بقلم د. حاكم المطيري
تعرض المسلمون ـ وعامتهم من أهل السنة والجماعة ـ إلى فترات تاريخية عصيبة وتحديات كبرى، كالحروب الصليبية في القرن الخامس الهجري التي قضت على معاهد العلم ومدارسه في سواحل الشام مدة قرن أو يزيد، حتى حررها صلاح الدين الأيوبي، ثم كان أبرز تلك الفواجع سقوط العالم الإسلامي الشرقي كله من بخارى إلى بغداد، في القرن الهجري السابع على يد حملات جنكيز خان المغولي وأتباعه، وبلغ السقوط ذروته حين احتلوا عاصمة العالم الإسلامي وحاضرة الخلافة العباسية مدينة السلام بغداد سنة 656 هـ، حيث قتلوا الخليفة المستنصر العباسي وآل البيت الشريف، وسبوا حرائر بيت الخلافة، وبلغ القتلى في بغداد وحدها مليوني مسلم، وكانت أحداثا كبرى تشيب لها الولدان، حتى عدها المؤرخون المعاصرون لها كالقرطبي بأنها نهاية العالم وقرب قيام الساعة لهول المصيبة، وقد فنى فيها كثير من العلماء، ودرست محاضن العلم ومحاضره في الشرق الإسلامي، حيث كانت جيوش المغول تحرق المدن والمكتبات والمدارس والمساجد، فأفلت شمس المشرق الإسلامي منذ ذلك الحين، وشاعت البدع والخرافات بعد ذلك تحت حكم الممالك المغولية في الشرق، فاستعصم المسلمون بالشام أرض الرباط، ومن ورائها مصر التي انتقلت إليها الخلافة العباسية، وقام المماليك بحماية الإسلام وخلافته، فتصدى المجاهد البطل السلطان قطز للمغول في عين جالوت وهزمهم، وأوقف مدهم الزاحف، وتنفس المسلمون الصعداء، غير أن تلك النوازل القوارع، والمصائب والفواجع كانت بداية سقوط الحضارة الإسلامية على المستوى العلمي والمعرفي، حيث أدت إلى شيوع حالة من الجاهلية العلمية والسلوكية والعقائدية، بين أوساط المنتسبين إلى العلم والدين، من المتكلمة والمتفقهة والمتصوفة والساسة، كما قال ابن أبي العز الحنفي (ت792) في شرح العقيدة الطحاوية (ص71) (وإنما وقع التقصير من كثير من المنتسبين إلى الدين، فلم يعلم ما جاء به الرسول في كثير من الأمور الكلامية الاعتقادية، ولا في كثير من الأحوال العبادية، ولا في كثير من الإمارة والسياسة، أو نسبوا إلى الشريعة بظنهم وتقليدهم ما ليس منها، وأخرجوا عنها كثيرا مما هو منها، فبسبب جهل هؤلاء وضلالهم وتفريطهم، وبسبب عدوان أولئك وجهلهم ونفاقهم، كثر النفاق، ودرس كثير من علم الرسالة النبوية)!
وقد كان أهل السنة على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم ومدارسهم عرضة للانحرافات بسبب دروس العلم وشيوع التقليد، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ في الفتاوى (13/64-66) ـ(فلما طال الزمان خفي على كثير من الناس ما كان ظاهرا لهم، ودق على كثير من الناس ما كان جليا لهم، فكثر من المتأخرين مخالفة الكتاب والسنة ما لم يكن مثل هذا في السلف، وإن كانوا مع هذا مجتهدين معذورين يغفر الله لهم خطاياهم، ويثيبهم على اجتهادهم، وقد يكون لهم من الحسنات ما يكون للعامل منهم أجر خمسين رجلا يعملها في ذلك الزمان؛ لأنهم كانوا يجدون من يعينهم على ذلك وهؤلاء المتأخرون لم يجدوا من يعينهم على ذلك).
وقد خالف كثير من أهل السنة في العصور المتأخرة أصول أهل السنة والجماعة وما كان عليه سلف الأمة، وكثر فيهم الابتداع، وافترقوا أشد الافتراق، حتى كفر بعضهم بعضا في عصور انحطاطهم كما جرى بين الشافعية والحنفية، وبين الحنبلية والأشعرية، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ في الفتاوى(3/383) ـ (فإذا كان على عهد رسول الله وخلفائه الراشدين قد انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة؛ حتى أمر النبي بقتالهم، فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام أو السنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضا من الإسلام والسنة، حتى يدَّعي السنة من ليس من أهلها، بل قد مرق منها، وذلك بأسباب... منها التفرق والاختلاف الذي ذكره الله تعالى في كتابه العزيز).
وقال أيضا ـ الفتاوى (20/184-185) ـ (المنحرفون من أتباع الأئمة في الأصول والفروع، المنتسبين إلى أحمد وغير أحمد، انحرافهم أنواع: ... الثالث: قول قاله الإمام فزيد عليه قدرا أو نوعا، كتكفيره نوعا من أهل البدع كالجهمية، فيجعل البدع نوعا واحدا حتى يدخل فيه المرجئة والقدرية، أو ذمه لأصحاب الرأي بمخالفة الحديث والإرجاء، فيخرج ذلك إلى التكفير واللعن، أو رده لشهادة الداعية وروايته، وغير الداعية في بعض البدع الغليظة، فيعتقد رد خبرهم مطلقًا، مع نصوصه الصرائح بخلافه).
ومن أبرز ملامح الانحراف ومظاهره عند طوائف أهل السنة والجماعة المتأخرين والمعاصرين:
أولا : الانحراف العقائدي :
ومن ذلك :
1 ـ شيوع ظاهرة إكفار المخالفين من طوائف المسلمين حتى من المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة، إذ صاروا يتنازعون فيما بينهم أيهم أحق بهذا الاسم من غيره، وصار بعض أهل الحديث والحنابلة يبالغون في الإثبات وفي الرد على المخالفين حتى ربما كفروهم، وربما اخترعوا الرأي وابتدعوه ثم روجوه باسم السنة وسلف الأمة، احتجاجا بضعيف المنقول وسخيف المعقول، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، وصار أهل الرأي والمتكلمون يبالغون في التأويل والرد على المخالفين حتى كفروهم، فخرجت الطائفتان بذلك عن أصل من أصول السنة وما كان عليه سلف الأمة، وهو عدم الحكم بالكفر على أهل القبلة فضلا عن المخالف من أهل السنة!
وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية أشهر من تصدى لهذه الانحرافات وزيفها وأثبت بطلانها وأبان عن أسباب وقوعها حيث قال ـ كما في الصفدية 1/392 ـ (وإنما جماع الشَّر تفريط في حق أو تعدي إلى باطل، وهو تقصير في السنة أو دخول في البدعة، كترك بعض المأمور وفعل بعض المحظور، أو تكذيب بحق وتصديق بباطل، ولهذا عامة ما يؤتى الناس من هذين الوجهين: فالمنتسبون إلى أهل الحديث والسنة والجماعة يحصل من بعضهم، تفريط في معرفة النصوص أو فهم معناها أو القيام بما تستحقه من الحجة ودفع معارضها، فهذا عجز وتفريط في الحق، وقد يحصل منهم دخول في باطل: إما في بدعة ابتدعها أهل البدع وافقوهم عليها، واحتاجوا إلى إثبات لوازمها، وأما في بدعة ابتدعوها هم لظنهم أنها من تمام السنة).
وقال أيضا ـ في الفتاوى 4/23-25 ـ (وإذا قابلنا بين الطائفتين -أهل الحديث، وأهل الكلام - فالذي يعيب بعض أهل الحديث وأهل الجماعة بحشو القول؛ إنما يعيبهم بقلة المعرفة، أو بقلة الفهم، أما الأول: فبأن يحتجوا بأحاديث ضعيفة أو موضوعة، أو بآثار لا تصلح للاحتجاج، وأما الثاني: فبأن لا يفهموا معنى الأحاديث الصحيحة، بل قد يقولون القولين المتناقضين، ولا يهتدون للخروج من ذلك.
والأمر راجع إلى شيئين: إما زيادة أقوال غير مفيدة يظن أنها مفيدة، كالأحاديث الموضوعة، وإما أقوال مفيدة، لكنهم لا يفهمونها، إذ كان اتِّبَاع الحديث يحتاج أولاً إلى صحة الحديث، وثانياً إلى فهم معناه، كاتباع القرآن، فالخلل يدخل عليهم من ترك إحدى المقدمتين، ومن عابهم من الناس، فإنما يعيبهم بهذا،ولا ريب أن هذا موجود في بعضهم ؛ يحتجون بأحاديث موضوعة في مسائل "الأصول والفروع"، وبآثار مفتعلة، وحكايات غير صحيحة، ويذكرون من القرآن والحديث مالا يفهمون معناه، وربما تأولوه على غير تأويله، ووضعوه على غير موضعه، ثم إنهم بهذا المنقول الضعيف، والمعقول السخيف، قد يُكَّفِرون ويُضَلِّلون، ويُبَدِّعون أقواماً، من أعيان الأمة، ويُجِّهِلُونهم، ففي بعضهم من التفريط في الحق، والتعدي على الخلق، ما قد يكون بعضه خطأ مغفوراً، وقد يكون منكراً من القول وزوراً، وقد يكون من البدع، والضلالات التي توجب غليظ العقوبات، فهذا لا ينكره إلا جاهل، أو ظالم، وقد رأيت من هذا عجائب، لكن هم بالنسبة إلى غيرهم في ذلك, كالمسلمين بالنسبة إلى بقية الملل، ولا ريب أن في كثير من المسلمين من الظلم، والجهل، والبدع، والفجور مالا يعلمه إلا من أحاط بكل شيء علماً، لكن كل شر يكون في بعض المسلمين، فهو في غيرهم أكثر، وكل خير يكون في غيرهم، فهو فيهم أعلى وأعظم، وهكذا أهل الحديث بالنسبة إلى غيرهم).
وما ذكره شيخ الإسلام من الغلو والتطرف عند بعض أهل الحديث والسنة كانت بوادره وجذوره موجودة مبكرا ومنذ القرن الثالث، إلا لأنها لم تكن ظاهرة شائعة، فقد كان الإمام البخاري وهو أمير المؤمنين في الحديث من ضحايا هذا التطرف، فقد بدعه وهجره بل وكفره بعض أئمة الحديث والسنة بفتنة (اللفظ بالقرآن) ـ كما في سير الأعلام 12/453 ـ حتى أخرجوه من بلدهم بدعوى أنه جهمي، مع أنه كان في تلك المسألة على الحق وكانوا هم على الخطأ، فخرج طريدا ومات حيدا!
وكذا تعرض ابن جرير الطبري صاحب التفسير لمثل ذلك من بعض أهل الغلو!
وقد بالغ بعضهم في إثبات الصفات بأحاديث ضعيفة، أو بدلالات ضعيفة، وتجاوز إلى حد تبديع المخالف له فيها، وربما كفره، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ في الفتاوى 16/432 ـ (والسنة ينبغي معرفة ما ثبت منها وما علم أنه كذب، فإن طائفة ممن انتسب إلى السنة، وعظم السنة والشرع، وظنوا أنهم اعتصموا في هذا الباب بالكتاب والسنة، جمعوا أحاديث وردت في الصفات، منها ما هو كذب معلوم أنه كذب، ومنها ما هو إلى الكذب أقرب، ومنها ما هو إلى الصحة أقرب، ومنها متردد، وجعلوا تلك الأحاديث عقائد، وصنفوا مصنفات، ومنهم من يكفر من يخالف ما دلت عليه تلك الأحاديث).
وقال رحمه الله ـ في الصفدية 1/163 ـ (لا ننكر ما يوجد في بعض أهل السنة والجماعة من جهل وظلم).
وقال أيضا ـ في الصفدية 2/606 ـ (...وإذا قُدِّر أن في الحنبلية -أو غيرهم من طوائف أهل السنة- من قال أقوالاً باطلة، لم يبطل مذهب أهل السنة والجماعة ببطلان ذلك بل يُرد على من قال ذلك الباطل، وتنصر السنة بالدلائل).
وقال أيضا ـ في منهاج السنة (7/193ـ192) ـ (وأنت تجد كثيرًا من المنتسبين إلى علم ودين لا يكذبون فيما يقولونه، بل لا يقولون إلا الصدق، لكن لا يقبلون ما يخبر به غيرهم من الصدق، بل يحملهم الهوى والجهل على تكذيب غيرهم وإن كان صادقا).
وهذه النصوص المذكورة عن شيخ الإسلام ابن تيمية تؤكد وقوع الانحراف والغلو عند بعض طوائف من أهل السنة والجماعة من أهل العلم والدين من الغالين والمتنطعين، وما تزال هذه الظاهرة إلى اليوم، ثم لا يترددون برمي من خالف آراءهم بالبدع والإخراج من أهل السنة، وقد كان في عصرنا هذا من بدعوا الشيخ عبد الرحمن السعدي والشيخ ابن عثيمين والشيخ الألباني بدعوى المخالفة لقول أهل السنة ومنهج سلف الأمة!
ورأينا من كفر الفرق المخالفة احتجاجا بأصول أهل السنة والجماعة وسلف الأمة!
ولهذا فليس يجب عند أهل السنة والجماعة اتباع أحد كائنا من كان إلا نص من كتاب أو سنة أو إجماع سلف الأمة، فهذه فقط هي الأصول الثلاثة المحفوظة المعصومة، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ـ في منهاجه 2/145 ـ (فمذهب أهل السنة والجماعة ما دل عليه الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة، وهو القول المطابق لصحيح المنقول وصريح المعقول).
وقال ـ في الفتاوى 20/164 ودرء التعارض 1/272 ـ (فدين المسلمين مبني على اتباع كتاب الله وسنة رسوله وما اتفقت عليه الأمة، فهذه الثلاثة هي أصول معصومة).
وكما وقع عند أهل الحديث تطرف وغلو، وقع عند الفقهاء مثله، وربما ادعى بعض أهل السنة من الفقهاء الإجماع على مسائل خلافية فأخرج بها من دائرة أهل السنة المخالفين له بالرأي وقد يكون الصواب فيها معهم!
وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية نفسه أحد ضحايا تطرف المنتسبين إلى فقهاء أهل السنة والأئمة الأربعة، حتى كفروه بمسائل فقهية كالطلاق الثلاث وأنها تقع طلقة واحدة، حيث ادعوا الإجماع على هذه المسألة، وكذا كفروه بمسألة شد الرحال إلى القبور، وقد بلغ بهم الغلو والتطرف أن حكم قضاة المذاهب الأربعة بسجنه، ومات سجينا وحيدا!
لقد أدرك شيخ الإسلام ابن تيمية من خلال تجربته أبعاد تلك الأزمة العميقة التي يعيشها أهل السنة والجماعة وظهور الغلو في بعض طوائفهم من أهل الحديث وأهل الرأي ومن المتكلمين فصار يؤكد على بطلان الاعتقاد بأن هناك طائفة من أهل السنة على الحق في كل ما هي عليه، وفي كل ما تقوله، وبين أن الكتاب والسنة والإجماع المعلوم هي الأصول التي يقطع بأنها هي الحق دون الإجماع المظنون أو الموهوم فقال ـ في الفتاوى 20/9 ـ (فمبنى أحكام الدين على ثلاثة أقسام: الكتاب، والسنة، والإجماع.. وإذا ثبت إجماع الأمة على حكم من الأحكام لم يكن لأحد أن يخرج عن إجماعهم؛ فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولكن كثير من المسائل يظن بعض الناس فيها إجماعًا ولا يكون الأمر كذلك، بل يكون القول الآخر أرجح في الكتاب والسنة).
ولهذا كان يقرر أن الإجماع المعصوم من الخطأ هو إجماع الصحابة لا إجماع غيرهم لتعذر معرفته فقال ـ في الفتاوى 11/341 ـ (الإجماع وهو متفق عليه بين عامة المسلمين من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث والكلام وغيرهم في الجملة، وأنكره بعض أهل البدع من المعتزلة والشيعة، لكن المعلوم منه هو ما كان عليه الصحابة، وأما ما بعد ذلك فتعذر العلم به غالبًا).
وقد كان من آفات ظاهرة التبديع للمخالف عند هذه الطوائف شيوع حالة من الرضا الكاذب عن النفس عند أتباعها والمنتسبين إليها، والغرور بما عليه هذه الطوائف، وتزكية كل طائفة وفرقة لطريقتها ولنفسها، بدعوى أنهم الطائفة المنصورة، والفرقة الناجية، بينما كان السلف من الصحابة ومن بعدهم من أئمة التابعين أشد ما يخشون على أنفسهم من النفاق، وكان عمر الفاروق يسأل حذيفة بن اليمان هل ذكره رسول الله في المنافقين!
لقد شاعت هذه الظاهرة في عصرنا الحالي بين كثير من المنتسبين إلى أهل السنة، وهي أثر من آثار ذلك الانحراف العقائدي، إذ عقلية الوصاية والحكم على الآخرين تفضي بأصحابها من حيث لا يشعرون إلى الرضا عن الذات، والاطمئنان إلى ما هم عليه، ثم تنشغل هذه الطوائف عن عيوب نفسها بعيوب الآخرين، وبالرد على المخالفين، فترتكس في حضيض الباطل، من حيث تظن أنها على المحجة البيضاء!
ولهذا يقل فيهم محاسبة الطائفة ونقد الذات، فتتراكم الانحرافات، وتتعاظم المحدثات، حتى تندرس بينهم معالم الدين، وتنطمس حقائق الإيمان، حتى رأينا في هذا العصر من أدعياء العلم من يخرج باسم السنة وسلف الأمة ليقول للمسلمين بأن طاعة الطاغوت ـ الذي يحكم بغير شرع الله ـ بل طاعة كل الطواغيت والرضا بهم والتحاكم إليهم والدعاء لهم كل ذلك من التوحيد والسنة وطريقة سلف الأمة بدعوى أنهم أئمة وولاة أمر!
هذا مع احتجاج الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ في رسالته إلى الشيخ ابن عيسى كما في تاريخ ابن غنام ص 355 ـ بقول ابن القيم في أعلام الموقعين 1/53 (أخبر سبحانه أن من تحاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حكّم الطاغوت وتحاكم إليه قال تعالى {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به} والطاغوت كل ما تجوز حده من معبود أو متبوع أو مطاع، وطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يتبعونه أو يطيعونه...)!
وقد وصل الهوس بهم أن صار كل من يدعو إلى توحيد الله في الحكم وتحكيم شرعه في نظرهم خارجي وحروري، وصاروا يشبهون العلماء المجاهدين الربانيين الذين يدعون إلى الحكم بما أنزل الله بدل القوانين الوضعية، بمن خرجوا على الخليفة الراشد علي بن أبي طالب وقالوا لا حكم إلا لله!
ويشبهون ولاة أمرهم وطواغيتهم بالخلفاء الراشدين!
وبلغ بهم الحال أن نفى بعضهم توحيد الله في الحاكمية، لأنهم لا يعرفون ذلك عن شيوخهم وأهل طائفتهم! مع أنه صريح القرآن {إن الحكم إلا لله} وأجمع عليه أهل الإسلام، وهو من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة القطعية، حتى لا يكاد كتاب في أصول الفقه يخلو من تقرير أصل أن الحاكم هو الله وحده، وقد احتج الشيخ محمد بن عبد الوهاب على ابن سحيم ـ كما في تاريخ ابن غنام ص 475 ـ (أنه ذكر أن {قل هو الله أحد} كافية في التوحيد : فوحد نفسه في الأفعال فلا خالق إلا الله، وفي الألوهية فلا يعبد إلا الله، وفي الأمر والنهي فلا حكم إلا لله، فيكرر هذه الأنواع الثلاثة، ثم يكفر بها كلها).
وحتى خرج من هذه الطائفة وعلى مسمعها ومرآها من يقول بأن طاعة بول بريمر الحاكم العسكري الأمريكي المحتل الذي يحكم العراق واجبة وأنها السنة والسلفية فلا يرد عليه من أحبار هذه الطائفة ورهبانها أحد!
وقد بلغ الحال بهم أن ظنوا أن كل ما يقوله علماؤهم هو الحق، بل ربما ظنوا بأن ما اتفقوا عليه إجماع لا يحل مخالفته!
وقد أبطل شيخ الإسلام مثل هذا الادعاء لأي طائفة مهما كانت فقال ـ في التسعينية 3/902 ـ (وليس الحق -أيضًا- لازمًا لطائفة دون غيرها إلا للمؤمنين، فإن الحق يلزمهم، إذ لا يجتمعون على ضلالة، وما سوى ذلك فقد يكون الحق فيه مع الشخص أو الطائفة في أمر دون أمر، وقد يكون المختلفان كلاهما على باطل، وقد يكون الحق مع كل منهما من وجه دون وجه، فليس لأحد أن يسمي طائفة منسوبة إلى إتباع شخص - كائنًا من كان - غير رسول الله بأنهم أهل الحق، إذ ذلك يقتضي أن كل ما هو عليه فهو حق، وكل من خالفهم في شيء من سائر المؤمنين فهو مبطل، وذلك لا يكون إلا إذا كان متبوعهم كذلك، وهذا معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام، ولو جاز ذلك لكان إجماع هؤلاء حجة، إذا ثبت أنهم هم أهل الحق).
ولهذا اعترف شيخ الإسلام مع كونه حنبلي المذهب بأن في الحنابلة مبتدعة، وبأن أحمد بن حنبل مع إمامته في السنة والحديث قد وقع منه ما يقع من مثله من أئمة الدين من الخطأ فليس كل ما يقوله صواب، وهذا غاية العدل والإنصاف من النفس، فقال ـ في الفتاوى 20/186 ـ (وفي الحنبلية أيضا مبتدعة؛ وإن كانت البدعة في غيرهم أكثر، وبدعتهم غالبًا في زيادة الإثبات في حق الله، وفي زيادة الإنكار على مخالفهم بالتكفير وغيره؛ لأن أحمد كان مثبتا لما جاءت به السنة؛ منكرًا على من خالفها، مصيبًا في غالب الأمور، مختلفًا عنه في البعض، ومخالفًا في البعض، وأما بدعة غيرهم فقد تكون أشد من بدعة مبتدعهم في زيادة الإثبات والإنكار؛ وقد تكون في النفي، وهو الأغلب كالجهمية؛ والقدرية؛ والمرجئة، والرافضة، وأما زيادة الإنكار من غيرهم على المخالف من تكفير وتفسيق فكثير).
ولهذا ظل بعض أهل الحديث وبعض الحنابلة إلى اليوم من أكثر المذاهب السنية غلوا في باب الإثبات في الصفات وفي تبديع وإكفار المخالفين من المسلمين، حتى صدر عنهم من الكتب والفتاوى في هذا العصر في كثير من المسائل ما يبرأ من القول به أهل السنة وسلف الأمة!
وتكمن خطورة شيوع ظاهرة إكفار المخالفين من المسلمين في آثارها السياسية على أرض الواقع، إذ صار يستتبع ذلك مواقف سياسية خطيرة أدت إلى سقوط الأمة كلها تحت الاستعمار الخارجي، بل والادعاء بأن سيطرة العدو الكافر أهون من ظهور أهل البدع، حتى صدرت الفتاوى بتحريم الوقوف مع من يقاتل إسرائيل بدعوى أنهم أخطر على الأمة من اليهود! في الوقت الذي لا يرون حرجا على حكوماتهم أن تتحول إلى قواعد عسكرية للحملة الصليبية على العالم الإسلامي لتحتل منها العراق وأفغانستان، ولا يحرمون عليها تحالفها مع الاستعمار في حروبه على الأمة، مع أن كل ذلك ناقض من نواقض الإسلام!
وقد نجحت الحكومات في استغلال هذه الظاهرة وفي توظيف بعض علماء السنة في خدمة أغراضها السياسية، فصارت فتاواهم في الحكم على المخالفين من المسلمين بالشرك والكفر أحد أهم الأدوات لتبرير تخاذل تلك الحكومات عن نصرتهم من جهة، وتسويغ تحالفها مع الدول الصليبية من جهة أخرى، بدعوى دع الله ينتقم من الظالم بظالم مثله!
وتجاوز الأمر إلى تحشيد الجماهير وشحنها بالروح الطائفية لاستثمار ذلك كله لصالح ما يقوم به الاستعمار في المنطقة من فرض سيطرته عليها والتحكم بها، فإذا كان بعض الشيعة وأحزابهم الطائفية الدينية في العراق قد وقفوا مع الاحتلال لتحقيق مصالحهم الطائفية على حساب الأمة ومصالحها الاسترتيجية، ففي الطرف الآخر من يريد توظيف العالم الإسلامي السني وحشده خلف الحكومات العميلة للوقوف خلف أمريكا وحلف النيتو لضرب إيران ومفاعلها النووي لتكريس سيطرتها على الأمة!
وقد سمعنا من شيوخ هذه الطائفة من حاول تبرير تخاذله عن نصرة المسلمين في العراق وأفغانستان بأن أكثرهم مشركون أو مبتدعون!
هذا مع وضوح أصول أهل السنة والجماعة في هذا الباب، واعتقادهم بأن أهل القبلة، على اختلاف طوائفهم، مسلمون لهم حقوق الإسلام، إلا أن المتأخرين من أتباع الأئمة الأربعة، لم يفهموا نصوصهم حين أطلقوا كلمة الكفر على بعض البدع، فحملها المتأخرون على كفر الردة، لا كفر التأويل الذي يعذر صاحبه، كما قال شيخ الإسلام ـ في منهاجه 5/239 ـ (المتأوِّل الذي قصده متابعة الرسول لا يكفر، بل ولا يفسق إذا اجتهد فأخطأ، وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية، وأما مسائل العقائد فكثير من الناس كفَّر المخطئين فيها، وهذا القول لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا عن أحد من أئمة المسلمين، وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع، الذين يبتدعون بدعة ويكفّرون من خالفهم، كالخوارج والمعتزلة والجهمية، ووقع ذلك في كثير من اتباع الأئمة، كبعض أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وقد يسلكون في التكفير ذلك؛ فمنهم من يكفّر أهل البدع مطلقا، ثم يجعل كل من خرج عمّا هو عليه من أهل البدع، وهذا بعينه قول الخوارج والمعتزلة والجهمية،وهذا القول أيضًا يوجد في طائفة من أصحاب الأئمة الأربعة، وليس هو قول الأئمة الأربعة ولا غيرهم، وليس فيهم من كفّر كل مبتدع، بل النقولات الصريحة عنهم تناقض ذلك، ولكن قد ينقل عن أحدهم أنه كفر من قال بعض الأقوال، ويكون مقصوده أن هذا القول كفر ليُحذر، ولا يلزم إذا كان القول كفرًا أن يكفر كل من قاله مع الجهل والتأويل؛ فإن ثبوت الكفر في حق الشخص المعين، كثبوت الوعيد في الآخرة في حقه، وذلك له شروط وموانع).
وقد احتج شيخ الإسلام على عدم كفرهم، بأن هؤلاء الأئمة الأربعة مع صدور ذلك منهم إلا أنهم ثبت عنهم ثبوتا قطعيا متواترا أنهم يرون صحة الصلاة خلفهم، ويقبلون شهادتهم، وقد اشترط الله في الشهادة العدالة، كما ثبت عنهم أنهم كانوا يرون السمع والطاعة للأئمة منهم، بناء على القول بإسلامهم، كما ثبت عن أحمد مع المأمون والمعتصم والواثق، فقال ـ في الفتاوى(12/487-489) ـ (التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وتكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة: الذين أطلقوا هذه العمومات، لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه، فإن الإمام أحمد - مثلاً- قد باشر الجهمية الذين دعوه إلى خلق القرآن، ونفي الصفات، وامتحنوه وسائر علماء وقته، وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس، والقتل والعزل عن الولايات، وقطع الأرزاق، ورد الشهادة، وترك تخليصهم من أيدي العدو، بحيث كان كثير من أولي الأمر إذ ذاك من الجهمية من الولاة والقضاة وغيرهم: يكفرون كل من لم يكن جهميًا موافقًا لهم على نفي الصفات، مثل القول بخلق القرآن، ويحكمون فيه بحكمهم في الكافر، فلا يولونه ولاية، ولا يفتكونه من عدو، ولا يعطونه شيئًا من بيت المال، ولا يقبلون له شهادة، ولا فتيا، ولا رواية، ويمتحنون الناس عند الولاية والشهادة، والافتكاك من الأسر وغير ذلك، فمن أقر بخلق القرآن حكموا له بالإيمان، ومن لم يقر به لم يحكموا له بحكم أهل الإيمان، ومن كان داعيًا إلى غير التجهم قتلوه أو ضربوه أو حبسوه، ومعلوم أن هذا من أغلظ التجهم، فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من قولها، وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها، والعقوبة بالقتل لقائلها أعظم من العقوبة بالضرب، ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره، ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم، وحللهم مما فعلوه به من الظلم، والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم؛ فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع، وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية، الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة).
وقال أيضا (ومع ذلك فالإمام أحمد رحمه الله ترحم عليهم واستغفر لهم لعلمه بأنهم لم يتبين لهم أنهم مكذبون للرسول ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطأوا وقلدوا من قال لهم ذلك) وكذا احتج شيخ الإسلام بقول الشافعي لحفص الفرد حين قال القرآن مخلوق، فقال الشافعي : كفرت بالله العظيم، ومع ذلك (لم يحكم بردة حفص بمجرد ذلك، لأنه لم يتبين له الحجة التي يكفر بها، ولو اعتقد أنه مرتد لسعى في قتله، وقد صرح الشافعي في كتبه بقبول شهادة أهل الأهواء، والصلاة خلفهم، وكذلك قال مالك والشافعي وأحمد في القدري..) (الفتاوى 23/349).
وقد كان شيخ الإسلام مع شدته على أهل البدع وإطلاقه الحكم العام بكفر بعض أقوالهم لمصادمتها ظاهر القرآن والسنة، إلا أنه لا يرى كفر أعيانهم ولا ردتهم، وقد قال عن نفسه ـ في الرد على البكري (1/377-385) ـ (ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن يكون الله تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرا، لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال، وكان هذا خطابًا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم، وأصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم في قصور في معرفة المنقول الصحيح والمعقول الصريح الموافق له، فكان هذا خطابنا...).
فهؤلاء الذين جادلهم شيخ الإسلام في عصره كانوا أشد ضلالا من الجهمية في عصر الإمام أحمد، لما زادوه من القول بالحلول والاتحاد، ومع ذلك لم يحكم بكفرهم، مع أنه حكم على أقوالهم بأنها كفر، بل إنه تدخل لما أراد السلطان أن يقتلهم، ونهاه عن التعرض لهم بالأذية وقال(هؤلاء قضاتك وعلماؤك من لك بعدهم؟) فكانوا يعجبون من شيخ الإسلام ودفاعه عنهم أمام السلطان مع شدة إيذائهم له!
ويرجع السبب في ذلك لكون كفرهم في نظر شيخ الإسلام هو كفر التأويل، وهو الذي يقصد صاحبه طاعة الله ورسوله فيخطئ من حيث يظن أنه أصاب، فالمخالفون من أهل القبلة، ممن يؤمنون بالله ورسوله وبأركان الإيمان وفرائض الإسلام، يدخلون في عموم قوله تعالى {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال الله كما في الصحيح (قد فعلت)!
قال رحمه الله ـ في الفتاوى (3/229-231) ـ (...نعم وقوع الغلط في مثل هذا يوجب ما نقوله دائمًا: إن المجتهد في مثل هذا من المؤمنين إن استفرغ وسعه في طلب الحق، فإن الله يغفر له خطأه، وإن حصل منه نوع تقصير، فهو ذنب لا يجب أن يبلغ الكفر، وإن كان يطلق القول بأن هذا الكلام كفر، كما أطلق السلف الكفر على من قال ببعض مقالات الجهمية، مثل القول بخلق القرآن، أو إنكار الرؤية، أو نحو ذلك مما هو دون إنكار علو الله على الخلق، وأنه فوق العرش، فإن تكفير صاحب هذه المقالة كان عندهم من أظهر الأمور، فإن التكفير المطلق، مثل الوعيد المطلق، لا يستلزم تكفير الشخص المعَّين حتى تقوم عليه الحجة التي تكفِّر تاركها، كما ثبت في الصحاح عن النبي (في الرجل الذي قال: "إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذرُّوني في اليم، فوالله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين، فقال الله له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك، فغفر له) فهذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك، أو شك، وأنه لا يبعثه، وكل من هذين الاعتقادين كفر يكفر من قامت عليه الحجة، لكنه كان يجهل ذلك، ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله، وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه ووعده ووعيده، فخاف من عقابه، فغفر الله له بخشيته.
فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد، من أهل الإيمان بالله ورسوله وباليوم الآخر والعمل الصالح، لم يكن أسوأ حالاً من هذا الرجل، فيغفر الله خطأه، أو يعذّبه إن كان منه تفريط في اتّباع الحق على قدر دينه).
وقال شيخ الإسلام أيضا ـ الفتاوى(12/180) ـ (وليس كل مخطئ ولا مبتدع، أو جاهل، أو ضال، يكون كافرا، بل ولا فاسقا، بل ولا عاصيا).
وما ذكره شيخ الإسلام حكم عام في كل المخالفين من أهل القبلة من المسلمين، ويدخل فيه الفرق الرئيسة التي خرجت في الصدر الأول واختلفت في تأويل القرآن، كالخوارج والشيعة والمعتزلة والمرجئة، قال رحمه الله ـ في الفتاوى (7/217-218) ـ (فأما من كان في قلبه الإيمان بالرسول وما جاء به وقد غلط في بعض ما تأوله من البدع، فهذا ليس بكافر أصلاً، والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالاً للأمة وتكفيرً لها، ولم يكن في الصحابة من يكفرهم لا علي بن أبي طالب ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع، وكذلك سائر الثنتين وسبعين فرقة، من كان منهم منافقًا فهو كافر في الباطن، ومن لم يكن منافقًا بل كان مؤمنًا بالله ورسوله في الباطن، لم يكن كافرًا في الباطن، وإن أخطأ في التأويل كائنًا ما كان خطؤه؛ وقد يكون في بعضهم شعبة من شعب النفاق ولا يكون فيه النفاق الذي يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، ومن قال: إن الثنتين وسبعين فرقة كل واحد منهم يكفر كفرًا ينقل عن الملة فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، بل وإجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة، فليس فيهم من كفر كل واحد من الثنتين وسبعين فرقة، وإنما يكفر بعضهم بعضًا ببعض المقالات).
2 ـ تسويغهم افتراق الأمة وتبريره باسم السنة والسلفية :
فقد تطور هذا الانحراف والغلو في تبديع وإكفار المخالفين، حتى وصل الحال ببعض المعاصرين من المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة أن صاروا دعاة فرقة وفتنة، لا دعاة سنة وجماعة، بل إنهم لا يرون اجتماع الأمة اليوم، ولا يحثون عليه، ولا يدعون إلى جماعة، بل يكرسون القطرية التي فرضها الاستعمار الخارجي، بدعوى أنه يشترط لتوحيد الكلمة أن تكون على كلمة التوحيد!
فإذا نظرت فإذا التوحيد في نظرهم ليس هو الإقرار بكلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، ولا الإقرار الإجمالي بأركان الإيمان وفرائض الإسلام وترك الشرك، بل هو القول بكل ما يقولونه في مسائل الاعتقاد على وجه التفصيل!
وهو ما لم يشترطه سلف الأمة وأهل السنة والجماعة لوجوب الاعتصام بحبل الله جميعا وعدم التفرق، إذ وحدة الأمة السياسية أصل من أصول الدين، لا يحول دونها تفرق المسلمين في الآراء والعقائد ما داموا في دائرة الإسلام، ولهذا اغتفر سلف الأمة وأئمة أهل السنة والجماعة ـ من أجل المحافظة على الجماعة ووحدة الأمة وبقائها في كيان سياسي واحد تحت سلطة واحدة ـ ما وقع من بدع وكبائر قد تقع من الأمراء والولاة دع عنك من دونهم، مع إنكارهم لتلك البدع وردهم لها، كل ذلك حفاظا على هذا الأصل الذي اشتهر به أهل السنة خاصة وهو وصفهم بـ (الجماعة)، بينما لم يحتمل ذلك الخوارج ولا المعتزلة ولا الشيعة فكانوا لا يرون الجماعة إلا على وفق أصولهم أو يعتزلون الأمة!
فخالف المنتسبون إلى أهل السنة المعاصرون هذا الأصل الأصيل، وابتلوا بما ابتلي به أهل البدع السابقون، كما قال شيخ الإسلام عنهم ـ منهاج السنة (5/95) ـ (من شأن أهل البدع أنهم يبتدعون أقوالا يجعلونها واجبة في الدين، بل يجعلونها من الإيمان الذي لابد منه، ويكفِّرون من خالفهم فيها ويستحلُّون دمه، كفعل الخوارج والجهمية والرافضة والمعتزلة وغيرهم، وأهل السنة لا يبتدعون قولاً ولا يكفِّرون من اجتهد فأخطأ وإن كان مخالفًا لهم، مكفرًا لهم، مستحلاً لدمائهم، كما لم تكفِّر الصحابة الخوارج، مع تكفيرهم لعثمان وعليّ ومن والاهما، واستحلالهم لدماء المسلمين المخالفين لهم).
وفي الوقت الذي ترى بعض هؤلاء يغض الطرف عن موبقات الطغاة وكفرهم بدعوى مراعاة المصلحة والمفسدة، لا تراه في المقابل يغض الطرف عن اختلاف أهل القبلة فيما اختلفوا فيه من التأويل مراعاة لمصلحة وحدة الأمة في ظل ضعفها وتدخل العدو الخارجي في شئونها، واستغلاله الخلاف العقائدي فيما بينها لتحقيق سيطرته عليها! فلا يلتفت إلى هذه المصالح الكلية، فتراه يجهد نفسه وخيله ورجله في إثارة الفتن بين المسلمين، وتفريق كلمتهم، والدعوة إلى التهاجر والتباغض بين أهل القبلة، حتى في البلد الواحد، في وقت أحوج ما تكون الأمة فيه لوصية رسولها صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح (لا تدابروا ولا تهاجروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا) (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)!
لقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية في حياته العملية السياسية داعية للوحدة والجماعة حتى قال عن نفسه ـ في الفتاوى 3/227 ـ (والناس يعلمون أنه كان بين الحنبلية والأشعرية وحشة ومنافرة، وأنا كنت من أعظم الناس تأليفا لقلوب المسلمين، وطلبا لاتفاق كلمتهم، واتباعا لما أمرنا به من الاعتصام بحبل الله جميعا، وأزلت عامة ما كان في النفوس من الوحشة..).
وقد حرض الأمة على الجهاد وخرج في أهل الشام في معركة (شقحب) لمواجهة المغول وكانوا من كل الطوائف، فلم يشترط أن لا يخرج معه إلا أتباعه وأنصاره، بل دعا المسلمين جميعا إلى الجهاد فنفروا معه من أهل الحديث والأشعرية والصوفية وعامة المسلمين، حتى نصرهم الله.
لقد صارت الفرقة عند بعض المعاصرين هي الجماعة! وبلغ الحال ببعض المنتسبين إلى السنة حين ذكرت له ضرورة وحدة المسلمين في الخليج وجزيرة العرب، وأن العدو الخارجي إنما سيطر عليهم، وتحكم بهم، بسبب تشرذمهم وتفرقهم وضعفهم، وقد أوجب الله عليهم أن يعتصموا بحبل الله جميعا، فما كان منه إلا أن قال بأن الفرقة أحيانا قد تكون أرحم من الاجتماع، وأنه لا بد لتوحيد الكلمة أن تكون على كلمة التوحيد!
ولشيوع هذه العقيدة التي يصرح بها كثيرون من أدعياء السنة ويستبطنها كثيرون اعتقادا منهم بأنهم موحدون لا يسوغ لهم أن يتوحدوا مع غيرهم من المسلمين المشركين والمبتدعين، تراهم يقرون الحالة القطرية التي فرضها الاستعمار، ولا يكاد يوجد في خطابهم دعوة إلى الوحدة والجماعة، حتى صارت الأمة تتطلع للقوميين العرب لينقذوها من ضعفها وتشرذمها الذي يسوغه الموحدون الجدد!