دعاة توحيد
أم دعاة تفريق
بقلم: أ.د. حاكم المطيري
١٣ / ٤/ ١٤٤٧ هـ
٥ / ١٠ / ٢٠٢٥م
هناك فرق كبير بين:
١- التوحيد الواجب على الأعيان، وهو فرض على كل إنسان، ولا يكون مسلما إلا به، وهو الذي اكتفى به النبي
ﷺ في إثبات
الإسلام لكل من جاء بكلمة التوحيد بالإقرار نطقا والاعتقاد قلبا بأنه (لا إله إلا الله
وأن محمدا رسول الله) فمن قالها قاصدا بها الدخول في دين الإسلام، ونبذ الشرك بالله،
وترك عبادة من سواه؛ فهو مسلم من أهل القبلة موحد جاء بأصل التوحيد، فله ذمة الله ورسوله،
ويجب له بها كل حقوق المسلم على المسلمين، ما لم يخرج من الإسلام بردة ظاهرة إلى غيره
من الأديان أو إلى الإلحاد والكفر.
وهذا هو الذي سئل عنه جابر بن عبد الله رضي الله عنه: هل كنتم تسمون أحدا
من أهل القبلة كافرا؟
فقال: معاذ الله!
قال: فهل تسمونه: مشركا؟
قال: لا!
وهذا هو التوحيد الذي يُعلم يقينا أن العرب وقبائلها دخلت فيه أفواجا،
وثبت لهم به اسم الإسلام وأحكامه، كبارا وصغارا ورجالا ونساء، وكان أكثرهم أميين لا
يقرأون ولا يكتبون.
وهذا هو الإسلام والتوحيد الذي وحّدهم الله به، وجمع كلمتهم عليه، وصاروا
به عباد الله إخوانا ثم يتفاوتون بعد ذلك في مراتب تحقيق التوحيد علما وعملا، وقولا
واعتقادا، وفعلا وتركا، كما بين توحيد أبي بكر الصديق الذي كان يدعو (اللهم إني أعوذ
بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم) وتوحيد من قالوا للنبي ﷺ في غزوة حنين حين مروا على شجرة كان المشركون يتبركون بها في الجاهلية
(اجعل لنا ذات أنواط) فقال: (الله أكبر إنها السنن، قلتم كما قال بنو إسرائيل لموسى
اجعل لنا إلها كما لهم آلهة).
فلم يحكم بردتهم ولا كفرهم!
٢- والتوحيد العلمي المعرفي الذي هو علم من علوم الشرع وفن من فنونه، ومعرفته فرض كفاية على أهل العلم،
وهو معرفة حقيقة توحيد الله ذاتا وصفات، وأركانه وشروطه، وأنواعه ونواقضه.
فمن نفى التوحيد الأول عن أهل القبلة؛ لعدم معرفتهم بالثاني أو لتنازعهم
في مسائله كالجدل في إثبات الصفات ونفيها؛ فقد خالف نص الكتاب!
فما وقع من جدل في تعريف التوحيد بالمفهوم الثاني بين أهل القبلة من المسلمين
لا يخرجهم من اسم الإسلام والتوحيد الذي ثبت لهم بنص القرآن، ولا يحكم بردتهم وكفرهم،
وما صدر من بعض الأئمة بإطلاق لفظ الكفر على أحد منهم، فإنما قصدوا كفر التأويل لا كفر الردة؛ لبيان بطلان القول قطعا
لمصادمته النصوص، وقد تأثر بعض الحنابلة المتأخرين خُطى المعتزلة والمتكلمين في تكفير
المخالف من أهل القبلة كابن عقيل وابن الزاغوني وابن الجوزي وأبي الخطاب، وتصدى لهم
ابن قدامة، وابن تيمية كما في رسالة ابن قدامة الحنبلي لفخر الدين محمد بن الخضر الحنبلي
في عدم تكفير أهل القبلة وبطلان القول بخلودهم في النار لعدم وروده عن السلف.
قال ابن قدامة - طبقات الحنابلة ١/ ٢٤٦ -: (إن ظهر عندك تصويب الكلام فيها،
تقليدا للشيخ أبى الفرج وابن الزاغوني، فقد تيقنتُ أنا تصويب السكوت عن الكلام فيها،
اتباعا لسيد المرسلين، ومن هو حجة على الخلق أجمعين، ثم لخلفائه الراشدين، وسائر الصحابة
والأئمة المرضيين..
وقوله: إن تعلقي بأن لفظ "التخليد" لم يرد: ليس بشيء!
فأقول: لكن عندي أنا هو الشيء الكبير، والأمر الجليل الخطير! فأنا أوافق
أئمتي في سكوتهم، كموافقتي لهم في كلامهم.
فأما قوله: إن كتب الأصحاب القديمة والحديثة فيها القول بتكفير القائل
بخلق القرآن: فهذا متضمن أن قول الأصحاب هو الحجة القاطعة! وهذا عجب!
أترى لو أجمع الأصحاب على مسألة فروعية، أكان ذلك حجة يقتنع بها، ويكتفى
بذكرها؟
فإن كان فخر الدين يرى هذا فما يحتاج في تصنيفه إلى ذكر دليل سوى قول الأصحاب!
وإن كان لا يرى ذلك حجة في الفروع، فكيف جعله حجة في الأصول؟
وهب أنا عذرنا العامة في تقليدهم الشيخ أبا الفرج وغيره من غير نظر في
دليل! فكيف يعذر من هو إمام يرجع إليه في أنواع العلوم؟
ثم إن سلمنا ما قال، فلا شك أنه ما اطلع على جميع تصانيف الأصحاب.
ثم إن ثبت أن جميعهم اتفقوا على تكفيرهم، فهو معارض بقول من لم يكفرهم،
فإن الشافعي وأصحابه لا يرون تكفيرهم إلا أبا حامد الغزالي.
فبم يثبت الترجح؟
ثم إن اتفق الكل على تكفيرهم، فليس التخليد من لوازمه.
فإن النبي ﷺ قد أطلق التكفير في مواضع لا تخليد فيها.
قال أبو نصر السجزي: اختلف القائلون بتكفير القائل بخلق القرآن، فقال بعضهم:
كفر ينقل عن الملة، وقال بعضهم: كفر لا ينقل عن الملة.
ثم إن الإمام أحمد -الذى هو أشد الناس على أهل البدع- قد كان يقول للمعتصم:
يا أمير المؤمنين، ويرى طاعة الخلفاء الداعين إلى القول بخلق القرآن، وصلاة الجمع والأعياد
خلفهم ولو سمع الإمام أحمد من يقول هذا القول، الذى لم يرد عن النبي ﷺ، ولا عن أحد قبله لأنكره أشد الإنكار فقد كان ينكر أقل من هذا).
فالمعتزلة عند ابن قدامة من أهل القبلة مسلمون من أهل التوحيد بالمفهوم
الأول الأصلي، وإن خالفوا السنة في مسائله بالمفهوم الثاني الفرعي، ووافقه ابن تيمية.