جزيرة العرب بين
التوحيد الإسلامي
والتقسيم الجاهلي
أ.د. حاكم المطيري
الأمين العام لمؤتمر الأمة
11/ 7/ 1447هـ
31/ 12/ 2025م
ظلت جزيرة العرب طول العهد الإسلامي وحدة جغرافية وديمغرافية واحدة،
وكان كل خطر وتهديد أمني لجزء منها يمثل تهديدا لها كلها، ولهذا جعل لها النبي ﷺ من الأحكام السياسية الشرعية الخاصة بها ما ليس لغيرها، لوجود
الحرمين الشريفين، فهي مهبط الوحي، ومهد الإسلام، ولم يمت رسوله ﷺ حتى وحدها كلها دستوريا وسياسيا وتشريعيا، في ظل الدولة النبوية،
وحتى أرسل الولاة والقضاة وجباة الزكاة على أقاليمها كلها، من الحجاز، وتهامة،
واليمن، وعمان، والبحرين، ونجد، واليمامة، وقال ﷺ (تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فعليكم
بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)، وقال (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)،
وقال (أبغض الناس إلى الله مبتغ في الإسلام سنة الجاهلية)..
وحتى قال (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)..
وقد راعى النبي ﷺ في أحكامه، وما
سنه في رسائله لكل أهل بلد وقبيلة خصوصيتهم، فلا يضار أحد أهلها في مياههم،
وأرضهم، وكان ﷺ يأخذ زكاة أهل كل بلد وقبيلة من أغنيائهم ويردها على فقرائهم، كل ذلك
في ظل دولة مركزية، تحقق الوحدة العامة، وتحمي الحقوق الخاصة..
وقد ظلت دولة الخلافة طوال عصورها تحافظ على وحدة جزيرة العرب،
وتتولى حمايتها، وإدارة شئون أقاليمها، ومدنها، وقبائلها، وكان آخرها الخلافة
العثمانية - انظر البحث المنشور في مجلة مكتبة الملك فهد سنة ١٩٩٦م عن القرارات
والأنظمة العثمانية التي صدرت من عام ١٨٧٢ إلى ١٩٢٢م لتنظيم شئون أقاليم ومدن
جزيرة العرب (الحجاز - تهامة - نجد - ساحل الخليج - اليمن - عسير) بما في ذلك دفع
رواتب موظفيها في الوزرات والإدارات العثمانية (وزارة الحربية والأوقاف والمعارف
والصحة) ومصاريف ممثلي الأقاليم في المبعوثان (البرلمان) العثماني، ورواتب أمراء
المدن والشيوخ والقضاة في مكة والمدينة وجدة وينبع والطائف وحايل وبريدة وعنيزة
وأبو عريش وصنعاء والحديدة وغيرها، بما يؤكد وحدتها وتبعيتها كلها لدولة واحدة،
حتى جاء المحتل البريطاني في الحرب العالمية الأولى (١٩١٤ - ١٩١٨) فقسمها إلى
دويلات وظيفية جاهلية تحت نفوذه لخدمة مصالحه، وما تزال جزيرة العرب تدفع ثمن هذا
التقسيم من أمنها واستقرارها إلى اليوم، حيث يغذي المحتل الصراعات بين أقاليمها
ودولها، ويشعل الحروب والفتن بين أهلها، ليقسمها أكثر فأكثر، مما يوجب على الأمة
كلها شرعا المبادرة إلى حمايتها من الأخطار الخارجية، وإعادة توحيدها، ومنع
تقسيمها، وتحريرها من كل نفوذ سياسي ووجود عسكري أمريكي وأوربي.
وقد أوجز عبقري هذه الأمة الخليفة الراشد الملهم عمر رضي الله عنه حال
العرب بلا إسلام بكلمته الخالدة، وحكمته البالغة: (نحن قوم أذلة، أعزنا الله
بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره، أذلنا الله)!
وما تزال أحداث التاريخ، والواقع الحديث، تؤكد هذه الحكمة العمرية،
والحقيقة السياسية والاجتماعية للعرب، فلا تقوم لهم قائمة إلا بالإسلام، فإذا
استبدلوا به غيره - سواء باسم القومية أو الوطنية أو الليبرالية أو الاشتراكية -
عادوا إلى جاهليتهم الأولى، كما قال شاعرهم:
وأحيانا على بكر أخينا
إذا ما لم نجد إلا أخانا
وصدق وريث حكمته، وحافظ فقهه، إمام دار الهجرة مالك بن أنس: (لن يصلح
آخر هذه الأمة، إلا بما صلح به أولها).