محمد المقرمي
والعارفون بالله
العارف بالله
يعيش وحيدا
ويموت حميدا
ويبعث سعيدا
كذا كان حال إمام العارفين أبي ذر الغفاري رضي الله عنه الذي قال عنه
النبي ﷺ: (رحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده)، وقال عنه: (ما
أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق، ولا أوفى، من أبي ذر؛ شبه عيسى ابن
مريم).
وكانت قصة إسلام أبي ذر وحياته ووفاته أمرا عجبا، حتى لم يستطع أكثر الصحابة
مجاراته في زهده، ولا الصبر عليه، فيما يدعوهم إليه، وحتى أخذ آخر حياته بما أوصاه
به النبي ﷺ من الاعتزال في الربذة إلى وفاته وحيدا!
وكان النبي ﷺ قد أوصاه بلزوم سنن سلوك هذا الطريق، كما في مسند أحمد وصحيح ابن حبان
عن أبي ذر :( أمرني خليلي ﷺ بسبع: أمرني بحب المساكين، والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني،
ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني ألا أسأل أحدا شيئا،
وأمرني أن أقول بالحق، وإن كان مرا، وأمرني ألا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن
أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنهن من كنز تحت العرش).
وقد لزم أبو ذر هذه الوصية حتى صار إمام أهل السلوك، وكان أشبه الصحابة
رضي الله عنهم في زهده وحكمته ومواعظه بعيسى عليه السلام، كما شبهه النبي ﷺ!
وكذا حال من سار على طريقه من أهل المعرفة بالله والسلوك والصلاح والزهد..
والعارف بالله لقب يطلق في علم السلوك الإسلامي على العالم بالله وصفاته
وعظمته وفضله، العالم بنفسه وعللها وشدة افتقارها إلى ربها، المنشغل بها، وبتربيتها
وتهذيبها، والعامل بمقتضى هذه المعرفة.
كما قال يحيى بن معاذ: (يخرج العارف من الدنيا ولم يقض وطره من شيئين:
بكاء على نفسه، وثناء على ربه).
وقال ابن تيمية :(العارف: يسير إلى الله عز وجل بين مشاهدة المنة، ومطالعة
عيب النفس).
والعارفون بالله همهم الله، وغايتهم الوصول إليه، فلا يحجبهم عن الله
الانشغال بالدنيا، ولا بالوسائل والعلوم عن غايتها ومقاصدها، كما ينشغل بها علماء الدنيا،
فتصبح حجابا يحول بينهم وبين الله!
ولهذا كان علم العارف بالله يقيني لدني، يذوقه، ويشعر به، ولا يستطيع
أن يعبر عنه، كما قال ابن تيمية : (للمؤمنين العارفين بالله، المحبين له، من مقامات
القرب، ومنازل اليقين ما لا تكاد تحيط به العبارة، ولا يعرفه حق المعرفة إلا من أدركه
وناله).
وقال :(العارف لا يرى له على أحد حقا، ولا يشهد له على غيره فضلا؛ ولذلك
لا يعاتب، ولا يطالب، ولا يضارب).
وقال أيضا :(العارف بالله تتحد إرادته بإرادة الله بحيث لا يريد إلا ما
يريده الله أمرا به ورضا، ولا يحب إلا ما يحبه الله، ولا يبغض إلا ما يبغضه الله، ولا
يلتفت إلى عذل العاذلين، ولوم اللائمين، كما قال سبحانه وتعالى: {فسوف يأتي الله بقوم
يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين}..).
وأهل اليمن لهم من ذلك الطريق والسلوك أوفى نصيب، كما أخبر عنهم النبي
ﷺ بقوله (الإيمان يمان، والحكمة يمانية)، وقد كثر فيهم العارفون بالله،
المنشغلون به عما سواه، وبمعرفة الحق عن الخلق، وبنفوسهم وإصلاح عيوبهم، واستغفار ذنوبهم،
فآتاهم الله حكمة يهدون بها، وبصيرة يستهدون بها، فالناس يعبدون الله بإيمان كما يعرفونه،
وهم يعبدونه بإحسان كأنهم يرونه!
وربما وصل العارفون بالله بأقل العلم، وربما لم يصل إليه من هو أوسع منهم
علما ودراية، إذ كان أقل معرفة به ورعاية!
ولعل من هؤلاء الصادقين - ولا نزكي على الله أحدا - العارف بالله محمد
المقرمي الذي لم يشتهر في أهل الأرض حتى ارتحل إلى السماء، فشاع ذكره، وأطلق الله الألسنة
بالثناء عليه، والدعاء له، فتحققت له يوم وفاته عاجل بشرى المؤمن، كما وعد الله أولياءه
﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم
البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم﴾ [يونس:
٦٢-٦٤]
ومن عاجل بشرى المؤمن شيوع الثناء عليه بين المؤمنين، في عموم الأمة،
كما في الصحيحين حين مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال النبي ﷺ (وجبت له الجنة، أنتم شهداء الله في أرضه).
فاللهم أكرم نزله، وارفع درجته في الفردوس الأعلى، آمين آمين.
أ.د. حاكم المطيري
8 / 6/ 1447هـ
29/ 11/ 2025م