى الأمة والدولة.
وما ذكره الجصاص عن أبي حنيفة وأهل العراق مشهور متواتر عنهم فلا يشكل عليه قول الطحاوي في عقيدته كما سبق عنه، إذ قول الطحاوي (ولو جاروا) أي لو وقع منهم جور على حد لا يخرجهم من وصف العدالة التي تغلب على أحوالهم.
وهذا هو أيضا مذهب مالك والشافعي وداود الظاهري وعامة فقهاء أهل السنة كما ذكره عنهم ابن حزم، وكما هو منصوص في كتب أصحابهم، وهو مشهور عن مالك وهو إمام أهل السنة والجماعة في عصره بلا منازع كما فصلته في الحرية أو الطوفان وتحرير الإنسان.
وأما أهل الحديث فقد قال الإمام الإسماعيلي ـ في اعتقاد أئمة الحديث (ص30) ـ (ويرون جهاد الكفار معهم، وإن كانوا جورة، ولا يرون الخروج بالسيف عليهم، ولا قتال الفتنة، ويرون قتال الفئة الباغية مع الإمام العادل، إذا كان ووجد على شرطهم في ذلك).
فهنا فصل الإسماعيلي بين ثلاثة أنواع من القتال : الأول قتال أئمة الجور ، والثاني القتال في الفتن، وهذان القسمان محرمان عند أهل الحديث.
والثالث القتال مع الإمام، وهنا فرق بين الجهاد معه في حرب الكفار فيجاهد معه مطلقا برا كان أو فاجرا، والقتال معه ضد البغاة والخارجين عليه، فهنا ذكر أنهم لا يرون القتال معه، بل لا يقاتلون إلا مع الإمام العدل بشروطه وهو أن يدعو البغاة إلى حكم الله ورسوله، فإن كان لهم مظلمة ردها، وإن كانت شبهة كشفها، فإن فاءوا وإلا جاز قتالهم إن لم يندفعوا إلا به.
وهذا الأمر يوافقه عليه عامة أهل السنة والجماعة من أئمة المذاهب الفقهية.
وقال أبو القاسم التيمي الأصبهاني (ت 535) ـ في الحجة في بيان المحجة (2/466) ـ (ومن مذهب أهل السنة: أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وإن كان منهم بعض الجور ما أقاموا الصلاة).
وهذه العبارة تختلف عن عبارة الإسماعيلي من وجهين :
الأول : أنه لم يتحدث عن الجورة وأئمة الجور، وإنما عن الأئمة إذا وقع منهم بعض الجور، وهذا لا يخالف فيه عامة أهل السنة والجماعة، وأن الإمام لا يجوز الخروج عليه لوقوع بعض الجور والظلم الذي لا يصل به إلى حد وصفه بإمام جائر، وهو من فشى ظلمه، وعم جوره، إذ حتى الإمام العدل قد يقع في سلطانه شيء من الجور، ولا يخرج به ذلك من حد العدالة الغالبة على أحواله، فلا يحل الخروج عليه بمجرد وقوع مثل ذلك، وهذه كعبارة الطحاوي (وإن جاروا).
الثاني : ترك الصلاة وهذا القيد ليس المقصود به حتى يكفر ـ إذ الخروج على الكافر وسقوط طاعته، واجب بالنص والإجماع وهو من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة القطعية كما سبق بيانه، إذ لا يتصور أن يجاهد المسلمون عدوهم الكافر الخارجي، والجهاد ماض عندهم إلى يوم القيامة، ويتركون الكافر الداخلي يحكمهم ويسوس أمورهم ـ وإنما نص الأصبهاني على الصلاة لحديث (لا ما صلوا) مع كون تارك الصلاة عند جمهور أهل السنة والجماعة مسلما عاصيا وليس كافرا، وقد سبق كلام شيخ الإسلام ابن تيمية على وجوب قتال الإمام إذا ترك الصلاة بناء على أن تركها كفر عند أحمد وطائفة من أهل السنة، بينما الجمهور يرون أنه مسلم عاص ومع ذلك يرون أنه إذا ترك الصلاة وجب الخروج عليه، أما إذا منع من الحكم بينهم بما أنزل الله وألزم القضاة أن يحكموا بين المسلمين بغير حكم الله فهنا تجاوز أمره ترك الصلاة التي هي عبادة خاصة بينه وبين ربه إلى تعطيل الشريعة كلها التي يلزم الأمة كلها التحاكم إليها طاعة لله ورسوله وتوحيدا لله جل جلاله بالعبودية والطاعة، وهذا أوجب للخروج عليه بلا خلاف بين المسلمين كلهم سنيهم وبدعيهم، كما سبق بيانه!
وكل ما سبق يؤكد أن هناك فرق بين :
1 ـ سل السيف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهم أهل القبلة جميعا فهذا محرم بإجماع أهل السنة والجماعة، وهو فعل الحرورية.
2ـ وسل السيف في الفتن بين المسلمين وهو محرم عند جمهور أهل السنة والجماعة وعليه أكثر الصحابة وأهل الحديث وأكثر الفقهاء.
3 ـ وسل السيف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لإزالة المنكر دون السلطان إذا لم يغيره الإمام، وقد منع منه بعض السلف وأحمد بن حنبل وأكثر أهل الحديث، وخالفهم أكثر السلف من الصحابة ومن بعدهم من أئمة أهل السنة فرأوا وجوب تغيير المنكر بالقوة إذا لم يمنعه الإمام كما نقله عنهم ابن حزم.
مع أن التحقيق والصحيح هو أن مذهب أحمد موافق لمذهب باقي الأئمة في جواز قتال الرجل دون نفسه ومحارمه إذا أريد بظلم، كما يرى جواز تغيير المنكر باليد دون استخدام السيف، كما حرره ابن رجب في الآداب الشرعية وغيره من المحققين في المذهب.
4 ـ وسل السيف على الإمام الجائر وخلعه وهي فرع المسألة الثالثة، والخلاف فيها مشهور بين أئمة أهل السنة، فمن منع منه ـ كأحمد بن حنبل ـ فلأنه عده من القتال في الفتن، ومن أوجبه أو أجازه ـ كأبي حنيفة ومالك والشافعي وداود الظاهري ـ فلأنه من النهي عن المنكر، هذا إذا كان تغيير الجائر لا يكون إلا بالقوة، أما إذا كانت الأمة من القوة والقدرة بالمكان الذي يؤهلها من عزله بلا قتال فلا خلاف بينهم جميعا على وجوب عزله وتولية العدل، وهذا كله في ظل خلافة الإسلام وظهور الأحكام.
وكل ما سبق ذكره من أصول عقائدية سياسية عند أهل السنة والجماعة تم طمسها وتغييبها، في عصور التخلف والانحطاط، وبلغ ذروته بعد سقوط بغداد على يد المغول، وذهب العلم ودرست معالمه، وتعطلت علومه ومدارسه، وبدأ الانحراف والتطرف يزداد في خطاب الطوائف السنية، الفقهية والحديثية والصوفية، حتى تصدى لها شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو ما سنفصل القول فيه لاحقا فللحديث بقية!