الدولة العقارية
مناقشة شرعية
2- 5 رجب 1447هـ
22 – 25 ديسمبر 2025م
رد أ.د. حاكم المطيري على شبهات شرعنة الدول القطرية وتشرذم الأمة الإسلامية
بدعوى الواقعية وجواز تعدد الأئمة..
حياك الله أستاذ محمد الشنقيطي:
ما ذكرته في هذا اللقاء [عن شرعية الدولة الوطنية بحدودها القطرية التي
فرضها المحتل بدعوى الواقعية وتسميتها بالدولة العقارية] أثار إشكالات خطيرة كبرى
-بعيدا عن تناقض هذا التعريف العقاري الخيالي للدول مع تعريف الإسلام وأحكامه الفقهية
جملة وتفصيلا بل وتناقضه مع الواقع السياسي والتاريخي حيث تعبر الدول الطبيعية عادة
عن إرادة شعوبها وهويتها بخلاف الدويلات الوظيفية التي تعبر عن إرادة المحتل الخارجي
الذي فرض وجودها حتى إذا ما زال زالت معه وهو ما يتوقع لكل دويلات سايكس بيكو حين يتحرر
العالم الإسلامي! وما زالت الإمبراطوريات تحكم العالم إلى اليوم وإن تغيرت ألقابها
وأنظمة الحكم فيها، فالدول الخمس في مجلس الأمن هي في الوقع الإمبراطوريات في هذا القرن!
فالصين الشيوعية هي الصين الإمبراطورية، والاتحاد الروسي هو الإمبراطورية الروسية،
وبريطانيا، وفرنسا، هما هما الإمبراطوريتان الاستعماريتان، والولايات المتحدة الإمبراطورية
الاستعمارية الجديدة ولعل احتلالها لأفغانستان والعراق وحصارها لسوريا وأخيرا غزة أوضح
دليل على العقلية الإمبراطورية التي تنظر واشنطن للعالم بها- إلا أن السؤال الخطير
هنا هو هل قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين وولادتها غير الشرعية يجعلها واقعا يجب
الاعتراف به؟ وهل الواقعية السياسية تقتضي التعامل معها وتجاوز العقلية العربية والإسلامية
التاريخية التي ما تزال ترفض وجودها؟
ولم لا يقبل الشعب الفلسطيني العيش في ظل هذه الدولة العقارية إذا ضمنت
له إسرائيل كامل حقوق المواطنة؟
وما علاقة الأمة والعالم الإسلامي أصلا بقضية فلسطين؟ وما الذي يوجب على
كل مسلم التضحية من أجلها ما دامت العلاقة بالأرض والوطن علاقة عقارية محدودة بقاطنيها
ولا دخل للدين فيها؟
وهل يجب فرض عين على كل مسلم العمل على تحرير فلسطين؟ وكذا كل أرض يحتلها
العدو الكافر وإن أقام عليها دولته مادام شعبها المسلم يقاومه ويجب على الأمة كلها
نصرته كما قضية كشمير مثلا؟
وما الدليل على هذا الوجوب إذا استبعدنا مفهوم دار الإسلام وتعريفها وأحكام
الإسلام تجاهها؟
ولمَ يجب على كل مسلم الدفع عن كل بلد إسلامي يتعرض للاحتلال الخارجي
كما أجمع على ذلك الفقهاء وعد كل من قتل في سبيل ذلك شهيدا بينما لا يجب عليه شرعا
الدفع عن غير بلدان العالم الإسلامي؟
هذه بعض الأسئلة التي تتبادر للذهن عند سماع مثل هذه الأطروحات السياسية
الخيالية مهما قيل عنها بأنها نظرة موضوعية واقعية!
رد د. محمد الشنقيطي:
حياكم الله وبياكم شيخنا الكريم الدكتور حاكم..
أوجب النص الشرعي وحدة الأمة،
لكنه لم يوجب وحدة الدولة، والأمة ليست مرادفة للدولة.. لم تكن كل الأقطار الإسلامية
منضوية تحت قيادة سياسية واحدة في أغلب مراحل التاريخ الإسلامي. لكن ذلك لم يمنع تلك
الأقطار من الحفاظ على وحدة الأمة، تعاونا وتناصرا ضد الصائل الخارجي، كالمغول والصليبيين
وغيرهم… أوروبا اليوم أمة واحدة، بل الغرب كله أمة واحدة، في حدوده المفتوحة، وفي تعاونه
الاقتصادي، وفي تنسيقه السياسي، وفي أحلافه العسكرية.. دون أن يكون دولة واحدة…أقدٍّر
حرصكم -شيخنا الكريم- على وحدة الأمة، ولستُ أقل حرصا منكم على ذلك. فلا ريب عندي أن
وحدة الأمة الإسلامية واجب شرعي، وضرورة استراتيجية. لكن وحدة الأمة في العصر الحديث
لا تتحقق على أسس سليمة إلا إذا كانت طوعية. وليس من اللازم أن تكون وحدة اندماجية،
بل يمكن أن تكون وحدة تنسيقية… فهمي للوحدة الإسلامية في العصر الحديث أقرب لفهم أعلام من ذوي البصيرة بالواقع المعاصر، مثل الكواكبي،
والسنهوري، ومالك بن نبي. فقد نظَّر لها هؤلاء بمنطق عملي، في صيغة اتحاد مرن وطوعي
بين مكونات أمة مترامية الأطراف، من أجل تحقيق التناصر والتعاضد. ولم ينظّروا لها كخلافة
عالمية على النمط الإمبراطوري القديم.… أعتقد أن شعوبنا تحتاج اليوم إلى تملُّك دولها،
والتحكم في حكامها، قبل أن تقرِّر ما الذي ستفعله بمصائر هذه الدول....
تعقيب أ.د. حاكم المطيري:
شكر الله لك أستاذ محمد
ووفقك لما يحبه ويرضاه..
وليس محل البحث ما ذكرته هنا مطولا ولا بخصوص الشروط الضرورية لوحدة العالم
الإسلامي وفي أي إطار تختاره الأمة وشعوبها..
والذي لا يمكن تحقيقه قبل تحريرها
من النفوذ الغربي الأوربي الأمريكي الذي تمتد قواعده العسكرية من عمان شرقا الى موريتانيا
غربا وقبل تحررها أرضاً وسيادةً وإرادةً واستعادة شعوبها لحريتها ووحدتها والتي جاءت
الثورة العربية في موجتها الأولى تعبيرا عن رفضها لواقعها الداخلي الذي يتمثل في الاستبداد
وأنظمته الوظيفية، والخارجي الذي يتمثل في الاحتلال وقواعده العسكرية..
وقد كشف عن واقعها الوظيفي بكل جلاء إبادةُ غزة وشعبها وعجز ٥٦ دولة إسلامية
عن وقف هذه الإبادة حتى تدخل القيصر الأمريكي ترامب بعد سنتين ومنّ على من بقي من أهلها
بدخول الطعام كاشفا بذلك حقيقة واقع النظام العربي ودويلاته الوظيفية وهذا النظام الدولي
المزعوم والعالم المعاصر الذي ليس سوى العالم القديم نفسه وإمبراطورياته نفسها بأدوات
أشد فتكا وتدميرا!
وليس البحث في الموقف الاستشراقي الغربي من الخلافة وتاريخها وحشرها مع
الدول الإمبراطورية التي انتهت ولن تعود بينما الواقع يؤكد أنها هي الغائب الوحيد!
ولا في الموقف الشرعي من تقسيم العالم الإسلامي بلا إرادة شعوبه إلى
٥٦ دولة وتجويز تقسيمه إلى ١٢٠ دولة وأكثر كما يريده النظام الأمريكي الأوربي الإمبراطوري
وهو ما يجري اليوم في السودان وليبيا واليمن والعراق وسوريا بل والمنطقة كلها! ويمهد
له بمثل هذا الخطاب الفكري والسياسي الذي يتناقض مع قطعيات القرآن والسنة في وجوب الوحدة
والاجتماع وعدم الافتراق!
فليس هذا كله موضوع البحث هنا..
وإنما القضية التي أحببت لفت نظرك الكريم إليها هي أسئلة محددة حول الدولة
العقارية والإشكالات التي تطرحها هذه النظرية وحصر البحث فيها والإلزامات التي لا أشك
أنك لا تقول بها إلا أن هذا هو لازم هذه النظرية للدولة العقارية التي تم استبعاد الدين
نفسه وأحكامه حولها بينما ارتباط المسلمين بفلسطين - مثلا ويقاس عليها كل أرض إسلامية
- والصراع الأممي الديني الإسلامي اليهودي المسيحي حولها يتنافى مع هذه النظرية ويؤكد
بأن للأرض في الإسلام أحكاما تخصها وهي أول ما شرع من أحكامه السياسية حيث فرق في أحكام
الهجرة بين مكة قبل الفتح والحبشة والمدينة المنورة فأوجب الهجرة من مكة وأباحه إلى
الحبشة وأوجبه إلى المدينة بحسب حال كل أرض وموقفها من الإسلام وأهله وظهور أحكامه
فيها وعلى أساسه تشكلت دار الإسلام وشرعت أحكام الدفع عنها وإقامة الأحكام فيها، وكذا
دار السلم ودار الحرب والفرق بينهما في علاقة دار الإسلام بهما..
فالإجابة عن تلك الأسئلة حصرا والاستشكالات التي تطرحها سيفتح آفاقا أوسع
لفهم هذه النظرية بعيدا عن الخوض في قضايا كبيرة سيجيب عنها المستقبل القريب بإذن الله
فاحتلال فلسطين لن يدوم! وتحريرها لن يكون في ظل هذا الواقع العربي والإسلامي! والأمة
على أعتاب تحول تاريخي وهي تمضي إليه وقد يتغير واقعها السياسي وخرائطه خلال عقد قادم
تغيرا جذريا أنظمة ودولا حدودا ووجودا!
فللأمة رأي وللمستقبل كلمة!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرد
على الشيخ عبدالسلام الشويعر وقوله بجواز تعدد الأئمة
فضيلة الشيخ عبدالسلام الشويعر
وفقه الله لما يحبه ويرضاه:
القول بجواز تعدد الأئمة باطل بالنص والإجماع وخلاف النصوص القطعية في
الكتاب والسنة وليس هذا كلام أهل السنة ولا الأئمة، ولا سلف الأمة! بل هو من أقوال
أهل البدع!
وإنما سمي أهل السنة و(الجماعة) بهذا اللقب لجعلهم الجماعة ووحدة الأمة
أصلا من أصولهم فيحرمون شق عصاها والافتراق عنها وتعدد الأئمة عليها!
وإنما يجب عند حدوث الافتراق واقعا عدم تعطل الأحكام فيطاع كل أمير في
بلده مع حرمة استمرار الفرقة ووجوب الاجتماع!
وقد ذكر الإمام الشافعي إجماع الأمة على بطلان تعدد الأئمة، وأنه لا يكون
للمسلمين إلا خليفة واحد، فقال في الرسالة ص ٤١٨: (وما أجمع المسلمون عليه: من أن يكون
الخليفة واحدًا، فاستخلفوا أبا بكر، ثم استخلف أبو بكر عمرَ، ثم عمرُ أهلَ الشورى ليختاروا
واحدًا).
وقال النووي: (واتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين في عصر
واحد، سواء اتسعت دار الإسلام أم لا، وقال إمام الحرمين في كتابه الإرشاد: قال أصحابنا:
لا يجوز عقدها لشخصين، قال: وعندي أنه لا يجوز عقدها لاثنين في صقع واحد وهذا مجمع
عليه، قال: فإن بعد ما بين الإمامين، وتخللت بينهما شسوع فللاحتمال فيه مجال.. وحكى
المازري هذا القول عن بعض المتأخرين من أهل الأصول، وأراد به إمام الحرمين، وهو قول
فاسد مخالف لما عليه السلف والخلف ولظواهر إطلاق الأحاديث).
وقال قاضي القضاة الماوردي: (وإذا عقدت الإمامة لإمامين في بلدين لم تنعقد
إمامتهما، لأنه لا يجوز أن يكون للأمة إمامان في وقت واحد وإن شذ قوم فجوزوه).
وقال ابن نجيم الحنفي: (ولا يجوز تعدده في عصر واحد، وجاز تعدد القاضي،
ولو في مصر واحد).
وقال الحموي في شرحه له: (فإذا اجتمع عدد من الموصوفين فالإمام من انعقد
له البيعة من أكثر الخلق، والمخالف لأكثر الخلق باغ يجب رده إلى انقياد المحق). وهذا
محل اتفاق بين الفقهاء بأن المعتبر عند الاختلاف في اختيار الإمام هو رأي أكثر الأمة
واختيار الجمهور.
وقال الشربيني الشافعي: (ولا يجوز عقدها لإمامين فأكثر، ولو بأقاليم، ولو
تباعدت، لما في ذلك من اختلال الرأي وتفرق الشمل).
وفي مطالب أولي النهى في فقه الحنابلة: ((لا يجوز تعدد الإمام) لما قد
يترتب عليه من التنافر المفضي إلى التنازع والشقاق ووقوع الاختلاف في بعض الأطراف،
وهو مناف لاستقامة الحال، يؤيد هذا قولهم: "وإن تنازع في الإمامة كفؤان أقرع بينهما"،
إذ لو جاز التعدد لما احتيج إلى القرعة).
وفي البحر الزخار في فقه الزيدية: (مسألة: ولا يصح إمامان للإجماع يوم
السقيفة).
وفي التاج المذهب: (ولا يصح) أن يقوم بها (إمامان) في وقت واحد وإن تباعدت
الديار بل يجب على المتأخر التسليم للمتقدم وإن كان أفضل مهما كان الأول كامل الشروط).
وهذا مذهب الظاهرية كما قال الإمام ابن حزم: (ولا يجوز أن يكون في الدنيا
إلا إمام واحد فقط).
وقال أيضا (مسألة: ولا يحل أن يكون في الدنيا إلا إمام واحد، والأمر للأول
بيعة).
وشذ الكرامية وخالفوا أهل السنة والجماعة وقالوا بجواز تعدد الأئمة، ورد
عليهم ابن حزم بأن هذا الرأي يفضي إلى تجويز أن يكون على كل مدينة وقرية إمام تجب طاعته،
وهذا باطل شرعا وعقلا!
قال الأمين الشنقيطي في تفسيره: (وأبطلوا احتجاج الكرامية: بأن معاوية
أيام نزاعه مع علي لم يدع الإمامة لنفسه، وإنما ادعى ولاية الشام بتولية من قبله من
الأئمة، ويدل لذلك إجماع الأمة في عصرهما على أن الإمام أحدهما فقط لا كل منهما، ويرده
قوله ﷺ: "فاقتلوا الآخر منهما"، ولأن نصب خليفتين يؤدي إلى الشقاق
وحدوث الفتن)..
وتعدد الأئمة عند أهل السنة هو زمن فتنة وفرقة، لا بيعة واجبة فيه لأحد،
كما رواه البيهقي في السنن ٨/ ٣٣٤- عن ابن عمر (والله لا أبذل بيعتي في فرقة ولا أمنعها
من جماعة).
وبه قال الإمام أحمد حين سأله ابن هانئ - في مسائله ٢٠١١ وكما في السنة
للخلال رقم ١٠ - عن حديث: (من مات ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)، قال أحمد: (أتدري
ما الإمام؟ ذاك الذي يجتمع المسلمون كلهم يقول: هذا إمام. فهذا معناه)..
وفي مسائل الكوسج ٣٢٩٨: (قال إسحاق بن منصور: قُلْتُ: قول جابر: دخلتُ
على الحجاج فما سلمتُ عليه؟
قال: يعني: بالإمرة.
قال إسحاق راهويه: كما قال)!
وهذا قبل اجتماع الناس على عبد الملك بن مروان سنة ٧٣.
وهو ما تواترت به النصوص عن النبي ﷺ في الصحيحين كحديث الخلفاء وفيه (أوفوا بيعة الأول فالأول) فلم يجعل البيعة
إلا للخليفة الأول ولا بيعة للثاني، وقال إذا تعدد الأئمة: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا
الثاني منهما)، وفي الصحيحين أيضا قال حذيفة (فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال ﷺ: فاعتزل تلك الفرق كلها).
وإنما يطاع كل ذي سلطان في ولايته اضطرارا لئلا تتعطل الأحكام، لا لجواز
التعدد والافتراق بذاته، ومشروعيته في نفسه، فحكمه حكم الميتة للمضطر إلى أن تجتمع
الأمة على إمام واحد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلام الشيخ فيصل الجاسم في تعدد الأئمة:
لا خلاف بين الأمة في أنه لا يجوز تعدد الأئمة، وأن الأصل أن يكون للمسلمين
إمام واحد، وهذا موضع إجماع لم يخالف فيه إلا الكرامية وبعض المعتزلة. وكل ما نقله
الدكتور حاكم المطيري إنما يؤكد هذا الأصل المتفق عليه.
لكن الإشكال ليس في أصل الحكم، وإنما في محل تنزيله؛ فإن هذا الاشتراط
إنما يكون في حال الاختيار والقدرة والإمكان، لا في حال الاضطرار والعجز.
فإذا تنازعت الأمة، واختلفت الأئمة، وتفرّق المسلمون، وتعذر اجتماعهم على
إمام واحد إلا بقتال وفتنة وسفك دماء، فقد اتفق أئمة أهل السنة على أن كل من تولى الحكم
على بلد من بلاد المسلمين أو ناحية من نواحيها، ورضيه الناس، واستتب له الأمر، فإن
له جميع أحكام الإمامة. وقد نقل غير واحد من أهل العلم إجماع المسلمين على ذلك قولًا
وعملاً، كابن تيمية، والصنعاني، ومحمد بن عبد الوهاب، والشوكاني وغيرهم.
والواقع التاريخي شاهد على هذا؛ فإن المسلمين منذ قيام الدولة الأموية
في الأندلس وانفصالها عن الخلافة العباسية سنة (137هـ)، وإلى يومنا هذا، لم يجتمعوا
على إمام واحد، بل تعددت الأئمة في الأمصار، وأجمع علماء كل قطر على إعطاء من تولى
عليهم أحكام الإمامة من السمع والطاعة، ولزوم الجماعة، وتحريم الخروج عليه. وهذا أمر
معلوم بالضرورة، إذ لم يقل أحد من المسلمين بوجوب قتال إمام من الأئمة –ولو اتسعت دولته–
لإلزام غيره بالدخول في طاعته من خارج ولايته...
تعقيب أ.د. حاكم المطيري على رد
الشيخ فيصل الجاسم:
شكرك الله لك وعلى ما ذكرت هنا ملحوظات:
الأول: من يقرر مشروعية تعدد الأئمة في دار الإسلام، ويرى وجوب بيعة كل
ذي سلطان وطاعته بحكم الواقع؛ يقرر - شاء أم أبى - جواز تقسيم البلد الواحد، وجواز
الخروج على الجماعة والإمام العام فيها!
إذ حجية المشروعية عند هؤلاء هو الواقع نفسه والغلبة على الأرض، فكلما
انقسم بلد إلى مناطق متصارعة وتعددت السلطة فيه بتعدد الانقسام، صارت كل سلطة واجبة
الطاعة شرعا، وتصور هذا اللازم كاف في بطلان هذا القول!
فلو ثارت منطقة أو قبيلة أو زعيمها وشيخها، في بلد واستطاعت أن تستقل في
أرضها بالقوة واختارت لها رئيسا يمثلها، كما يجري اليوم في دار فور في السودان، أو
في السويداء ودرعا في سوريا، أو لو حدث ذلك في جنوب المملكة العربية السعودية أو شمالها
أو في الأحساء مثلا..
فهل تكون السلطة الجديدة المنشقة ذات مشروعية في أرضها ولها بيعة ويجب
السمع والطاعة لها شرعا؟ وطاعتها من طاعة الله ورسوله؟ ويجب على السكان الذين تحت نفوذها
نصرتها في الانشقاق؟
أم يحرم عليهم السمع والطاعة لها ويجب عليهم الاجتماع ورفض الانشقاق؟
فإما أن تقول يجب عليهم طاعتها شرعا بحكم ثبوت سلطانها الواقعي، وإن أدى
إلى تقسيم البلد الواحد، وإلا وجب عليكم الرجوع عن هذا الأصل الفاسد!
الثاني: إذا كان تعدد الأئمة من باب الضرورة - كما قررت في مقالك - فهو
محرم في الأصل لعموم ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا﴾ ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا﴾، ومعلوم
أن المحرمات القطعية تقدر بقدرها، ولا تكون أصلا تبنى عليه الأحكام الشرعية المستقرة،
كما لا يكون جواز أكل الميتة اضطرار أصلا مستقرا يجب المحافظة عليه، وعدم تغييره، ولا
يقول هذا من يفقه أصول الأحكام!
الثالث: ما هو الطريق الشرعي لرفع حال الضرورة هذه، وإعادة وحدة الأمة،
كما أوجب الله؟ وكيف يتحقق هذا الأصل العظيم الذي جعله النبي ﷺ قرين توحيد الله فقال (إن الله يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا،
وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)؟
فالواجب على العلماء دعوة الأمة إليه، وتذكيرها به، وبيان حرمة الافتراق
الذي هو سبب سيطرة اليهود والنصارى عليهم واحتلال بلدانهم، واستلاب ثرواتهم وقتالهم
بها، ولعل ما جرى في غزة وإبادة شعبها أوضح دليل على خطورة هذا الافتراق.
الرابع: أن نصب إمام واحد، فرض بالنص والإجماع، كما نص عليه جميع أئمة
المذاهب الفقهية، فلو افترض أن أكثر الدول الإسلامية اتفقت على الاتحاد، وإقامة هذا
الفرض، فأبت بعض الدول، فما الحكم الشرعي؟ وهل يجب على الشعوب التي رفضت حكوماتها الاتحاد
طاعتها في الإصرار على الفرقة المحرمة؟ أم عصيانها؟
الخامس: أن هذا الخلاف الفقهي في تعدد الأئمة إنما هو فيمن يحكمون بالإسلام
أما واقع دول سايكس بيكو فلا علاقة للإسلام به لا أصلا ولا اضطرارا.
السادس: أن هذه النازلة حدثت في عهد الصحابة، فأجمعوا على عدم صحة البيعة،
والسمع والطاعة زمن الفتن إلا لإمام واحد فقط، حتى امتنع ابن عمر عن طاعة علي بن أبي
طالب، وكذا اعتزل سعد بن وقاص، ومحمد بن مسلمة، وجمهور الصحابة في المدينة، ولم يشاركوا
في القتال في معركة الجمل، ولا صفين، حتى من يقر بخلافة علي لم ير طاعته! وكان علي
خليفة، ومعاوية أمير مستقل بالشام، ولم ير الصحابة جواز استقلال كل واحد منهما في بلده،
حتى قبلا بالصلح والتحكيم كما أراد أكثر الصحابة، وكذا حين بايع أكثر الأمة ابن الزبير
بمكة، وجاءته البيعة من كل الأمصار، إلا أهل الشام، بايعوا مروان بن الحكم، فأبى ابن
عباس عن بيعة ابن الزبير مع أنه تحت سلطانه بمكة، وكذا ابن عمر حتى قال (والله لا أبذل
بيعتي في فرقة، ولا أمنعها من جماعة)، وكذا قال محمد بن الحنفية، وقال الإمام أحمد
(نأخذ بقول عمر في الجماعة، وبقول ابنه في الفرقة).
فلا يصح ادعاء إجماع أهل السنة - فضلا عن الأمة كلها - على طاعة غير الخليفة
العام للمسلمين!
وإنما يطاع كل ذي سلطان بالمعروف، لا لشرعية إمامته، وإلا كان النجاشي
في الحبشة ولي أمر شرعي!
السابع: الادعاء بأن الأمة لم تجتمع على خليفة واحد منذ فتنة عثمان، أو
منذ سنة ١٣٢ فقول باطل تاريخيا وشرعيا، بل أجمع أهل السنة على صحة الخلافة الأموية،
ثم العباسية في بغداد حتى سقوطها سنة ٦٥٦، ثم صحتها في القاهرة، حتى دخلها السلطان
سليم الأول ٩٢٢، فكان أول خلفاء بني عثمان، وجاءته البيعة من كل الأمصار، حتى كان آخرهم
فعليا السلطان عبد الحميد الثاني، واسميا عبدالمجيد الثاني، وقد كانت جيوش الخلافة
العثمانية سنة ١٩١٣ - قبيل الحرب العالمية الأولى - تمتد من طرابلس الغرب في ليبيا
إلى الشام والعراق ومكة والمدينة والطائف والحديدة والإحساء والقصيم وعسير وقطر !
وكان مبارك الصباح قائم مقام عثماني في قضاء الكويت إلى وفاته سنة
١٩١٥م، ثم بعده ابنه جابر، وكذا عبدالعزيز بن سعود وغيرهم من الأمراء، إلى سقوط الخلافة..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أسئلة وإجابات عن ضرورة الخلافة وطبيعتها:
📩 س/ قيل لي: اذكر دليلا واحدا على
وجوب إقامة الخلافة من القرآن والسنة، فالصحابة أقاموها لكنها ليست فرضا علينا -على
حد تعبيره- كيف أجيبه؟
▫️ج/ قل له الإسلام والصراط المستقيم هو ما جاء به النبي ﷺ (دعوةً) إلى التوحيد بمكة حال الاستضعاف، و(دولةً) للتوحيد في المدينة
حال الاستخلاف، وما عداهما جاهلية.
والدليل هو وجوب اتباع النبي ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده، فما كانوا عليه هو الصراط المستقيم ﴿اهدنا
الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم﴾، وهو السبيل الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، كما في قوله تعالى له: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة
أنا ومن اتبعني﴾، وقال: ﴿فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا﴾، وقوله: ﴿ومن يشاقق
الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت
مصيرا﴾ ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم﴾
والآيات في ذلك أكثر من أن تحصى، وأعظم ما أقامه المهاجرون والأنصار مع النبي ﷺ واستحقوا به شرف السبق: الهجرة
والنصرة بإقامة الدولة وأحكام الإسلام والاستخلاف في المدينة، والجهاد في سبيل ذلك،
وتحقق وعد الله لهم بالظهور لدينهم، والخلافة في الأرض لهم: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم
في الأرض﴾ ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله﴾، فظهر وكمل
في المدينة ونزل في حجة الوداع قوله تعالى ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ بعد نزول قوله
﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك﴾ وحذر ﷺ من الإحداث في سنن الدين والدولة بعده فقال (من عمل ليس عليه أمرنا فهو رد)، وقال (أبغض الناس إلى الله مبتغ
في الإسلام سنة الجاهلية)..
وقال (من دعا بدعوى الجاهلية - كالعصبية القبائلية والوطنية والقومية
- فهو من جثاء جهنم وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم) ..
وتواترت السنة تواترا معنويا قطعيا بوجوب اتباع الخلفاء الراشدين كما
في الحديث المشهور الصحيح: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضو عليها بالنواجذ
وإياكم ومحدثات الأمور)، وقال: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)، وأجمع على ذلك
الصحابة كما في صحيح البخاري رقم ٧٢٠٧ في بيعة عثمان فقد بايعوه كلهم لم يتخلف منهم
أحد على الكتاب وسنة النبي ﷺ وسنة الخليفتين من بعده، فقد قال له عبد الرحمن بن عوف وهو أول من بايعه:
(أبايعك على سنة الله ورسوله، والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن، وبايعه الناس
المهاجرون والأنصار، وأمراء الأجناد والمسلمون).
فلولا وجوب اتباع الخلفاء الراشدين لما أجمع الصحابة على ذلك!
وأعظم ما أقامه الخلفاء الراشدون بعد النبوة هو الخلافة الراشدة على منهاج
النبوة، كما في الحديث الصحيح: (خلافة النبوة بعدي ثلاثون سنة)، وكل ما خالفها بعدها
محدثات يجب ردها وإبطالها، وهي الملك العضوض والملك الجبري، كما في الحديث الصحيح في
المسند (تكون النبوة فيكم ما شاء الله لها أن تكون ثم يرفعها الله، ثم تكون خلافة على
منهاج النبوة، ثم يكون ملكا عاضا، ثم ملكا جبريا، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة).
وقد أخبرهم النبي ﷺ عن طبيعة الحكم
بعده وأنه خلافة لها أصولها وسننها الراشدة فقال كما في الصحيحين: (كانت بنو إسرائيل
تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون.
قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول، أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما
استرعاهم).
وأمر برد كل ما خالفها من المحدثات فقال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس
منه فهو رد).
وقال كما في صحيح مسلم: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الثاني منهما).
وكل الآيات والأحاديث المتواترة في باب الإمامة والإمارة وشروطها وواجباتها
ومسئولياتها تؤكد هذا الأصل العظيم من أصول الإسلام، فمن تصور دعوة إلى الله لا تقرر
هذا الأصل العظيم -الذي أقامه النبي ﷺ في المدينة بالهجرة والجهاد وإقامة أحكام الله وسياسة شئون الأمة بهدايات
الكتاب، وخلفه من بعده على إقامته الخلفاء الراشدون- فلم يعرف بعد حقيقة الإسلام الذي
بدأ بدعوة التوحيد في مكة، وانتهى بدولة التوحيد في المدينة!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
📩 س/ قرأت كلاما للمفكر الألماني
المسلم د.مراد هوفمان يرى فيه بأن وجود الأمة الإسلامية أهم من وجود الخلافة، ويمكن
وجود مجتمع إسلامي بلا دولة إسلامية كما حدث في عصر ابن تيمية الذي استطاعت الأمة مواجهة
الخطر الخارجي دون وجود خلافة.. فما رأيكم؟
▫️ج/ لم يصب د. هوفمان رحمه الله في تصوره بأن عصر ابن تيمية كان بلا خلافة!
كيف! وأول عمل عظيم قام به الظاهر بيبرس والشيخ العز بن عبدالسلام هو إقامة الخلافة
العباسية بمصر ٦٥٨ بعد سقوطها في بغداد ٦٥٦ وبناء عليه تحولت عاصمة الدولة الإسلامية
إلى القاهرة واستطاعت بالخلافة توحيد العالم الإسلامي ومواجهة المغول والحملات الصليبية
وقيادة العالم الإسلامي بشرعية الخلافة مدة ثلاثة قرون حتى تحولت إلى إسطنبول وقد حضر
شيخ الإسلام ابن تيمية معركة شقحب تحت قيادة الخليفة العباسي المستكفي بالله والسلطان
الناصر اللذين شاركا في المعركة وأثنى عليهما وقد فصلت ذلك في كتابي (ابن تيمية ومعركة
التحرير)..
وحديث هوفمان عن أمة إسلامية بلا دولة هو في الحقيقة نسخ لكل أحكام العهد
المدني الذي قامت فيه الدولة ووجبت بعده الهجرة والجهاد لحمايتها وهو عهد الاستخلاف،
والاكتفاء بدلا منه بالعهد المكي عهد الاستضعاف المنسوخ!
وهذه الدعوة عينها هي هدف الحملة الصليبية الأخيرة على العالم الإسلامي
والتي بدأت مخططها بإسقاط الخلافة العثمانية بدعوى أن الإسلام دين لا يحتاج إلى الخلافة
والدولة! وجاء كتاب علي عبدالرازق (الإسلام وأصول الحكم) تتويجا لهذه الدعوة حتى قيل
اليوم أن الإسلام جاء بمفهوم الأمة الديني لا بمفهوم الأمة السياسي؛ لتبرير وجود دويلات
الحملة الصليبية المعاصرة التي أسستها وفرضت دساتيرها وقوانينها وسلخت شعوبها من دينها
بدعوى أن الإسلام يمكن أن يوجد كمجتمع بلا دولة تقيم أحكامه وتجاهد في سبيله!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
📩 س/ أستاذنا الدكتور تحية طيبة،
هل يعقل أن هذا الإسلام المتكامل الخاتم لم تحظ أمته عبر عصورها سوى بعدد قليل لا
يتجاوز أصابع اليد من حكامها العدول الشرعيين الذين تولوا الحكم بطريقة مشروعة وجاءوا
بما فيه مصلحة الأمة، وأن عامة من حكم الأمة كانوا أئمة جور قد تولوا الحكم بصورة غير
شرعية؟ أين مكمن الخطأ؟
▫️ج/ هذا غير صحيح، وهي نظرة غربية استشراقية للتاريخ الإسلامي، بل أكثر
الخلفاء عدول صلحاء، تولوا الخلافة ولاية شرعية، بحسب ما استقر عليه العمل فقها وقضاءً
في الأحكام السلطانية التي تمثل أكثرية الأمة السنية، من اشتراط القرشية، وتجويز الولاية
بالعهد من باب حسن النظر واختيار الأكفأ، لا من باب التوريث ..
وهناك فرق بين :
١- الخلافة كنظام سياسي إسلامي عام له أصوله وقواعده وأركانه (الأمة والدولة
والسلطة والمرجعية) حيث تمثل الأمة فيه الأصيل، والخليفة ووزراؤه وقضاته نواب عنها،
بعقد البيعة، وقد عبر عن سيادتها وحضارتها وهويتها ووحدتها ١٣ قرنا .
٢- والخليفة الذي يتولى منصب الإمام في نظام الخلافة، وقد يكون عدلا أو
جائرا.
فاختزال الخلافة -كنظام سياسي عبّر عن وحدة الأمة والدولة وهويتها وأحكام
دينها ومرجعيتها الدستورية والقانونية- بمنصب الخليفة كفرد قد يصيب ويخطئ؛ خلل كبير،
فأكثر من تولوا الخلافة عدول صلحاء وأكثرهم تولاها بالشورى أو بالعهد لا بالتوريث،
والخلط بينهما دليل على جهل كبير شائع، فالتوريث محرم بالنص والإجماع، وأما العهد فهو
ترشيح الخليفة لمن يراه أهلا للخلافة بعد وفاته من باب حسن النظر والاختيار للأمة،
لأنه يفترض فيه أنه عدل مأمون ومستشار مؤتمن؛ كما فعل أبو بكر حين عهد لعمر، بناء على
رغبة الصحابة، لكونه أعرف بالأكفأ من رجال الدولة الذين خبرهم وعرف قدراتهم، فالعهد
ترشيح منه للأكفأ بعد وفاته وللأمة أن تقبل وتعقد البيعة له أو لا تقبل، وما وقع فيها
من محاباة للأقارب ليس من باب التوريث والاستحقاق، لعدم شرعيته، فليست الخلافة ملكا
خاصا يدخله التوريث، بل من باب حسن النظر، وقد يقع فيه تأويل ومحاباة، وأما من تولوها
بالسيف بلا شورى ولا عهد، ومن لم يكونوا عدولا، فهم معدودون، وقد ثارت عليهم الأمة،
وقد كان اختيار الخليفة في العهد العباسي الثاني في بغداد، ثم في القاهرة -وهي أطول
مدد تاريخ الخلافة، وهي نحو ستة قرون- ليس بالقوة ولا بالغلبة، بل بشورى رجال الدولة
وأشراف الناس من القضاة وأئمة المذاهب وأمراء الجيوش، فقد تراجع مركز الخليفة في الخلافة
غير المركزية، وصار لا يتولاها إلا من توافرت فيه الشروط المنصوص عليها في كتب الأحكام
السلطانية وبشهادة قضاة الدولة وأئمة المذاهب الفقهية، ولم يعد للخليفة من قوة إلا
قوة الشرعية السياسية، وتوفر الأهلية وشروط الخلافة فيه، التي تستمد مشروعيتها من رضا
عامة المسلمين الذين يشترطون القرشية والأهلية في الخليفة، فلا يطمع السلطان أو أمراء
الأقاليم بمنافسته، ولا يستطيع هو أن يفرض نفسه إلا بعهد ممن قبله، ولا يقبل العهد
والمعهود له حتى يشهد له القضاة والفقهاء بالعدالة والأهلية، وهذا الذي أدى إلى استقرار
الخلافة العباسية في العصر الثاني، حيث حدث توازن بين مؤسسات الدولة -الخلافة والوزارة
والسلطنة وقاضي القضاة- وقوى المجتمع، فلم تعد ظاهرة الاستبداد السياسي تؤثر في المشهد
كما ظاهرة التوازن والتوافق وتحقق الكفاءة والأهلية، ولا يمكن الادعاء بأن الخلافة
العباسية في أطول عصورها كانت بالسيف والغلبة، ولا بالتوريث المستند عليها، بل بالعهد
الذي يستند على المشروعية السياسية، حيث يشترط دستور الخلافة آنذاك -الذي عبرت عنه
كتب الأحكام السلطانية- القرشية والعدالة والأهلية كما يؤمن بذلك عموم الأمة، كما الحال
اليوم مثلا في الملكية في بريطانيا وهولندا والدنمرك، فلا يمكن ادعاء أن التوريث فيها
بالقوة والاستبداد، فالدستور كان يشترط هذا الشرط الذي يعبر عن عقيدة دينية سنية، لا
عن غلبة وتوريث، ولا ينبغي محاكمة ذلك الدستور إلى واقع الأمة اليوم، بل يجب أن ينظر
إلى الواقع السياسي آنذاك ومدى تعبيره عن نظامه ودستوره، وإن وقع تأويل ومحاباة أحيانا
فلا ينفي وجود العدل والأئمة العدول.
وهذا كمن ينظر إلى عهد بوش الابن بعد عهد بوش الأب في أمريكا وما جرى
في عهد الابن من انتهاك للحريات داخل أمريكا نفسها بدعوى مكافحة الإرهاب فحكم على النظام
الأمريكي نفسه بأنه غير ديمقراطي ولا ليبرالي لفساد رئيسه أو استبداده، أو لتولي الابن
بعد الاستفادة من نفوذ أبيه وفترة حكمه!
وقد كان النصارى في عصور الخلافة يعجبون بعدالة المسلمين!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
📌 للاستزادة 📚
📎 كتاب الحرية أو الطوفان
https://t.me/DrHakem_books/10
📎 تحرير الإنسان وتجريد الطغيان
https://t.me/DrHakem_books/14
📎 كتاب ابن تيمية ومعركة الحرية
https://t.me/DrHakem_books/96
📎مختصر الكلام عن الخلافة والدولة في الإسلام
https://t.me/DrHakem_books/38
📎معالم الدولة الراشدة
https://t.me/DrHakem_books/60
📎جزء الأربعين في أحكام الخلافة ووجوب سنن الخلفاء الراشدين
https://t.me/DrHakem_books/64
📎 أجزاء كتاب عودة الخلافة
ج١ https://t.me/DrHakem_books/92
ج٢ https://t.me/DrHakem_books/94
ج٣ https://t.me/DrHakem_books/108
ج٤ https://t.me/DrHakem_books/112