النخب العربية
والهذرلوجيا السياسية
أ.د. حاكم المطيري
الأمين العام لمؤتمر الأمة
9/ 10 / 1447هـ
28 / 3 / 2026م
تكاد شعوب المشرق
العربي كله اليوم -باستثناء الميليشيات الإيرانية- تصم آذانها عن كل ضجيج النخب العربية
الإسلامية والقومية واليسارية التي أغرقت وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بطوفان
من (الهذرلوجيا) عن وجوب الوقوف مع النظام الإجرامي الإيراني!
وتقف شعوب المشرق
العربي اليوم بذاكرتها الحية، وإدراكها الطبيعي للخطر، وعقلها الجمعي، وحسها الفطري،
صفا واحدا ضد الانجرار إلى خندق النظام الإيراني، أو خندق المحتل الأمريكي؛ لأنها باختصار
تعده عدوا لها، وخطرا مهددا لوجودها، وعقيدتها، تماما كالعدو الصهيوني، بل رأت من فتك
النظام الإيراني بها وعدوانه عليها -منذ حربه على العراق سنة ١٩٨٠م حتى قصفه لمدن الخليج
اليوم ٢٠٢٦ بالصواريخ البالستية- أشد مما رآه الشعب الفلسطيني من المحتل الصهيوني منذ
١٩٤٨م!
فدعوة النخب العربية
شعوب المشرق العربي اليوم -سواء في جزيرة العرب واليمن أو الشام أو العراق- إلى الوقوف
مع من استباح دماءها، وقصف مدنها، وتحالف مع المحتل الأمريكي والروسي لاحتلال أوطانها،
وتدمير بلدانها، وحصارها، وتهجيرها من أرضها، ضرب من الجنون لا يمارسه إلا هؤلاء المهووسون!
تماما كمن يدعو
الشعب الفلسطيني إلى الوقوف مع إسرائيل وتناسي جرائمها لأنها تواجه عدوانا وقصفا إيرانيا!
هذه النخب العربية
-المصابة بالهذرلوجيا وفقدان الذاكرة- لا تعي بأن المشكلة لدى هذه الشعوب العربية الإسلامية
ليست مذهبية ضد الشيعة، ولا قومية ضد الفرس، كما يتوهمون ليذكروها بالوحدة الإسلامية!
وإنما لديها مشكلة حقيقية وجودية مصيرية مع نظام إجرامي عدواني أعان المحتل الأمريكي
على احتلال العراق وأفغانستان، واستعان بالمحتل الروسي على قتل الشعب السوري وتدمير
مدنه، وتهجيره من أرضه، وعاث فسادا في اليمن، وها هو يدك مدن الخليج بالصواريخ دون
أدنى اعتبار لدين ولا مصلحة ولا سياسة، حتى حول هذه الحرب -كما تريد أمريكا وإسرائيل-
إلى حرب مع المسلمين وبين دولهم وشعوبهم، لتقف روسيا والصين خلفه، وتقف أمريكا وإسرائيل
خلف دول الخليج، وتُستنزف المنطقة في حرب وظيفية رابعة جديدة لخدمة القوى الدولية على
حساب العالم الإسلامي واستقراره وأمن شعوبه! كما فعل في حربه ضد العراق ثمان سنين من
١٩٨٠ - ١٩٨٨م!
فلا يتصور بعد
هذا كله دعوة الأمة وشعوبها للاصطفاف خلفه لمجرد أنه اختلف مع من تحالف معهم وخدمهم
عشرين سنة ضد الأمة وشعوبها!
إن هذه النخب العربية
والجماعات الوظيفية التي تدعو اليوم للوقوف مع النظام الإيراني الإجرامي الذي يقصف
شعوب الخليج بذريعة أنه يواجه الحملة الصليبية! هي نفسها ممن لزم الحياد سنة ٢٠٠١ حين
غزت أمريكا أفغانستان بدعوى مكافحة الإرهاب وإقامة الديمقراطية وبعضها تعاون معها!
ولم نسمع أحدا
منهم أوجب على الأمة وشعوبها الوقوف مع طالبان وحكومة أفغانستان الإسلامية التي لم
تعتدِ على أي شعب مسلم! وقد ظل الشعب الأفغاني وحده يخوض معركة تحرير أفغانستان عشرين
سنة من ٢٠٠١ إلى ٢٠٢١م في الوقت الذي كانت هذه الجماعات الإسلامية نفسها تقف مع حكومة
الاحتلال في كابل أو كانت في أحسن الأحوال تقف على الحياد!
وقد شاركت تلك
الجماعات في السلطة التي فرضها المحتل الأمريكي في كابل وبغداد بإشراف خليل زلماي وبول
بريمر!
وقاتلت مع المحتل
الأمريكي قوى المقاومة الحقيقية التي تصدت له!
وكان أحسن حلفاء
إيران حالا آنذاك من لزم الحياد كحماس بعد تصفية ياسر عرفات وأحمد ياسين سنة ٢٠٠٤م!
وكانت المكافأة
لإيران على وقوفها مع الحملة الصليبية إشراك حزب الوحدة الشيعي في حكم كابل ٢٠٠١م،
واستلام ميليشياتها الشيعية الحكم في بغداد ٢٠٠٤م، والاعتراف بالحوثي في اليمن وبدء
التفاوض معه، واستلام حماس السلطة في غزة بانتخابات ٢٠٠٦ بإشراف أمريكي مباشر! ودخول
حزب الله الحكومة في لبنان ٢٠٠٨م!
في الوقت الذي
كانت الأمة وشعوبها تخوض أكبر معركة في تاريخها الحديث ضد الحملة الصليبية في أفغانستان
والعراق!
فهذه الحرب الدائرة
اليوم بين واشنطن وطهران معركة النظام الإيراني وحده ومحوره معه، ولا علاقة للأمة وشعوبها،
ولا لفلسطين والقدس بها، وليست معركة بين المسلمين والكفار! بل معركة بين الحملة الصليبية
وحلفائها الذين خدموها بالأمس، وارتدوا على الأمة مع المحتل الأمريكي والروسي واستباحوا
دماءها وأرضها، وأرادوا اليوم منازعتها النفوذ على المنطقة، والخروج عن أدوارهم المرسومة
لهم، فصاروا جميعا شركاء متشاكسين، وأعداء متحاربين، بين أنظمة جاهلية وظيفية، وأنظمة
همجية طائفية!
وقد شهدوا
بأنفسهم في تصريحاتهم ولقاءاتهم الإعلامية على خدمتهم لهم -كما اعترف حسن نصر الله
باستدعاء روسيا لقتال الشعب السوري واعترف الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بإعانة أمريكا
في غزو أفغانستان والعراق- حتى لا يغتر بهم من لم يدرك تلك الفترة، التي ما تزال الأمة
وشعوبها تختزنها في ذاكرتها وعقلها الجمعي!