الإعلام
في الفرق بين
"أصول السنة"
و"أصول الإسلام"
في الماهية والأحكام
الشيخ أ.د. حاكم المطيري
٤ / ٨ / ١٤٤٧هـ
٢٣ / ١ / ٢٠٢٦م
سؤال/ شيخنا هل قول الإمام أحمد وغيره في الحكم على من
قال بخلق القرآن بأنه كافر من أصول الدين؟ وأنه يجب علي الحكم على كل من قال به
بأنه كافر؟ وإلا فلست من أهل السنة؟
الجواب/ الحمد لله رب العالمين
وصلى الله وسلم على نبيه الأمين وآله وصحبه أجمعين وبعد:
هناك فرق بين:
١- أصول الدين والإسلام.
٢- وأصول السنة والاتباع.
٣- واجتهادات
الأئمة في مسائل الاعتقاد.
فالأول: أصول الدين والإسلام، وهي ما جاء نصا في الكتاب والسنة، على أنه لا إسلام إلا بالإيمان بها، كالإيمان
بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، كما في آخر سورة البقرة: ﴿آمن
الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق
بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير لا يكلف الله
نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا
ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا
طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾
[البقرة: ٢٨٥-٢٨٦].
وكما في سورة النساء في بيان كفر من لم يؤمن بها، كما في قوله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب
الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا
بعيدا﴾ [النساء: ١٣٦].
وكما في بيان ما ينافي الإيمان من إخلاص التوحيد وعدم الإشراك بالله
﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى
إثما عظيما﴾ [النساء: ٤٨]..
فهذه ونحوها هي أركان الإيمان، وأصول الإسلام، وقضايا الغيب التي لا
يكون المؤمن مؤمنا، ولا المسلم مسلما إلا بها، وهذه الأصول التي أجمع عليها أهل
الإسلام، وهم المسلمون جميعا، وهم أهل القبلة كافة، على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم،
كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، وهذا الذي قصده المصنفون في كتب السنة:
(ولا نرى كفر أهل قبلتنا، ولا كفر أحد بذنب، ما لم يستحله، ونصلي على من مات
منهم)..
وهذا الذي يعلم علما يقينيا أن النبي ﷺ دعا إليه، وقبل من العرب وأعرابهم وعامتهم الإقرار به في دخول
الإسلام..
وكذا فرائض الإسلام الخمس، التي فرضها الله بنص القرآن، وجعل الإيمان
بوجوبها شرطا لقبول الإسلام، كما قال سبحانه: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا
الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون﴾ [التوبة: ١١].
وقال تعالى في فرض الصوم: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما
كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ١٨٣].
وقال في فرض الحج: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن
كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ [آل عمران: ٩٧]
وقال النبي ﷺ: (بني الإسلام على خمس شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله،
وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا)..
فلا خلاف بين أهل الإسلام قاطبة على أن هذه الخمس هي فرائض الإسلام،
وأنه يجب اعتقاد وجوبها، والإيمان بأنها فرض، وإنما وقع الخلاف بينهم فيمن تركها
كسلا وفسقا، غير جاحد بها، ولا بفرضيتها..
وكالإيمان بأن الله حرم الفواحش كالزنا، واللواط، وقتل النفس بغير
الحق، والسحر، والربا، وشرب الخمر المسكر، والعقوق، وقطع الأرحام، وأكل مال
اليتيم، وأكل أموال الناس بالباطل، وأكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وكل ما جاء
تحريمه نصا في القرآن، كقوله تعالى في آخر سورة الأنعام: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم
ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن
نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم
الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي
أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا
قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون وأن
هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به
لعلكم تتقون﴾ [الأنعام: ١٥١-١٥٣].
وكما في قوله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن
والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على
الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣].
وكالمحرمات من الأطعمة نصا، كما في قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة
والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة
وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق
اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت
عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله
غفور رحيم﴾ [المائدة: ٣]
وكالمحرمات في النكاح نصا في قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم
من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا حرمت عليكم أمهاتكم
وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي
أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم
اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من
أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما﴾ [النساء:
٢٢-٢٣].
فالإيمان بذلك كله ونحوه من أصول الدين والإسلام المجمع عليها إجمالا،
فهي من العلم العام الواجب على كل مسلم معرفته والإيمان بحكمه، وهو فرض عين..
كما قال ابن تيمية في مجموع الفتوى ٧/ ٣٥٧: (ما أجمع عليه المسلمون من
دينهم الذي يحتاجون إليه أضعاف أضعاف ما تنازعوا فيه.
فالمسلمون: سنيهم وبدعيهم متفقون على وجوب الإيمان بالله، وملائكته،
وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ومتفقون على وجوب الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج،
ومتفقون على أن من أطاع الله ورسوله فإنه يدخل الجنة، ولا يعذب، وعلى أن من لم
يؤمن بأن محمدا رسول الله ﷺ إليه فهو كافر، وأمثال هذه الأمور التي هي أصول الدين وقواعد الإيمان
التي اتفق عليها المنتسبون إلى الإسلام والإيمان، فتنازعهم بعد هذا في بعض أحكام
الوعيد أو بعض معاني بعض الأسماء أمر خفيف بالنسبة إلى ما اتفقوا عليه) انتهى
كلامه.
والثاني: وهي أصول السنة والاتباع، فهي من العلم الخاص، الذي لا يجب
على كل مسلم العلم به ومعرفته فرض عين، وإنما العلم به فرض كفاية على أهل العلم
الذين يتصدون لهذا الفن وتدريسه، لرد المحدثات والبدع، ولا يحكم على من خالف فيه
بأنه غير مسلم، ولا بأنه كافر، إلا على سبيل كفر التأويل، لا كفر الردة..
ولهذا خصص الأئمة لهذه الأصول اسما يخصها وهو
(السنة)، ويعنون بها العقائد التي اشتهر بها أهل السنة والجماعة، وخالفهم فيها الفرق
الأخرى، كما في "أصول السنة" للإمام الحميدي القرشي المكي (ت ٢٤٠)، ولا يذكرون فيها غالبا أصول (الإسلام) التي يوافقهم عليها أهل
القبلة، وإنما ذكروا فيها ما فارق فيها أهلُ البدع سلفَ الأمة، والأئمةَ أهلَ
العلم بالكتاب والسنة.
١- فيذكرون إثبات الصفات لله، ومنها العلو عن الخلق ذاتا ومكانة،
والاستواء على العرش بلا كيف، ومسألة القرآن، وأنه كلام الله غير مخلوق، وأن كلامه
من صفاته، وأن يجري في إثبات الصفات ما يجري في إثبات الذات، وهو إثبات وجود، لا
إثبات كيف..
٢- ويذكرون ما ورد في السنة من قضايا الغيب الجزئية، كعذاب القبر،
والصراط، والشفاعة، وإثبات الرؤية لله يوم القيامة، ونحوها.
٣- ويثبتون القدر، وأنه علم الله الأزلي بما يكون وسيكون، وقدرته على
إيجاده على وفق تقديره، وأنه لا يوجد شيء إلا بأمره وخلقه، ومن ذلك أفعال العباد،
فهو الذي خلقهم وقدر أفعالهم، وجعل لهم مشيئة واختيارا وقدرة على فعلها، لا تخرج
عن مشيئته، وقدرته المطلقة..
٤- ويثبت جمهورهم بأن الأعمال من الإيمان، وأن الإيمان قول واعتقاد
وعمل.
٥- ويثبتون الخلافة ووجوبها وإثبات خلافة الخلفاء الأربعة الراشدين، وأنهم
في الفضل على نحو ترتيبهم فيها، وفضل المهاجرين الأولين، والأنصار السابقين،
وأمهات المؤمنين، وأهل البيت أجمعين، وفضل من جاء بعدهم من الخلفاء العدول،
والأئمة في الدين، كما تواتر في حديث الصحيحين: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم،
ثم الذين يلونهم..).
٦- ويرون وجوب الجماعة، والاجتماع، والجمعة والجماعات في مساجد
المسلمين، وتحريم الافتراق، وتحريم الخروج على الأمة والأئمة بالسيف، ولا يرون كفر
فاعل كبائر المعاصي ما لم يستحلها..
وكل ذلك على سبيل الإجمال بين أهل السنة، وإلا فتحت كل أصل من هذه
الأصول فروع فيها خلاف بينهم.
والثالث: الاجتهادات التي هي آراء الأئمة في المسائل الخلافية في
الاعتقاد، كالخلاف في دخول العمل في اسم الإيمان، فقال أهل العراق من أهل الرأي
بأنه غير داخل، وإن كان يجري على تاركه الوعيد عندهم، حتى قيل الخلاف بين الفريقين
لفظي، إذ الجميع يشترط الأعمال للنجاة من الوعيد، وقد صنف أبو عبيدة كتابه
(الإيمان) في بيان الخلاف بين أئمة الدين وأهل العلم في المسألة، ولم يحكم على من
خالف من أهل العراق بأنه مبتدع، بل مخطئ في أمر يدخله الاجتهاد والنظر والتأويل،
بخلاف من خرج عن الفريقين فادعى بأن الإيمان المعرفة فقط.
وكالخلاف في إثبات خلافة علي، فمنهم من كان يقف ولا يتجاوز عثمان،
مراعاة للخلاف بين علي وطلحة والزبير، وإنما استقر القول بإثبات خلافته بينهم في
القرن الثالث بعد أن تصدى الإمام أحمد لبيانها.
وكذا الخلاف بينهم في تفضيل علي على عثمان، أو التوقف في أيهما أفضل،
كان فيه خلاف بين أئمة السنة من أهل العراق والشام قديما، ثم استقروا على أن
ترتيبهم في الفضل بحسب ترتيبهم في الخلافة.
وكالاختلاف في الخروج على الإمام الجائر، مع إجماعهم على أصل الجماعة،
وتحريم الخروج بالسيف على الأئمة، فكان مالك وأبو حنيفة وغيرهم من أئمة السنة يرون
جواز الخروج عليه، لعدم صحة إمامته أصلا، بخلاف من ثبتت إمامته لعدالته وتوليه
بالشورى، فيحرم الخروج عليه وإن طرأ عليه فسق وجور حتى تعزله الأمة دون خروج..
وكذا الخلاف في إثبات بعض الصفات وتأويلها، مع إجماعهم على أن الأصل
عدم تأويل ما ثبت من الصفات، بخلاف ما تنازعوا فيه هل هو من باب الصفات أو ليس
منها..
وكاختلافهم في رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا، مع إجماعهم على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة،
للخلاف بين عائشة وابن عباس.
وكاختلافهم في المقام المحمود للنبي ﷺ، وهل هو الشفاعة في الفصل يوم القيامة؟ أم جلوسه على مكان من العرش،
وهو جلوس مخلوق على مخلوق، لا كاستواء الله على العرش..
وكاختلافهم في اللفظ في القرآن وهل هو مخلوق أم قديم، حتى امتحن
الإمام البخاري فيها، وابتلي بمن بدعه وكفره، لتفريقه بين اللفظ الذي هو فعل العبد
وصوته، والملفوظ الذي هو كلام الله وصفته، وأطال في بيان المسألة في كتابه (خلق
أفعال العباد) ردا على بعض أهل الحديث والسنة كمحمد بن يحيى الذهلي وأصحابه الذين
لم يحرروا المسألة.
وكذا خلافهم فيمن يصلي خلف أهل البدع، هل يعيد أم لا؟ والخلاف في
الرواية عنهم.
فكان الحسن البصري يقول تصلي خلفه، وعليه بدعته، وعلى هذا الشافعي،
وأحمد، وأكثر الأئمة، كما ذكره ابن تيمية عنهم، فقال: (وأما إذا لم يمكن الصلاة
إلا خلف المبتدع أو الفاجر، كالجمعة التي إمامها مبتدع أو فاجر، وليس هناك جمعة
أخرى، فهذه تصلى خلف المبتدع والفاجر عند عامة أهل السنة والجماعة، وهذا مذهب
الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أئمة أهل السنة، بلا خلاف عندهم)،
وقال أيضا: (وأحمد لم يكفر أعيان الجهمية، ولا كل من قال: إنه جهمي كفره، ولا كل
من وافق الجهمية في بعض بدعهم، بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم وامتحنوا
الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة، لم يكفرهم أحمد وأمثاله، بل كان
يعتقد إيمانهم وإمامتهم ويدعو لهم ويرى الائتمام بهم في الصلوات خلفهم والحج
والغزو معهم والمنع من الخروج عليهم ما يراه لأمثالهم من الأئمة وينكر ما أحدثوا
من القول الباطل الذي هو كفر عظيم، وإن لم يعلموا هم أنه كفر..).
وقال أيضا: (أهل الحديث والسنة كالشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم:
متفقون على أن صلاة الجمعة تصلى خلف البر والفاجر، حتى إن أهل البدع كالجهمية
الذين يقولون بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة، ومع أن أحمد ابتلي بهم -وهو
أشهر الأئمة بالإمامة في السنة- ومع هذا فلم تختلف نصوصه أنه تصلى الجمعة خلف
الجهمي، والقدري، والرافضي، وليس لأحد أن يدع الجمعة لبدعة في الإمام، لكن
تنازعوا: هل تعاد؟ على قولين هما روايتان عن أحمد: قيل: تعاد خلف الفاسق، ومذهب
الشافعي وأبي حنيفة لا تعاد..).
وفرق أبو عبيد القاسم بن سلام بين الجهمية والرافضة، فيرى الإعادة لمن
صلى خلفهم، ولا يرى الإعادة لمن صلى خلف المرجئ، والخارجي، والقدري.
ومثل ذلك الخلاف في إطلاق اسم الكفر على من قال بخلق القرآن، فمن أئمة
السنة من كان يقول هو كلام الله، ويقف، ولا يزيد اتباعا للنصوص، فلم يرد فيها لفظ
(غير مخلوق)، وإن كانوا يرون أنه كذلك معنى إلا أنه لم يرد لفظا، ويرون أن الخلاف
فيها بدعة، لا كفر، ومن قال إنه كفر كالإمام أحمد وبعض شيوخه قصدوا كفر التأويل،
لا كفر الردة، كما نص على ذلك ابن قدامة المقدسي وابن تيمية..
فمثل هذا القول وهو الحكم على المخالف بأنه كافر لا يُدّعى أنه من
أصول السنة، بل هو رأي مَن قال به مِن الأئمة واجتهادهم، وكان الإمام أحمد ينهى عن
تقليده في مسائل الاجتهاد.
فقد توافرت ظواهر النصوص على أن القرآن كلام الله ومن علمه وأمره،
وهذا معلوم ظاهر في الكتاب والسنة، فمن قال بأنه مخلوق فقد قال بقول محدث، وخرج من
قول أهل السنة، لا من الإسلام، فمن كفّره فإنما قصد كفر التأويل، أما كفر الردة،
فليس عليه دليل، فأقصى ما يوصف أنه اجتهاد ممن قاله، وليس من أصول أهل السنة، التي
مَن خالفهم فيها خرج من السنة لا من الإسلام، فالنصوص القطعية تدل على إثبات
الإسلام لمن جاء بالأركان والفرائض، بينما كفر من قال بخلق القرآن ليس ركنا ولا
فرضا ولا نصا، وكان الإمام أحمد يجادل قاضي المأمون والمعتصم ابن أبي دواد في هذه
المسألة ذاتها، ويقول ايتوني بدليل من كتاب وسنة وأثر أن رسول الله ﷺ دعا إليه أقول به، ولم يدّع أن لديه هو دليل على أن من قال القرآن
مخلوق فقد كفر، إلا الاجتهاد والنظر، وإلا لاحتج به عليهم، وأورده في مناظراته،
وإنما كان يورد عليهم ما يثبت أنه كلام الله غير مخلوق، دون الحكم على من قال به
أنه كافر، لأنها قضية محدثة، لم يعرفها الصحابة، ولا التابعون، ولا اتباعهم، وإنما
أول من قال بها بشر بن غياث المريسي، في زمن الإمام أحمد، فكلاهما أخذ عن أبي يوسف
القاضي، وسفيان بن عيينة، وإن كان بشر أقدم موالدا ووفاة من الإمام أحمد بنحو
عشرين سنة.
وقد أخذ هذا القول عن جهم بن صفوان الذي كان ينفي الصفات، ومنها صفة
الكلام، فخرّج بشر على هذا الأصل القول بخلق القرآن، وجهم من أتباع التابعين.
فما صدر عن بعض الأئمة من إطلاق لفظ الكفر على المخالف للسنة، فإنما
قصدوا كفر التأويل لا كفر الردة؛ لبيان بطلان القول قطعا لمصادمته النصوص، وقد
تأثر بعض الحنابلة المتأخرين خُطى المعتزلة والمتكلمين في تكفير المخالف من أهل
القبلة: كابن عقيل الحنبلي، وابن الزاغوني، وابن الجوزي، وأبي الخطاب، وتصدى لهم
ابن قدامة، وابن تيمية، كما في رسالة ابن قدامة الحنبلي لفخر الدين محمد بن الخضر
الحنبلي في عدم تكفير أهل القبلة، وبطلان القول بخلودهم في النار، لعدم وروده عن
السلف.
قال ابن قدامة -طبقات الحنابلة ١/ ٢٤٦-: (إن ظهر عندك تصويب الكلام
فيها، تقليدا للشيخ أبى الفرج، وابن الزاغوني، فقد تيقنتُ أنا تصويب السكوت عن
الكلام فيها، اتباعا لسيد المرسلين، ومن هو حجة على الخلق أجمعين، ثم لخلفائه
الراشدين، وسائر الصحابة والأئمة المرضيين..
وقوله: إن تعلقي بأن لفظ "التخليد" لم يرد: ليس بشيء!
فأقول: لكن عندي أنا هو الشيء الكبير، والأمر الجليل الخطير! فأنا
أوافق أئمتي في سكوتهم، كموافقتي لهم في كلامهم.
فأما قوله: إن كتب الأصحاب القديمة والحديثة فيها القول بتكفير القائل
بخلق القرآن: فهذا متضمن أن قول الأصحاب هو الحجة القاطعة! وهذا عجب!
أترى لو أجمع الأصحاب على مسألة فروعية، أكان ذلك حجة يقتنع بها،
ويكتفى بذكرها؟
فإن كان فخر الدين يرى هذا فما يحتاج في تصنيفه إلى ذكر دليل سوى قول
الأصحاب!
وإن كان لا يرى ذلك حجة في الفروع، فكيف جعله حجة في الأصول؟
وهب أنا عذرنا العامة في تقليدهم الشيخ أبا الفرج وغيره من غير نظر في
دليل! فكيف يعذر من هو إمام يرجع إليه في أنواع العلوم؟
ثم إن سلمنا ما قال، فلا شك أنه ما اطلع على جميع تصانيف الأصحاب.
ثم إن ثبت أن جميعهم اتفقوا على تكفيرهم، فهو معارض بقول من لم
يكفرهم، فإن الشافعي وأصحابه لا يرون تكفيرهم إلا أبا حامد الغزالي.
فبم يثبت الترجح؟
ثم إن اتفق الكل على تكفيرهم، فليس التخليد من لوازمه.
فإن النبي ﷺ قد أطلق التكفير في مواضع لا تخليد فيها.
قال أبو نصر السجزي: اختلف القائلون بتكفير القائل بخلق القرآن، فقال
بعضهم: كفر ينقل عن الملة، وقال بعضهم: كفر لا ينقل عن الملة.
ثم إن الإمام أحمد -الذى هو أشد الناس على أهل البدع- قد كان يقول للمعتصم:
يا أمير المؤمنين، ويرى طاعة الخلفاء الداعين إلى القول بخلق القرآن، وصلاة الجمع
والأعياد خلفهم، ولو سمع الإمام أحمد من يقول هذا القول [يعني تكفيرهم كلية]، الذى
لم يرد عن النبي ﷺ، ولا عن أحد قبله لأنكره أشد الإنكار فقد كان ينكر أقل من هذا) انتهى
كلامه.
فالمعتزلة عند ابن قدامة: مسلمون من أهل القبلة، موحدون، يؤمنون بأصول
الدين، فيما هو فرض عام على الأعيان، وإن خالفوا أصول السنة، فيما العلم به فرض
كفاية، ووافقه ابن تيمية.
وكما وقع كثير من أهل السنة والحديث في الخطأ والخلط في هذه المسائل،
ولم يفرقوا بين:
١ - ما أجمع عليه أهل الإسلام والقبلة من أصول الدين والإيمان.
٢- وما أجمع عليه أئمة أهل السنة والجماعة من أصول السنة والاتباع.
٣- وما وقع الخلاف فيه بين أئمة السنة من مسائل الاعتقادات، مما يدخل
في دائرة الاجتهاد والنظر.
وما يترتب على الخلاف في هذه الأقسام الثلاث، من خروج المخالف عن
دائرة الإسلام في القسم الأول، وخروجه عن أهل السنة في القسم الثاني، وعدم خروجه
عنهما في القسم الثالث.
كذلك وقع الخطأ والخلط عند كثير من المتكلمين، حتى كفّروا مخالفيهم في
مسائل كلامية خلافية، كأول واجب على المكلف هل هو الشك أم النظر، وغيرها من
المسائل التي لم يسمع بها الصحابة، ولا التابعون، بل للأشعري نفسه فيها قولان، مما
يدل على أنها قضايا اجتهادية..
وقد رد عليهم كثير من أئمة الكلام كما ذكر ابن حجر في فتح الباري ١٣/
٣٤٩: (قوله: "فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله فإذا عرفوا ذلك"
تمسك به من قال: أول واجب المعرفة كإمام الحرمين..
وقد ذكرت في كتاب الإيمان من أعرض عن هذا من أصله، وتمسك بقوله تعالى:
﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾، وحديث: "كل مولود
يولد على الفطرة" فإن ظاهر الآية والحديث أن المعرفة حاصلة بأصل الفطرة، وأن
الخروج عن ذلك يطرأ على الشخص؛ لقوله: "فأبواه يهودانه وينصرانه"، وقد
وافق أبو جعفر السمناني وهو من رءوس الأشاعرة على هذا، وقال: إن هذه المسألة بقيت
في مقالة الأشعري من مسائل المعتزلة، وتفرع عليها أن الواجب على كل أحد معرفة الله
بالأدلة الدالة عليه، وأنه لا يكفي التقليد في ذلك.
وقرأت في جزء من كلام شيخ شيخنا الحافظ صلاح الدين العلائي ما ملخصه:
أن هذه المسألة مما تناقضت فيها المذاهب، وتباينت بين مفرّط، ومفْرِط، ومتوسط،
فالطرف الأول: قول من قال: يكفي التقليد المحض في إثبات وجود الله تعالى ونفي الشريك
عنه، وممن نسب إليه إطلاق ذلك عبيد الله بن الحسن العنبري وجماعة من الحنابلة
والظاهرية، ومنهم من بالغ فحرم النظر في الأدلة، واستند إلى ما ثبت عن الأئمة
الكبار من ذم الكلام، كما سيأتي بيانه.
والطرف الثاني: قول من وقف صحة إيمان كل أحد على معرفة الأدلة من علم
الكلام، ونسب ذلك لأبي إسحاق الإسفراييني، وقال الغزالي: أسرفت طائفة فكفروا عوام
المسلمين، وزعموا أن من لم يعرف العقائد الشرعية بالأدلة التي حرروها فهو كافر،
فضيقوا رحمة الله الواسعة، وجعلوا الجنة مختصة بشرذمة يسيرة من المتكلمين، وذكر
نحوه أبو المظفر بن السمعاني وأطال في الرد على قائله، ونقل عن أكثر أئمة الفتوى
أنهم قالوا: لا يجوز أن تكلف العوام اعتقاد الأصول بدلائلها؛ لأن في ذلك من المشقة
أشد من المشقة في تعلم الفروع الفقهية.
وأما المذهب المتوسط فذكره، وسأذكره..
وقال القرطبي في "المفهم": في شرح حديث: "أبغض الرجال
إلى الله الألد الخصم".. هذا الشخص الذي يبغضه الله هو الذي يقصد بخصومته
مدافعة الحق، ورده بالأوجه الفاسدة والشبه الموهمة، وأشد ذلك الخصومة في أصول
الدين، كما يقع لأكثر المتكلمين المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله وسنة
رسوله ﷺ، وسلف أمته، إلى طرق مبتدعة، واصطلاحات مخترعة؟ وقوانين جدلية، وأمور
صناعية، مدار أكثرها على آراء سوفسطائية، أو مناقضات لفظية ينشأ بسببها على الآخذ
فيها شبه ربما يعجز عنها، وشكوك يذهب الإيمان معها، وأحسنهم انفصالا عنها أجدلهم
لا أعلمهم، فكم من عالم بفساد الشبهة لا يقوى على حلها، وكم من منفصل عنها لا يدرك
حقيقة علمها، ثم إن هؤلاء قد ارتكبوا أنواعا من المحال لا يرتضيها البله ولا
الأطفال، لما بحثوا عن تحيز الجواهر والألوان والأحوال، فأخذوا فيما أمسك عنه
السلف الصالح من كيفيات تعلقات صفات الله تعالى وتعديدها واتحادها في نفسها، وهل
هي الذات أو غيرها؟ وفي الكلام: هل هو متحد أو منقسم؟ وعلى الثاني: هل ينقسم
بالنوع أو الوصف؟ وكيف تعلق في الأزل بالمأمور مع كونه حادثا؟ ثم إذا انعدم
المأمور هل يبقى التعلق؟ وهل الأمر لزيد بالصلاة مثلا هو نفس الأمر لعمرو بالزكاة؟
إلى غير ذلك مما ابتدعوه مما لم يأمر به الشارع، وسكت عنه الصحابة ومن سلك سبيلهم،
بل نهوا عن الخوض فيها؛ لعلمهم بأنه بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته بالعقل؛ لكون
العقول لها حد تقف عنده، ولا فرق بين البحث عن كيفية الذات وكيفية الصفات، ومن
توقف في هذا، فليعلم أنه إذا كان حجب عن كيفية نفسه مع وجودها، وعن كيفية إدراك ما
يدرك به فهو عن إدراك غيره أعجز، وغاية علم العالم أن يقطع بوجود فاعل لهذه
المصنوعات، منزه عن الشبيه، مقدس عن النظير، متصف بصفات الكمال، ثم متى ثبت النقل
عنه بشيء من أوصافه وأسمائه قبلناه واعتقدناه وسكتنا عما عداه، كما هو طريق السلف،
وما عداه لا يأمن صاحبه من الزلل، ويكفي في الردع عن الخوض في طرق المتكلمين ما
ثبت عن الأئمة المتقدمين كعمر بن عبد العزيز، ومالك بن أنس، والشافعي، وقد قطع بعض
الأئمة بأن الصحابة لم يخوضوا في الجوهر والعرض وما يتعلق بذلك من مباحث
المتكلمين، فمن رغب عن طريقهم فكفاه ضلالا.
قال: وأفضى الكلام بكثير من أهله إلى الشك، وببعضهم إلى الإلحاد،
وببعضهم إلى التهاون بوظائف العبادات، وسبب ذلك إعراضهم عن نصوص الشارع، وتطلبهم
حقائق الأمور من غيره، وليس في قوة العقل ما يدرك ما في نصوص الشارع من الحكم التي
استأثر بها، وقد رجع كثير من أئمتهم عن طريقهم، حتى جاء عن إمام الحرمين أنه قال:
ركبت البحر الأعظم، وغصت في كل شيء نهى عنه أهل العلم في طلب الحق فرارا من
التقليد، والآن فقد رجعت واعتقدت مذهب السلف هذا كلامه أو معناه، وعنه أنه قال عند
موته: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أنه يبلغ بي ما بلغت ما تشاغلت به،
إلى أن قال القرطبي: ولو لم يكن في الكلام إلا مسألتان هما من مبادئه لكان حقيقا
بالذم: إحداهما: قول بعضهم: إن أول واجب الشك؛ إذ هو اللازم عن وجوب النظر أو
القصد إلى النظر، وإليه أشار الإمام بقوله: ركبت البحر.
ثانيتهما: قول جماعة منهم: إن من لم يعرف الله بالطرق التي رتبوها
والأبحاث التي حرروها لم يصح إيمانه، حتى لقد أورد على بعضهم أن هذا يلزم منه
تكفير أبيك وأسلافك وجيرانك، فقال: لا تشنع علي بكثرة أهل النار، قال: وقد رد بعض
من لم يقل بهما على من قال بهما بطريق من الرد النظري وهو خطأ منه؛ فإن القائل
بالمسألتين كافر شرعا؛ لجعله الشك في الله واجبا، ومعظم المسلمين كفارا حتى يدخل
في عموم كلامه السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وهذا معلوم الفساد من الدين
بالضرورة، وإلا فلا يوجد في الشرعيات ضروري، وختم القرطبي كلامه بالاعتذار عن
إطالة النفس في هذا الموضع؛ لما شاع بين الناس من هذه البدعة حتى اغتر بها كثير من
الأغمار فوجب بذل النصيحة، والله يهدي من يشاء.. انتهى.
قال القرطبي: هذا الذي عليه أئمة الفتوى ومن قبلهم من أئمة السلف،
واحتج بعضهم بما تقدم من القول في أصل الفطرة، وبما تواتر عن النبي ﷺ ثم الصحابة أنهما حكموا بإسلام من أسلم من جفاة العرب ممن كان يعبد
الأوثان، فقبلوا منهم الإقرار بالشهادتين، والتزام أحكام الإسلام من غير إلزام
بتعلم الأدلة، وإن كان كثير منهم إنما أسلم لوجود دليل ما، فأسلم بسبب وضوحه له،
فالكثير منهم قد أسلموا طوعا من غير تقدم استدلال، بل بمجرد ما كان عندهم من أخبار
أهل الكتاب بأن نبيا سيبعث وينتصر على من خالفه، فلما ظهرت لهم العلامات في محمد ﷺ بادروا إلى الإسلام، وصدقوه في كل شيء قاله ودعاهم إليه من الصلاة
والزكاة وغيرهما، وكثير منهم كان يؤذن له في الرجوع إلى معاشه من رعاية الغنم
وغيرها، وكانت أنوار النبوة وبركاتها تشملهم فلا يزالون يزدادون إيمانا ويقينا.
وقال أبو المظفر بن السمعاني أيضا ما ملخصه: إن العقل لا يوجب شيئا
ولا يحرم شيئا، ولا حظ له في شيء من ذلك، ولو لم يرد الشرع بحكم ما وجب على أحد
شيء؛ لقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾[الإسراء:١٥]، وقوله: ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾[النساء:١٦٥] وغير ذلك من الآيات، فمن زعم أن دعوة رسل الله عليهم الصلاة والسلام
إنما كانت لبيان الفروع، لزمه أن يجعل العقل هو الداعي إلى الله دون الرسول،
ويلزمه أن وجود الرسول وعدمه بالنسبة إلى الدعاء إلى الله سواء، وكفى بهذا ضلالا.
ونحن لا ننكر أن العقل يرشد إلى التوحيد وإنما ننكر أنه يستقل بإيجاب
ذلك حتى لا يصح إسلام إلا بطريقه، مع قطع النظر عن السمعيات؛ لكون ذلك خلاف ما دلت
عليه آيات الكتاب والأحاديث الصحيحة التي تواترت ولو بالطريق المعنوي، ولو كان كما
يقول أولئك لبطلت السمعيات التي لا مجال للعقل فيها أو أكثرها، بل يجب الإيمان بما
ثبت من السمعيات، فإن عقلناه فبتوفيق الله وإلا اكتفينا باعتقاد حقيقته على وفق
مراد الله، انتهى.
ويؤيد كلامه ما أخرجه أبو داود، عن ابن عباس أن رجلا قال لرسول الله ﷺ: أنشدك الله، آلله أرسلك أن نشهد أن لا إله إلا الله وأن ندع اللات
والعزى؟ قال: نعم، فأسلم وأصله في الصحيحين في قصة ضمام بن ثعلبة، وفي حديث عمرو
بن عبسة عند مسلم: أنه أتى النبي ﷺ، فقال: ما أنت؟ قال: نبي الله. قلت: آلله أرسلك؟ قال: نعم. قلت: بأي
شيء؟ قال: أوحد الله لا أشرك به شيئا الحديث، وفي حديث أسامة بن زيد في قصة قتله
الذي قال: لا إله إلا الله، فأنكر عليه النبي ﷺ، وحديث المقداد في معناه، وقد تقدما في كتاب الديات، وفي كتب النبي ﷺ إلى هرقل، وكسرى وغيرهما من الملوك يدعوهم إلى التوحيد، إلى غير ذلك
من الأخبار المتواترة التواتر المعنوي الدال على أنه ﷺ لم يزد في دعائه المشركين على أن يؤمنوا بالله وحده ويصدقوه فيما جاء
به عنه، فمن فعل ذلك قبل منه سواء كان إذعانه عن تقدم نظر أم لا، ومن توقف منهم
نبهه حينئذ على النظر، أو أقام عليه الحجة إلى أن يذعن أو يستمر على عناده.
وقال البيهقي في كتاب الاعتقاد: سلك بعض أئمتنا في إثبات الصانع وحدوث
العالم طريق الاستدلال بمعجزات الرسالة؛ فإنها أصل في وجوب قبول ما دعا إليه النبي
ﷺ.
وعلى هذا الوجه وقع إيمان الذين استجابوا للرسل، ثم ذكر قصة النجاشي
وقول جعفر بن أبي طالب له: بعث الله إلينا رسولا نعرف صدقه، فدعانا إلى الله، وتلا
علينا تنزيلا من الله لا يشبهه شيء فصدقناه وعرفنا أن الذي جاء به الحق الحديث
بطوله، وقد أخرجه ابن خزيمة في كتاب الزكاة من صحيحه من رواية ابن إسحاق، وحاله
معروفة وحديثه في درجة الحسن.
قال البيهقي: فاستدلوا بإعجاز القرآن على صدق النبي، فآمنوا بما جاء
به من إثبات الصانع ووحدانيته، وحدوث العالم وغير ذلك مما جاء به الرسول ﷺ في القرآن وغيره، واكتفاء غالب من أسلم بمثل ذلك مشهور في الأخبار،
فوجب تصديقه في كل شيء ثبت عنه بطريق السمع، ولا يكون ذلك تقليدا بل هو اتباع،
والله أعلم..
والعجب أن من اشترط ذلك من أهل الكلام ينكرون التقليد، وهم أول داع
إليه حتى استقر في الأذهان أن من أنكر قاعدة من القواعد التي أصلوها فهو مبتدع،
ولو لم يفهمها ولم يعرف مأخذها، وهذا هو محض التقليد، فآل أمرهم إلى تكفير من قلد
الرسول في معرفة الله تعالى والقول بإيمان من قلدهم، وكفى بهذا ضلالا، وما مثلهم
إلا كما قال بعض السلف: إنهم كمثل قوم كانوا سفرا فوقعوا في فلاة ليس فيها ما يقوم
به البدن من المأكول والمشروب، ورأوا فيها طرقا شتى فانقسموا قسمين، فقسم وجدوا من
قال لهم: أنا عارف بهذه الطرق وطريق النجاة منها واحدة، فاتبعوني فيها تنجوا
فتبعوه فنجوا، وتخلفت عنه طائفة فأقاموا إلى أن وقفوا على أمارة ظهر لهم أن في
العمل بها النجاة فعملوا بها فنجوا، وقسم هجموا بغير مرشد ولا أمارة فهلكوا، فليست
نجاة من اتبع المرشد بدون نجاة من أخذ بالأمارة إن لم تكن أولى منها.
ونقلت من جزء الحافظ صلاح الدين العلائي: يمكن أن يفصل فيقال: من لا
أهلية له لفهم شيء من الأدلة أصلا وحصل له اليقين التام بالمطلوب إما بنشأته على
ذلك أو لنور يقذفه الله في قلبه، فإنه يكتفى منه بذلك، ومن فيه أهلية لفهم الأدلة
لم يكتف منه إلا بالإيمان عن دليل، ومع ذلك فدليل كل أحد بحسبه وتكفي الأدلة
المجملة التي تحصل بأدنى نظر، ومن حصلت عنده شبهة وجب عليه التعلم إلى أن تزول
عنه.
قال: فبهذا يحصل الجمع بين كلام الطائفة المتوسطة، وأما من غلا فقال:
لا يكفي إيمان المقلد فلا يلتفت إليه؛ لما يلزم منه من القول بعدم إيمان أكثر
المسلمين، وكذا من غلا أيضا فقال: لا يجوز النظر في الأدلة لما يلزم منه من أن
أكابر السلف لم يكونوا من أهل النظر، انتهى ملخصا.
واستدل بقوله ﷺ: "فإذا عرفوا الله" بأن معرفة الله بحقيقة كنهه ممكنة
للبشر، فإن كان ذلك مقيدا بما عرف به نفسه من وجوده وصفاته اللائقة من العلم
والقدرة والإرادة مثلا، وتنزيهه عن كل نقيصة كالحدوث فلا بأس به، فأما ما عدا ذلك؛
فإنه غير معلوم للبشر، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون به علما﴾ فإذا حمل
قوله: "فإذا عرفوا الله" على ذلك كان واضحا مع أن الاحتجاج به يتوقف على
الجزم بأنه ﷺ نطق بهذه اللفظة وفيه نظر؛ لأن القصة واحدة ورواة هذا الحديث اختلفوا:
هل ورد الحديث بهذا اللفظ أو بغيره؟ فلم يقل ﷺ إلا بلفظ منها، ومع احتمال أن يكون هذا اللفظ من تصرف الرواة لا يتم
الاستدلال، وقد بينت في أواخر كتاب الزكاة أن الأكثر رووه بلفظ: "فادعهم إلى
شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك"،
ومنهم من رواه بلفظ: "فادعهم إلى أن يوحدوا الله، فإذا عرفوا ذلك"،
ومنهم من رواه بلفظ: "فادعهم إلى عبادة الله، فإذا عرفوا الله"، ووجه
الجمع بينهما أن المراد بالعبادة: التوحيد، والمراد بالتوحيد: الإقرار بالشهادتين،
والإشارة بقوله ذلك إلى التوحيد، وقوله: فإذا عرفوا الله أي: عرفوا توحيد الله،
والمراد بالمعرفة: الإقرار والطواعية، فبذلك يجمع بين هذه الألفاظ المختلفة في
القصة الواحدة) انتهى كلام ابن حجر مختصرا من فتح الباري بشرح صحيح البخاري.
فمن تصور أن العقائد التي تدرس كتبها عند الفريقين سواء أهل الحديث،
أو المتكلمين، كلها أصول دين يجب على كل مسلم العلم بها، واعتقادها، فقد أخطأ، بل
هي تشمل الأقسام التي ذكرناها، ويترتب على معرفة تلك الأقسام الثلاثة أحكام فقهية
معروفة، من حيث تعريف العدالة، وما ينافيها من كفر أو فسق، وبدعة مكفرة، وغير
مكفرة، ففسق التأويل وهو ما وقع بين أهل الإسلام من خلاف في العقائد تأويلا
واجتهادا، فالصحيح أنه لا ينافي العدالة المشروطة في الشهود شرعا، فتقبل روايتهم،
وشهادتهم، وتصح إمامتهم، والجهاد معهم، ولا يحكم بفسقهم الذي ينافي العدالة، بل هو
فسق تأويل، ولهذا السبب استقر إجماع أئمة الحديث منذ عصر البخاري ومسلم ومن بعدهم
على تخريج حديث الثقات العدول من المرجئة، والحرورية، والشيعة، والقدرية، وهو مذهب
الشافعي، وأحمد في غير الداعية، فأثبت عدالة غير الداعية، وإنما ترك الداعية
لزجره، ومنع الناس من الأخذ عنه، وقد أخذ أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه
وكل من بعدهم بمذهب البخاري ومسلم..
وقد ذكر المرداوي في "الإنصاف" ١٢/ ٤٨ الخلاف في المذهب في
فسق أو كفر أهل البدع من أهل القبلة، ثم قال: (واختار الشيخ تقي الدين - رحمه الله
- لا يفسق أحد).
وذلك أنهم لم يقصدوا مخالفة الشارع، بل كلهم يدعي اتباعه وطاعته،
وفيهم أئمة في العلم والعبادة والزهد من التابعين ومن بعدهم، وقعوا في شيء من
الآراء اجتهادا، لا فسوقا وعصيانا..
وقال ابن مفلح في "الفروع" ١١/ ٣٣٨: (قال ابن الجوزي: رأيت
جماعة من العلماء أقدموا على تكفير المتأولين من أهل القبلة، وإنما ينبغي أن يقطع
بالكفر على من خالف إجماع الأمة، ولم يحتمل حاله تأويلا، وأقبح حالا من هؤلاء
المكفرين قوم من المتكلمين كفروا عوام المسلمين وزعموا أن من لا يعرف العقيدة
بأدلتها المحررة فهو كافر، وهذا مخالف للشريعة فإنها حكمت بإسلام أجلاف العرب
والجهال).
فقد أدرك ابن الجوزي الفرق بين من خالف إجماع الأمة وإجماع أهل القبلة
كافة، فهذا كافر بإجماعهم، بخلاف من خالف أهل السنة من أهل القبلة، فهو مسلم مؤمن،
وإن كان وقع في بدعة.
وقال أيضا في "الفروع" ١٠/ ١٨٢: (وقال شيخنا [ابن تيمية]:
نصوص أحمد صريحة على عدم كفر الخوارج، والقدرية، والمرجئة، وغيرهم، وإنما كفر
الجهمية، لا أعيانهم).
وقال شيخنا ابن عثيمين في "الشرح الممتع" ١٤/ ٤٥٠: (ككثير
من العامة في البلاد الإسلامية الذين يدعون القبور، وأصحاب القبور، وما أشبه ذلك،
فقد يقال: إن هذا الرجل معذور.. وقد ذكر شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ في عدة مواضع
من كلامه أن هناك فرقا بين القول والقائل، وبين الفعل والفاعل، وأن القول قد نطلق
عليه أنه كفر مخرج عن الملة، لكن القائل لا نخرجه من الملة حتى تقوم عليه الحجة،
وكذلك الفعل، فنقول: هذا فعل مخرج من الملة، ولكن الفاعل لا نخرجه عن الملة إلا
إذا قامت عليه الحجة، ولهذا قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ: إن الأئمة ـ رحمهم
الله ـ ومنهم الإمام أحمد، وغيره لم يكفروا أهل البدع إلا الجهمية، فإنهم كفروهم
مطلقا؛ لأن بدعتهم ظاهر فيها الكفر، وأما الخوارج، والقدرية، ومن أشبههم فإن
الإمام أحمد نصوصه صريحة بأنهم ليسوا بكفار) انتهى.
والحكم على أهل القبلة وخاصة المصلين بالكفر بدعوى وقوع الكفر منهم،
وقبل قيام الحجة عليهم، يخالف هدي النبي ﷺ -الذي نهى عن تكفير المسلمين، وحرم قتل المصلين- وهدي سلف الأمة،
وأئمة السنة، فيجب دفع ذلك عنهم ما أمكن إلى ذلك سبيلا، حتى يظهر منهم قصد
الارتداد عن الإسلام، ومشاقة الله ورسوله وشرعه، إذ الخطأ مرفوع عن هذه الأمة ﴿ربنا
لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾[البقرة:٢٨٦]، قال الله في الصحيح (قد فعلت)، وقال ابن تيمية: (وهذا يعم الخطأ في
الأمور العلمية والعملية والأصول والفروع).
وقال في مجموع الفتاوى ٣/ ٣٥٠ عن خلاف أهل السنة في الحكم على المخالف
من أهل القبلة: (وأما تعيين الفرق الهالكة فأقدم من بلغنا أنه تكلم في تضليلهم
يوسف بن أسباط، ثم عبد الله بن المبارك، وهما - إمامان جليلان من أجلاء أئمة
المسلمين قالا: أصول البدع أربعة: الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة.
فقيل لابن المبارك: والجهمية؟ فأجاب: بأن أولئك ليسوا من أمة محمد.
وكان يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية.
وهذا الذي قاله اتبعه عليه طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم
قالوا: إن الجهمية كفار فلا يدخلون في الاثنتين والسبعين فرقة، كما لا يدخل فيهم
المنافقون الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام وهم الزنادقة.
وقال آخرون من أصحاب أحمد، وغيرهم: بل الجهمية داخلون في الاثنتين
والسبعين فرقة، وجعلوا أصول البدع خمسة..
وهذا يبنى على أصل آخر وهو "تكفير أهل البدع" فمن أخرج
الجهمية منهم لم يكفرهم، فإنه لا يكفر سائر أهل البدع، بل يجعلهم من أهل الوعيد
بمنزلة الفساق والعصاة، ويجعل قوله هم في النار مثل ما جاء في سائر الذنوب مثل أكل
مال اليتيم وغيره كما قال تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا﴾.
ومن أدخلهم فيهم فهم على قولين: منهم من يكفرهم كلهم، وهذا إنما قاله
بعض المستأخرين المنتسبين إلى الأئمة أو المتكلمين.
وأما السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير "المرجئة " و
"الشيعة" المفضلة ونحو ذلك، ولم تختلف نصوص أحمد في أنه لا يكفر هؤلاء،
وإن كان من أصحابه من حكى في تكفير جميع أهل البدع - من هؤلاء وغيرهم - عنه أو في
مذهبه حتى أطلق بعضهم تخليد هؤلاء وغيرهم، وهذا غلط على مذهبه وعلى الشريعة.
ومنهم من لم يكفر أحدا من هؤلاء إلحاقا لأهل البدع بأهل المعاصي،
قالوا: فكما أن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون أحدا بذنب فكذلك لا
يكفرون أحدا ببدعة.
والمأثور عن السلف والأئمة إطلاق أقوال بتكفير " الجهمية المحضة
" الذين ينكرون الصفات وحقيقة قولهم أن الله لا يتكلم ولا يرى؛ ولا يباين
الخلق؛ ولا له علم ولا قدرة ولا سمع ولا بصر ولا حياة بل القرآن مخلوق وأهل الجنة
لا يرونه كما لا يراه أهل النار وأمثال هذه المقالات.
وأما الخوارج والروافض ففي تكفيرهم نزاع وتردد عن أحمد وغيره.
وأما القدرية الذين ينفون [الكتابة] والعلم فكفروهم ولما يكفروا من
أثبت العلم ولم يثبت خلق الأفعال) انتهى كلامه.
وهذا يؤكد بأنه لا يصح ادعاء أن الحكم على الفرق المخالفة بالكفر من
أصول أهل السنة، بل أهل السنة مختلفون في ذلك أشد الخلاف، فهي من القسم الثالث،
التي هي اجتهادات وليست أصولا.
والذين غلوا في هذه القضايا حتى بدّعوا البخاري في عصره، فضلا عمن
دونه، إنما أُتوا من قلة علم وفقه، فعظموا أصول السنة وهي فرض كفاية، على حساب
أصول الإسلام وهي فرض أعيان، وذلك أنهم لما نظروا في كتب الاعتقاد المذهبي، وهي
عادة لا تذكر أصول الدين التي لا خلاف فيها إلا عرضا، وإنما تقصر البحث فيما وقع
النزاع والخلاف فيه حتى كفر بعضهم بعضا، ظنوا أن هذه العقائد هي قطب الرحى، وعليها
يعقد الولاء والبراء، وهانت في نظرهم أصول الدين والإيمان والإسلام التي هي فرض
عين بنص القر آن، فلا يعقدون عليها ولاء ولا براء، وهي التي كان النبي ﷺ والخلفاء الراشدون من بعده يعصمون بها الدماء، ويوجبون عليها الولاء
والبراء، ويرتبون عليها كافة الحقوق والواجبات، التي للمسلم وعليه، كما في نص
القرآن عن المشركين المحاربين ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم
في الدين﴾[التوبة:١١]، وبينه النبي ﷺ في قوله ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا ألا إله إلا الله، وأني رسول
الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن هم فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم
وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله)، وقال: (من استقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا،
فذلك المسلم، له ذمة الله ورسوله).
وهذا معلوم من سنته ﷺ بالضرورة
القطعية، وأنه لم يشترط للدخول في الإسلام وترتب كل الحقوق التي للمسلم على
المسلمين أكثر من ذلك، فلما استخف بها المتنطعون وظنوا أنها ليست قدرا كافيا لتحقق
وصف التوحيد في المسلم، حتى يأتي بكل ما ورد في السنة من الاتباع وعدم الابتداع،
مما لا يعلمه أكثر المسلمين، والعرب الأميين، رموا المخالف بالفسق والكفر، وأوجبوا
البراءة ممن أوجب الله موالاته من المسلمين والمؤمنين بنص القرآن، حتى تبرأوا من
أئمة المسلمين من عند أبي حنيفة، ومن دونه، كالأشعري، والماتريدي، والنووي، وابن
حجر، بدعوى مخالفة السنة والقول بقول الجهمية وهو كفر!
وقابلهم المتكلمون فتبرأوا من ابن خزيمة، والدارمي، وابن تيمية، وابن
القيم، وابن عبد الوهاب، ومن دونهم، ورموهم بالحشوية والتشبيه وهو كفر!
ولما لم تسعفهم النصوص من الكتاب والسنة والإجماع فيما غلوا فيه،
أخذوا يعظمون نصوص بعض الأئمة، ويحتجون بها، ويحفظونها أشد من حفظهم للكتاب
والسنة، فيكفرون المخالف بأقوال أحمد، أو ابن المبارك، أو ابن عيينة، مع أنه لا
حجة فيها، ولا تعدو أن تكون اجتهادات، يجب ردها إلى نصوص الكتاب والسنة،
وقطعياتها، إذ ما ثبت بيقين، كعقد الإسلام، لا يرتفع بمظنون كأقوال الأئمة، وقد
جاء من نصوص الوعيد في شأن من كفر مسلما ما منع سلف الأمة والأئمة من الاجتراء
عليه، ورموا من اجترأ عليه بوصف الخارجية والحرورية، وصار الحد الفارق بين
الحرورية وأهل السنة الحكم على فاعل الكبيرة بالكفر!
وليس ما ذهب إليه من غلا من الفريقين -سواء من المتكلمين أو أهل
الحديث- من قول أهل العلم والفقه والفتوى، بل هو الغلو ذاته الذي حذر منه النبي ﷺ بقوله: (هلك المتنطعون، هلك المتنطعون)..
وهي نزعة خارجية، حذر منها النبي ﷺ، تبدأ بتبني رأي واجتهاد، ثم الموالاة والبراءة عليه، ثم الحكم على
من خالفه بأنه كافر، كما قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٣/ ٣٤٩: (هؤلاء إذا لم
يجعلوا ما ابتدعوه قولا يفارقون به جماعة المسلمين؛ يوالون عليه ويعادون؛ كان من
نوع الخطأ. والله سبحانه وتعالى يغفر للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك.
ولهذا وقع في مثل هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها: لهم مقالات قالوها باجتهاد
وهي تخالف ما ثبت في الكتاب والسنة؛ بخلاف من والى موافقه وعادى مخالفه، وفرق بين
جماعة المسلمين، وكفر وفسق مخالفه، دون موافقه في مسائل الآراء والاجتهادات؛
واستحل قتال مخالفه دون موافقه، فهؤلاء من أهل التفرق والاختلافات.
ولهذا كان أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع "الخوارج
" المارقون) انتهى كلامه.
فالواجب اتباع الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة وأئمة السنة،
والوقوف عندهما، وعدم الخوض فيما وراء ذلك من الخلافيات، فإنها لا تعدو أن تكون
اجتهادات تصيب وتخطيء، وكان الإمام مالك ينهى عن الخوض في مسائل الصفات ونحوها،
ويقول ما كان الناس يجتمعون إلا على الفقه، وكان المزني يسأل الشافعي في مسائل
الكلام فقال له: (هذا علم إن أنتَ أصبتَ فيه لم تُؤجَر، وإن أخطأتَ فيه كفرت! فهل
لك في علم إن أصبتَ فيه أُجِرتَ، وإن أنتَ أخطأتَ لم تأثم؟
قلتُ: وما هو؟
قال: الفقه.
قال: فلزمته فتعلّمت منه الفقه ودرست عليه).
والله الهادي إلى سواء السبيل..