الأصول
السياسية
والعقيدة
الغائبة (3)
بقلم د. حاكم المطيري
سبق تفصيل القول في الأصل السياسي
الأول عند أهل السنة والجماعة وهو المرتبط بالإمامة والخلافة والدولة وهذا أوان
الشروع في الأصل الثاني وبيان أحكامه عندهم:
الأصل السياسي الثاني:
إثبات إسلام أهل القبلة بجميع طوائفهم، وعدم إكفارهم، وتحريم استحلال دمائهم
وأموالهم، والشهادة لهم بالإسلام، والعدل معهم في الأحكام، والسمع والطاعة للأئمة
منهم، والصلاة في الجمع والجماعات والأعياد خلفهم، والجهاد معهم.
فهذا هو الأصل السياسي العقائدي
الثاني من أصول أهل السنة والجماعة التي أجمعوا عليها، كما ثبتت بنصوص الكتاب
والسنة وإجماع سلف الأمة، وقد صاروا ينصون على هذا الأصل العظيم في مؤلفاتهم
العقائدية تمييزا لهم عمن خالفهم فيه من أهل الأهواء الذين يبتدعون الرأي، ثم
يفارقون الأمة، ثم يكفرون من خالفهم، ثم يرون السيف عليهم، كما هو شأن الخوارج
الذين كفروا المسلمين واستحلوا قتالهم ودماءهم وأموالهم، وكذا الإمامية الذين
قالوا بالنص في الإمامة وكفروا الصحابة وكفروا من لا يؤمن بنظرية النص على علي
وأبنائه!
وقد كان من شأن هذه العقيدة
الدينية الشرعية السياسية عند أهل السنة وسلف الأمة، أن حافظت على وحدة الأمة
السياسية من جهة، وصانت الخلافة والدولة من السقوط من جهة أخرى، وحالت دون الحروب
الطائفية الداخلية من جهة ثالثة، حيث التزم عامة الأمة وعموم المسلمين من أهل
السنة والجماعة بهذا الأصل، فلم يؤثر على الدولة والخلافة الإسلامية تخلي الفرق
الصغيرة عن نصرتها والوقوف معها في وجه الأعداء الخارجيين، فلم تتعطل الفتوح، ولم
يتوقف الجهاد، ولم تتعطل الجمع والحج والجماعات، حتى في ظل وصول المعتزلة للسلطة
والخلافة في عهد المأمون والمعتصم والواثق، ولهذا كانت الفتوحات، والتاريخ
الإسلامي، والحضارة الإسلامية، هي فتوحات الخلافة وانجازاتها وتاريخها وحضارتها،
وتاريخ سلف الأمة، وأهل السنة والجماعة، وهم عموم الأمة، منذ الخلافة الراشدة، ثم
الخلافة الأموية، ثم الخلافة العباسية، ثم الخلافة العثمانية!
قال ابن حزم في الفصل في الملل
والأهواء والنحل (4/171): (واعلموا أن جميع فرق الضلالة لم يجر الله على أيديهم
خيرا، ولا فتح بهم من بلاد الكفر قرية، ولا رفع للإسلام بهم راية، وما زالوا يسعون
في قلب نظام المسلمين، ويفرقون كلمة المؤمنين، ويسلون السيف على أهل الدين، ويسعون
في الأرض مفسدين).
وقال أبو المظفر طاهر الإسفرائيني في
كتابه التبصير في الدين (1/195): (وأما أنواع الاجتهادات الفعلية التي مدارها على
أهل السنة والجماعة في بلاد الإسلام فمشهورة مذكورة، ومن آثارهم الاجتهادية سدهم
ثغور الإسلام، والمرابطة بها في أطراف الأرض، مثل ثغور الروم، وثغور أرمينية،
وانسداد جميعها ببركات أصحاب الحديث، وأما ثغور بلاد الترك فمشتركة بين أهل الحديث
والرأي، وليس لأهل الأهواء في شيء من الثغور مرابطة، ولا أثر ظاهر، بل هم أشد
ضلالة، فبان لك بما ذكرناه من مساعي أهل السنة والجماعة في العلوم والاجتهادات
أنهم أهل الاجتهاد والجهاد، والجهاد في الدين يكون تارة بإقامة الحجة في الدعوة
إلى المحجة، ويكون تارة باستعمال السيف مع المجاهدين ضد أهل الخلاف من الأعداء،
وببذل الأموال والمهج، وقد خص الله تعالى فيهم قوله {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم
سبلنا وإن الله لمع المحسنين}).
وفي الوقت الذي كان أهل
السنة وعامة الأمة يسهمون في الفتوحات التاريخية، ويواجهون الغزو الخارجي، ويوجبون
ذلك على الأمة، في جميع الأحول، مهما وقع انحراف في السلطة مراعاة للمصالح الكلية،
كانت الفرق الأخرى تشتغل في إشعال الفتن الداخلية، والاضطرابات، أو الاعتزال في
أحسن الأحوال، فلا جهاد دفع، ولا جهاد فتح، بدعوى جور الأئمة أو كونهم مبتدعة، أو
انتظارا للمهدي الغائب!
وقد كانت هذه القضية ثمرة من ثمار
الموقف من فاعل الكبيرة، ومن صاحب البدعة، وهل هو مسلم أم كافر؟ وهل يصلى خلفه أم
لا؟ وهل يجاهد معه؟ وهل يسمع له ويطاع إذا كان إماما أو أميرا؟ ..الخ
ولهذا عالج أئمة أهل السنة كل هذه
القضايا من منظور الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، حيث استطاعوا الجمع بين
صحيح المنقول وصريح المعقول، وما يتوافق مع سنن الله الاجتماعية في قيام الدول
والأمم بالعدل والحكمة التي جاء بها الشرع، فكانوا أقدر على التوفيق بين النصوص وموافقة
ما تقضي به العقول في سياسة الأمة، من المعتزلة الذين قدموا حجج العقول بزعمهم،
وقالوا بالإرادة الحرة للإنسان، فلما ساسوا شئون الأمة فإذا هم أبعد الناس عن
العقل والسياسة في إدارة شئون الأمة، فامتحنوا الأمة في عقيدتها، وسجنوا علماءها،
وعذبوهم، وكفروهم، وحرموهم أرزاقهم، ليحملوهم على القول بخلق القرآن، فكان التناقض
صارخا بين إيمانهم بالقدر والإرادة الحرة من جهة وممارساتهم السياسية التي صادرت
حرية الرأي والاعتقاد من جهة أخرى، وكانت عقولهم مع دعواهم الاحتجاج بالمعقول أعجز
من الاهتداء إلى الحق في باب حسن سياسة الأمة بالعدل والقسط، وكان أثر فقه أئمة
السنة والمدرسة النقلية على الأمة ووحدتها والمحافظة على خلافتها ودولتها في هذه
الفتن الداخلية خيرا من أثر أصحاب المدرسة العقلية!
ويمكن إيجاز هذه القضية في أربع مسائل
رئيسة:
المسألة الأولى: إثبات
إسلام أهل القبلة أجمعين وعدم إكفار المخالفين من المسلمين:
وقد بنى أئمة أهل السنة والجماعة هذه
المسألة على قولهم بأن الإيمان اعتقاد وقول وعمل يزيد وينقص كما ثبت بنصوص الكتاب
والسنة وإجماع سلف الأمة فقد قال تعالى {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} فأثبت
لهم وصف الإيمان مع وقوعهم في كبيرة من الكبائر وهي الاقتتال فيما بينهم، وقال
تعالى {ليزدادوا إيمانا} فأثبت زيادة الإيمان ونقصانه بزيادة الأعمال الصالحة
ونقصانها، وجاءت الحدود الشرعية كفارات لما يقع به المؤمنون من المعاصي والذنوب،
وكما جاء في الصحيح (كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) وقال تعالى {إن الله
لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وكل ذلك يؤكد أن المسلم والمؤمن
بشر تقع منه المعاصي والذنوب ولا يخرجه ذلك من دائرة الإسلام والإيمان إذا جاء
بالأصول والأركان.
وعليه فمن ثبت إسلامه بيقين
لم يخرج منه إلا بيقين، وثبتت له جميع حقوق المسلمين على المسلمين،وقد خالف في
ذلك الخوارج الذين كفروا كل من لم يقل بقولهم، وكفروا أهل الذنوب والكبائر، حتى
كفروا علي بن أبي طالب ومعاوية والصحابة الذين اقتتلوا في الجمل والصفين، وكذا كفر
الشيعة الإمامية الصحابة كلهم إلا نفرا، بدعوى مخالفتهم أصلا من أصول الدين عندهم
وهو إثبات إمامة علي ومن بعده، وقالت المعتزلة بأن من فعل كبيرة هو في منزلة بين
المنزلتين لا كافر ولا مسلم، وهو في الآخرة خالد في النار، وقد تصدى أئمة أهل
السنة لهذه الآراء المتطرفة المخالفة لهدايات الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة:
قال سفيان الثوري إمام أهل الحديث
والسنة في عصره (ت160هـ) في بيان اعتقاد أهل السنة ـ (كما في الشريعة للآجري
5/279) ـ (ولا يكفرون أحدا بذنب، ولا يشهدون عليه بشرك).
وكذا نقل الإمام الطحاوي (ت 321) في
عقيدته عن إمام أهل الرأي أبي حنيفة وعن صاحبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن قولهم
(ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب
لمن عمله... ونرى الصلاة على من مات منهم).
وقال أحمد بن حنبل (ومن مات من أهل
القبلة موحدا يصلى عليه، ويستغفر له، ولا تترك الصلاة عليه لذنب أذنبه صغيرا كان
أو كبيرا، وأمره إلى الله عز وجل).
ونقل إمام المحدثين محمد بن إسماعيل
البخاري (ت 256) ـ كما في اعتقاد أهل السنة للآلكائي (1/173) ـ إجماع أئمة أهل
السنة والجماعة على هذا القول فقال (لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم أهل الحجاز
ومكة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومصر لقيتهم فما رأيت واحدا
منهم يختلف في هذه الأشياء... ولم يكونوا يكفرون أحدا من أهل القبلة بالذنب لقوله
{إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج
السنة (5/95) (من شأن أهل البدع أنهم يبتدعون أقوالا يجعلونها واجبة في الدين، بل
يجعلونها من الإيمان الذي لا بد منه، ويكفِّرون من خالفهم فيها، ويستحلُّون دمه،
كفعل الخوارج والجهمية والرافضة والمعتزلة وغيرهم، وأهل السنة لا يبتدعون قولاً،
ولا يكفِّرون من اجتهد فأخطأ، وإن كان مخالفًا لهم، مكفرًا لهم، مستحلاً لدمائهم،
كما لم تكفِّر الصحابة الخوارج، مع تكفيرهم لعثمان وعليّ ومن والاهما، واستحلالهم
لدماء المسلمين المخالفين لهم).
وقال شيخ الإسلام أيضا ـ كما في
الفتاوى (3/282-283) ـ في بيان أن كل طوائف أهل القبلة في دائرة الإسلام والإيمان
لا يخرجون منها ببدعهم (والخوارج المارقون الذين أمر النبي بقتالهم، قاتلهم أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين، واتفق على قتالهم أئمة الدين من
الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص
وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم
الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين، فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم لا لأنهم كفار،
ولهذا لم يسب حريمهم ولم يغنم أموالهم، وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص
والإجماع لم يكفروا مع أمر الله ورسوله بقتالهم، فكيف بالطوائف المختلفين الذين أشتبه
عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم؟ فلا يحل لأحد من هذه الطوائف أن
تكفر الأخرى ولا تستحل دمها ومالها، وإن كانت فيها بدعة محققة، فكيف إذا كانت
المكفرة لها مبتدعة أيضًا؟ وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ،
والغالب أنهم جميعًا جهال بحقائق ما يختلفون فيه).
وقال أيضا (فأما من كان في قلبه
الإيمان بالرسول وما جاء به، وقد غلط في بعض ما تأوله من البدع، فهذا ليس بكافر
أصلاً، والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالاً للأمة وتكفيرً لها، ولم يكن في
الصحابة من يكفرهم لا علي بن أبي طالب ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين
الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع، وكذلك سائر
الثنتين وسبعين فرقة، من كان منهم منافقًا فهو كافر في الباطن، ومن لم يكن منافقًا
بل كان مؤمنًا بالله ورسوله في الباطن، لم يكن كافرًا في الباطن، وإن أخطأ في
التأويل كائنًا ما كان خطؤه؛ وقد يكون في بعضهم شعبة من شعب النفاق ولا يكون فيه
النفاق الذي يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، ومن
قال: إن الثنتين وسبعين فرقة كل واحد منهم يكفر كفرًا ينقل عن الملة فقد خالف
الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، بل وإجماع الأئمة الأربعة
وغير الأربعة، فليس فيهم من كفر كل واحد من الثنتين وسبعين فرقة، وإنما يكفر بعضهم
بعضًا ببعض المقالات) (الفتاوى (7/217-218) و(7/472)).
المسألة الثانية: إثبات كل
حقوقهم في الإسلام والعدل معهم في القضاء والأحكام:
فقد ترتب على هذه العقيدة الإيمانية ـ
في عدم إكفار المخالفين من أهل القبلة وإثبات إسلامهم ـ آثارها العملية والسياسية،
حيث تقررت لهم جميع حقوق المسلمين:
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ـ
كما في الأم (4/309) ـ في بيان ما للخوارج وأهل الأهواء من حقوق:(ولو أن قوما
أظهروا رأى الخوارج وتجنبوا جماعات الناس، وكفروهم لم يحلل بذلك قتالهم، لأنهم على
حرمة الإيمان، لم يصيروا إلى الحال التي أمر الله عز وجل بقتالهم فيها.
بلغنا أن عليا رضي الله تعالى عنه
بينا هو يخطب إذ سمع تحكيما من ناحية المسجد: لا حكم إلا لله عز وجل!
فقال علي رضي الله تعالى عنه: "كلمة
حق أريد بها باطل لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله،
ولا نمنعكم الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدؤكم بقتال".
قال الشافعي: وبهذا كله
نقول، ولا يحل بطعنهم للمسلمين دماؤهم، ولا أن يمنعوا الفيء ما جرى عليهم حكم
الإسلام وكانوا أسوتهم في جهاد عدوهم، ولا يحال بينهم وبين المساجد والأسواق، ولو شهدوا
شهادة الحق وهم مظهرون لهذا قبل الاعتقاد أو بعده وكانت حالهم في العفاف والعقول
حسنة انبغى للقاضي أن يحصيهم بأن يسأل عنهم... وهكذا من
بغى من أهل الأهواء ولا يفرق بينهم وبين غيرهم فيما يجب لهم وعليهم من أخذ الحق
والحدود والأحكام).
وعلى هذا القول أجمع أئمة أهل السنة
والجماعة نظريا وعمليا فلم يأذنوا لأحد من الخلفاء ولا الأمراء بالتعرض بالقتل أو
السجن للمخالفين في الدين من المسلمين، كما فعل أحمد بن حنبل لما رفع المتوكل
الفتنة، حيث نهى عن التعرض لكل من آذاه كالقاضي ابن أبي دؤاد، بل يرون وجوب العدل
معهم، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ولهذا كان أهل
السنة مع أهل البدعة بالعكس، إذا قدروا عليهم لا يعتدون عليهم بالتكفير والقتل
وغير ذلك، بل يستعملون معهم العدل الذي أمر الله به ورسوله، كما فعل عمر بن
عبد العزيز بالحرورية والقدرية، وإذا جاهدوهم، فكما جاهد علي رضي الله عنه
الحرورية بعد الأعذار وإقامة الحجة ـ أي لكف عدوانهم ـ وعامة ما كانوا يستعملونه
معهم الهجران والمنع من الأمور التي تظهر بسببها بدعتهم، مثل ترك مخاطبتهم
ومجالستهم، لأن هذا هو الطريق إلى خمود بدعتهم، وإذا عجزوا عنهم لم ينافقوهم، بل
يصبرون على الحق الذي بعث الله به نبيه، كما كان سلف المؤمنين يفعلون، وكما أمرهم
الله في كتابه، حيث أمرهم بالصبر على الحق، وأمرهم أن لا يحملهم شنآن قوم على أن
لا يعدلوا) انظر التسعينية (2/698-701).
وبهذه الأصول العقائدية
السياسية عند أهل السنة والجماعة عصم الله الأمة من الاقتتال الداخلي بين طوائفها
وفرقها، حيث كان أهل السنة هم عامة الأمة، فكان في كفهم وعدلهم مع الأقلية
المخالفة إقرارا للتعددية والحرية الدينية، والعدل والتسامح الذي أدى إلى وحدة
الأمة وقوتها وازدهار نهضتها، ولم يؤثر فيها ما كانت عليه الأقلية
من تطرف وغلو، بخلاف أوربا التي كانت الأكثرية الكاثوليكية هي التي تقاتل الأقليات
المسيحية وتضطهدها، وتسومها سوء العذاب، فكانت أوربا تعيش في ظلم الكنيسة
وظلماتها، حين كانت مساجد المسلمين وجوامعهم في دمشق وبغداد والقاهرة وقرطبة
وعواصم الإسلام في كل الأمصار منارات نور وهداية وعلم وحرية وتسامح!
ولم يشهد المسلمون اقتتالا
طائفيا دينيا داخليا إلا حين تصل الأقلية المتطرفة للسلطة، كما فعل المعتزلة في
الخلافة العباسية، وكما فعل الصفويون في إيران الذين استباحوا قتل أهل السنة الذين
كانوا يمثلون الأكثرية في إيران إلى القرن العاشر الهجري، حتى أحرقوا آلاف العلماء
بالنار، فكان الصفويون المتطوفون يقيمون محاكم التفتيش شرقا، في الوقت الذي كانت
محاكم التفتيش الكاثوليكية المسيحية وجيوشها المتطرفة تشن حروب إبادة جماعية
للقضاء على المسلمين في الأندلس غربا!
وما زلنا في الأصول العقائدية
السياسية إذ ما زال للحديث بقية!