الحكم الشرعي لقانون
الوصية الواجبة
بقلم: أ.د. حاكم المطيري
5/ 6/ 1447هـ
26/ 11/ 2025م
الوصية الواجبة قضية فقهية اجتهادية أوجبها بعض الفقهاء على الموصي
قبل الوفاة بأن يوصي لمن لا يرث من قرابته الأدنين كفروعه المحجوبين كأولاد ولده
الذي توفي قبله وحجبهم أعمامهم..
وعامة الفقهاء -بل ادعي الإجماع- على عدم وجوبها وأنها منسوخة بنزول
آيات الميراث وأن الوصية لهم بما لا يجاوز الثلث مستحبة لا واجبة..
فالوصية الواجبة التي وقع فيها الخلاف بين الفقهاء هنا شأن يخص
الموصي ديانةً بينه وبين الله قبل وفاته، فإذا أوصى لأولاد ولده الذي توفي قبله
وجب إنفاذ وصيته فيما دون الثلث، فإن زاد عنها فبإذن باقي الورثة كما لو أوصى
لغيرهم..
أما إذا توفي ولم يوص أصلا لأحفاده المحجوبين؛ فإنه لا شيء لهم شرعا
بالنص والإجماع القطعي، وما سُمّي في القانون "الوصية الواجبة" -التي
تجعل لأولاد الولد المتوفى قبل أبيه حقا في الميراث من جدهم بما يعادل حصة أبيهم
لو كان حيا- فاختراع لا أصل له لا نصا ولا فقها وهو في حقيقته توريث صريح وفرض
محدد بقوة القانون وليس وصية للميت يقدرها بما تطيب به نفسه ولم يقل به أحد قط
وإنما اجتهاد لبعض المعاصرين باطل مصادم للنص والإجماع القطعي فلا عبرة به وليست
هذه هي "الوصية الواجبة" التي اختلف فيها الفقهاء..
وحتى ابن حزم الذي ادعي أنه يقول بها لم يقل بهذا الذي يفرض بالقانون
ونص كلامه واضح حيث يقول (فيوصي لهم بما طابت به نفسه لا حد في ذلك، فإن لم يفعل
أعطوا ولا بد ما رآه الورثة أو الوصي).
فهو يوجب على الموصي أن يوصي لهم بما طابت به نفسه قبل وفاته ولو
بالقليل، فإن لم يفعل ومات فيجب على الورثة أو الوصي عن الميت أن يقسموا من التركة
ما طابت به نفوسهم للأقارب المحجوبين..
وهذا ما لم يأخذ به القانون أصلا حيث فرض للأحفاد كما لأعمامهم نصيبا
مقدرا بلا إذن الوصي ولا إذن الورثة بلا دليل؛ فلا يصح نسبته إلى ابن حزم ولا إلى
أحد ممن يوجب الوصية على الموصي قبل وفاته بما تطيب به نفسه ولا يزيد عن الثلث.
ووصف القانون الوضعي
-الذي سُمي خطأ بالوصية الواجبة- بأنه عادل استدراك على الشارع ونقض للنص والإجماع
والقياس وقد قال النبي ﷺ: (إن الله أعطى
كل ذي حق حقه)، ولهذا أجمع الفقهاء بلا خلاف على أن الأحفاد لا يرثون مع الأعمام شيئا،
فجاء القانون الوضعي وورثهم بالقوة وسمى هذا الاحتيال على الشرع "وصية واجبة"
مع أنه لا ينطبق عليها اسم الوصية لعدم وجود الموصي أصلا وعدم تحقق شروط من قال بوجوبها
كابن حزم!
فهي اختراع محض
لا أصل له مع كثرة حدوث مثل هذه الصورة منذ عصر النبوة حتى جاء هذا العصر الذي لا يعبر
الاجتهاد فيه عن أحكام الشرع بقدر ما يعبر عن سطوة الثقافة المادية الغالبة!
واتحاد الجهة والدرجة
للورثة وحجب الأعلى منهم للأدنى والأقرب للأبعد أصل من أصول الميراث في الإسلام فالابن
يحجب عمه مع أنه أخ لأبيه وربما كان سببا في ثروة أخيه المتوفى إلا أن الشارع أجرى
أحكامه على قواعد مطردة هي الغاية في العدل ولم يلتفت لبدوات العقول فربما استحسنت
لو ورث الأخ من أخيه شيئا مع وجود الابن كما ترث الزوجة إذ الأخ أولى بأخيه من زوجته
وهو يحمل عنه الديات، وهي لا تحمل عن زوجها شيئا، إلا أن الشارع لم يورثه شيئا وإن
كان بارا بأخيه، وحجبه بالابن والذي قد يكون عاقا بأبيه! وابن حزم يوجب الوصية لمثله
ومع ذلك لم يوجبه القانون الوضعي!
وكذا تحجب الأخت
الشقيقة الأخ لأب إذا تعصبت بابنة أو بنت ابن مع أن الأخ لأب هو الذي يتحمل الديات
عن أخيه وربما كان معينا له في تجارته وسببا في ثروته، فلا يُدعى أن العدالة تقتضي
أن يرث الأخ لأب من أخيه ولو بالوصية الواجبة!
وليس هناك حرمان
لأبناء الابن المتوفى في حياة أبيه أو حق يجب لهم في ميراث جدهم حتى يفرض القانون لهم
ذلك! فأبوهم مات في حياة أبيه فلا يثبت له حق أصلا في ماله إذ ثبوت الحق في الميراث
يشترط له ثبوت وفاة المورث وحياة الوارث ولو بلحظة فإذا لم يتحقق هذا الشرط فلا ميراث
ولا حق أصلا!
والذي فعله القانون
في حقيقته هو أنه نقض أصول الميراث كلها من وجوه:
الأول: أنه أثبت
حقا للابن المتوفى قبل أبيه مع عدم استحقاقه شرعا لتقدم وفاته وهذا هدم لأصول المواريث
في الشريعة!
الثاني: أنه حجب
حجب نقصان للأبناء -وهم هنا الأعمام- بأبناء الابن المتوفى وهم أدنى درجة منهم وهذا
هدم آخر لأصول الميراث!
الثالث: أنه فرض
للأحفاد قدرا محددا يعادل حصة أبيهم لو كان حيا، ولو لم يوص بذلك الميت، ولا رضي الورثة،
ولا الوصي على المال، فصار لهم أن يأخذوا بالوصية الواجبة المزعومة الثلث وأكثر وهذا
هدم لأصل الوصية نفسها إذ لا خلاف بين الفقهاء على أن الوصية غير مقدرة بل هي بحسب
ما تطيب به نفس الموصي أو الورثة!
والميراث كما
أنه حق مقدر بأحكام الله هو كذلك رزق مقسوم بأقدار الله فالموت أجل تترتب عليه أحكام
الميراث فربما صار المحجوب في الأصل -بوفاة حاجبه ولو بلحظة- وارثا، وربما صار الحاجب
لغيره محجوبا فجأة بغيره، كمن لا يرثه إلا إخوته ولا ولد له، فيحجبون أعمامه، ثم يولد
له ولد قبيل وفاته فيحجب إخوته!
وكل ذلك بقدر الله
وحكمه، فلا يُدعى في ذلك عدل ولا ظلم، بل سبق القدر بما قضاه الله قسما وحكما، ولهذا
ختم الله آيات المواريث بقوله ﴿وصية من الله والله عليم حليم﴾.
وصدق الله ﴿أفحكم
الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾..
ولا يصح القول بالوصية
الواجبة -في القسم لأبناء الابن المتوفى في حياة أبيه من ميراثه- استحسانا وأنه أصل
معمول به عند الأصوليين بل الاستحسان المتفق على صحته إجمالا هو العدول بالمسألة الجزئية
عن نظائرها لدليل يقتضي العدول بها، أما هذه المسألة فهي أوضح صور الاستحسان المتفق
على رده وبطلانه، والذي عناه الإمام الشافعي بقوله: (من استحسن فقد شرع)، وقصد بذلك
الاستحسان بلا دليل، إلا مجرد ميل النفس للرأي واعتقادها صوابه نظرا لا شرعا، وهو قول
على الله بلا علم، ووافق الشافعي على رده كل من قال بالاستحسان، فإن كان الاستحسان
معارضا للنص أو الإجماع أو القياس والأصول كما هذه المسألة؛ كان محادة لله في حكمه!
وأوضح أمثلته في
هذا العصر توريث الحفيدِ ابنِ الابن المتوفى قبل أبيه مع وجود الأبناء الأعلى وهم الأعمام،
وهو مخالف للنص والإجماع والقياس والقواعد، ولهذا لم يقل به أحد قبل هذا العصر، فاستحسنه
الشيخ أبو زهرة عقلا، ولم يجد له دليلا إلا القول بإيجاب الوصية، وهو ضرب من الاحتيال
لا الاستدلال؛ إذ الوصية لا تقدير فيها حتى عند من أوجبها وهم القلة، وهي واجبة عندهم
على الموصي نفسه قبل وفاته، فإن لم يفعل حتى توفي كانت في ذمته فيجب على وصيه إن وجد
فعل ذلك، وإلا وجب على الورثة إعطاء القريب المحجوب ما تطيب به نفوسهم، لا أن تفرض
الدولة بقوة القانون تشريعا يجعل ابن الابن يرث مع وجود الأبناء الأعلى نصيبا مقدرا
كنصيب أبيه لو كان حيا بلا إذنهم ولا رضاهم وتحتال على ذلك باسم الوصية الواجبة!
وأشد منه بطلانا
توريث أبناء البنت إذا توفيت في حياة أبيها، وأخذهم ما يعادل نصيب أمهم لو كانت حية!
فصار ذوو الأرحام
وهم أبناء البنت يشاركون أخوالهم أبناء الميت وعصبته بالميراث وهو قول باطل بالنص والإجماع؛
فإن من يورث ذوي الأرحام وهم الحنفية والحنابلة لا يورثونهم بوجود أحد من العصبة مهما
بعد نسبه، وإنما يورثونهم إذا لم يوجد أحد منهم، ويرونهم أولى من رد الورث إلى بيت
المال.
فكيف يُجعل ذوو
الأرحام ورثة مع وجود العصبة! ويأخذون بالوصية المزعومة نصيب من مات قبل مورثه! فهذا
هو عين اللعب بأحكام الله وشرعه!
ولا فرق بين هذا
الاستحسان الباطل ومن يستحسن توريث الأخ الشقيق أو لأب مع وجود الابن، فهم أقارب محجوبون
بالابن، أو ابن الابن، أو البنات المعصبات، مع أن الإخوة عصبة يتحملون عن أخيهم الديات
في حياته، فكان ينبغي على هذا القول إيجاب الوصية لهم استحسانا أيضا!
وتصور مثل هذا
القول وما يترتب عليه من هدم لقواعد الميراث كاف في الحكم ببطلانه!
ولا يحل لمن فرضت
لهم الدولة باسم الوصية الواجبة أخذ شيء من هذا المال بغير إذن الورثة ورضاهم، وعلى
من أخذه رده لهم أو التحلل منهم..
فإنّ حُكم الحاكم
إنما يرفع الخلاف في القضية الاجتهادية، فإن عارض النص والإجماع بطل حكمه ووجب نقضه،
ولم يحل لأحد عرف بطلانه أخذ شيء به..
وعلى الدولة للخروج
من عهدة هذا الأمر العظيم تكليف كتاب العدل والموثقين إبلاغ من توفي ولده أو بنته ولهما
ذرية بالتوصية لهم إن كان له مال بما لا يزيد على الثلث، ويوثق ذلك في حياته، فهذا
هو المشروع في حقه ندبا، فإن لم يفعل وتوفي قبل التوصية، فلا حرج أن يتريث القاسم في
قسم المال حتى يعطي الورثةُ أبناءَ أخيهم أو أختهم ما تطيب به نفوسهم برضاهم.