نوازل الحرب الإيرانية
ومشكلاتها الفقهية
أ.د. حاكم المطيري
الأمين العام لمؤتمر الأمة
6/ 10 / 1447هـ
25 / 3 / 2026م
إلى فضيلة الشيخ
صادق الغرياني
حفظه الله ورعاه
اطلعت على فتوى
فضيلتكم بوجوب نصرة إيران في حربها مع المحتل الصهيوني الأمريكي؛ لأنه بلد إسلامي يقاتل
كفارا معتدين، وهذا لا خلاف بين الفقهاء فيه لو كانت النازلة على النحو المذكور في
الفتوى، إلا أن النازلة أشد تعقيدا وإشكالا، وهو ما يوجب من فضيلتكم إعادة النظر في
الفتوى حتى يكون الجواب مطابقا لصورة النازلة، وما هو الواجب شرعا على المسلمين في
إيران تجاه هذا النظام، لأن ما وجب عليهم وجب على الأمة من ورائهم، وما حرم عليهم حرم
على الأمة من باب أولى:
فأولا: إذا ثبت
بأن النظام الإيراني الحالي ظالم جائر يستحل دماء شعبه لفرض سلطانه عليهم بالقوة، ويميز
بينهم على أساس طائفي، فيحرم القوميات السنية من الحقوق السياسية، ويضطهدهم، فهل لهم
الثورة والخروج عليه؟ وإذا كان لهم ذلك ولم يستطيعوا، فهل لهم اعتزاله وعدم الدفع عنه
سواء أراد إسقاطه معارض له داخلي أو عدو خارجي؟
ولا يخفى على فضيلتكم
ما ذكره ابن عرفة في "المختصر" ٣/ ١٧٥ عن مذهب الإمام مالك حيث قال عن الخروج
على الإمام الجائر الظالم (وإن كان غير عدل، فإن خرج عليه عدل؛ وجب الخروج معه؛ ليظهر
دين الله، وإلا وسعك الوقوف إلا أن يريد نفسك ومالك، فادفعه عنهما، ولا يجوز لك دفعه
عن الظالم.
وقال مالك: إن
قام وال على وال لإزالة ما بيده، فإن كان مثل عمر بن عبد العزيز؛ وجب الدفع عنه وإلا
فلا، ينتقم الله من ظالم بظالم، ثم ينتقم منهما.
وقال فيمن بايعه
الناس بالإمارة فقام آخر وتبعه بعضهم: قال: روي قتل الثاني، وهذا إن كان الأول عدلا،
وإلا فلا بيعة له تلزم… قال ابن عرفة: وظاهر ما تقدم منع إعانة غير العدل مطلقا).
فإذا كان الأمر
كذلك فكيف يجوز لهم الخروج على الجائر لرفع الظلم والحيف الواقع عليهم، وعدم وجوب طاعته،
وحرمة إعانته مطلقا، ثم إيجاب الدفع عنه والقتال معه في الوقت ذاته؟
نعم إذا كانت مصلحة
الدفع عنه أعظم كان لهم الدفع عنه والقتال معه لعموم المصلحة وأرجحيتها، كما لو كان
القتال ضد عدو كافر غاز، أو خارج أشد جورا، فإن رأوا أن مصلحة تغييره أعظم، ومفسدة
بقائه أشد عليهم، فلا يجب عليهم القتال معه، وإنما يجب أن يقاتلوا العدو الكافر استقلالا
دفاعا عن أنفسهم وبلدهم؛ لأنها دار الإسلام، ووجب على الأمة نصرتهم، لا نصرة الجائر
الظالم لهم.
كما قال ابن عرفة:
(وقال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام: فسق الأئمة قد يتفاوت ككون فسق أحدهم بالقتل،
وفسق الآخر بانتهاك حرمة الأبضاع..
قال: فإن قيل:
أيجوز القتال مع أحد هؤلاء لإقامة ولايته وإدامة تصرفه، وهو معصية؟
قلنا: نعم دفعا
لما بين مفسدتي الفسوقين، وفي هذا وقفة وإشكال من جهة كونه إعانة على معصية، ولكن درء
ما هو أشد من تلك المعصية يجوزه.
قلت: ونحوه خروج
فقهاء القيروان الممسي وغيره مع أبي زيد الخارجي على الثالث من بني عبيد؛ وهو إسماعيل
لكفره، وفسق أبي زيد، والكفر أشد).
ثانيا: إذا ثبت
أن الإمام مبتدع بدعة مكفرة، فيدعي أنه نائب عن إمام معصوم كالنبي ﷺ! حي موجود يتصرف
في الوجود! فرض الله طاعته وطاعة نائبة على جميع الخلق! فهل يجب على المسلمين في إيران
طاعة مثله شرعا؟ وتصحيح إمامته؟ ووجوب الدفع عنه ونصرته؟ وما الفرق بينه وبين بني عبيد
الذين أجمع الفقهاء على كفرهم ووجوب جهادهم؟ وكيف يجب على الأمة كلها نصرته وهو يفتري
على الله ورسوله ﷺ بادعاء نيابته
عن إمام موجود معصوم كالنبي ﷺ؟
وقد نص ابن المواق
- في "التاج شرح مختصر خليل" ٨/ ٣٧٢ في باب الردة - على كفر (من ادعى أنه
يوحى إليه وإن لم يدع النبوة).
ثالثا: إذا ثبت
أن هذا النظام أعان الكفار على غزو أفغانستان والعراق، واستعان بهم على قتال أهل الشام،
وأفتى بوجوب قتالهم وإباحة دمائهم لأنهم كفار! وكلها صور ردة بالنص والإجماع، فهل تجب
طاعته ونصرته قبل توبته من ردته ومن مظاهرته للكفار على المسلمين؟
رابعا: لدى النظام
الإيراني مشروع سياسي وعسكري توسعي دموي لا يخفى على من لديه أدنى وعي وعلم بما يجري،
ولديه أيضا مشروع ديني بدعي شركي، عرفت شعوب المشرق الإسلامي خطورته وعاشتها حروبا
دموية وبدعا وثنية - برعاية الحملة الصليبية - ابتدأ من لبنان ١٩٨٢م، ثم العراق
٢٠٠٣، ثم سوريا ٢٠١٣، ثم اليمن ٢٠١٥، ثم الآن دول الخليج العربي ٢٠٢٦م..
فهل يجب على المسلمين
في إيران طاعته وإعانته ونصرته في حربه على المسلمين لتحقيق مشروعه السياسي والديني؟
خامسا: شن النظام
الإيراني منذ قيامه ١٩٨٠ حروبا عدوانية على كل الدول والشعوب المجاورة له بقصد احتلالها
أو السيطرة عليها ونشر مذهبه الباطل وقد ذهب بسبب حروبه ملايين المسلمين بين قتيل ومهجر
من بلده في العراق والشام واليمن وهو الآن يستحل قصف شعوب الخليج!
فهل تجب نصرته
مع تيقن عودته لعدوانه على جيرانه بعد استعادته لقوته؟
سادسا: هل من اعتزل
هذه الفتن من المسلمين في إيران يكون آثما؟
وقد قال ابن المواق:
(الاستشكال علم)، وزاد القرافي: (وفتح من الله)!
وهو كشف الالتباس
في المسائل، وإيراد الأسئلة على التعريفات في التصورات، وعلى الأحكام في التصديقات،
والقضايا المحكوم فيها أو عليها بما يقدح في صدق التعريف، أو صحة الحكم، أو دليله،
أو تعليله..
وقد أوردت هذه
الأسئلة على فتوى الشيخ الفاضل الصادق الغرياني -وفقه الله- التي تحمل في طياتها رأيي
عرضا لا قصدا، فمن آداب استشكال الفتوى إيراد الأسئلة عليها للفت نظر المفتي إلى قيد،
أو شرط لم يتنبه له، أو إطلاق حكم لم يتحقق مناطة، دون استطراد يكون جوابا، والأصل
ترك الجواب للمفتي نفسه..
ولم يعرف بعض القراء
وجه الإشكال وسببه، وهو قوله في الفتوى: (لا حياد في هذه الحرب بين إيران وأمريكا،
لأنها حرب بين المسلمين والكفار، وأن الحياد فيها نفاق)!
وهذا حكم مشكل شرعا
لمن تصور المسألة تصورا صحيحا، ولهذا افترضتُ السائل المستشكل للفتوى مسلما إيرانيا
سنيا مضطهدا، لا يريد الخوض في هذه الفتن، فلا يقف مع النظام الذي اضطهده وظلمه وقتل
ذويه، ولا مع معارضيه سواء من الجماعات السنية المجاهدة في إيران، أو الشيعية التي
تتربص بالنظام وتعمل على إسقاطه منذ نصف قرن، وقد استعانت هذه المعارضة الآن بأمريكا
لتغييره، كما استعانت بها المعارضة الشيعية بتفاهم مع طهران لإسقاط حكم البعث في العراق
سنة ٢٠٠٣، وكما استعانت الثورة الليبية بالنيتو لحماية بنغازي وغيرها من قصف نظام القذافي
سنة ٢٠١١م! فهل يسع هذا المسلم السني الإيراني اعتزال هذه الحرب فلا يتورط فيها بالدماء
ويسلم له دينه وعرضه وماله ودمه؟
كما في حديث: (العبادة
في الهرج كالهجرة إليّ).
فإذا قيل نعم يسعه
الاعتزال -وهو بلا شك يسعه ولا ينبغي الخلاف في ذلك- فإنه حينئذ يسع كل مسلم إيراني
سنيا كان أو شيعيا، سواء عملا بالنصوص المتواترة باعتزال الفتن زمن الهرج والمرج، والاقتتال
على السلطة، أو بالنصوص القطعية بعدم إعانة الظالمين والمجرمين، وإذا جاز ذلك للشعب
الإيراني وأنه لا يجب عليه الدفاع عن هذا النظام، وهو صاحب الشأن، وإنما يجب عليه الدفع
عن أرضه حين يحتلها العدو، فالأمة وشعوبها من باب أولى؛ فلها لزوم الحياد، وهو ما حدث
فعلا، فدول العالم الإسلامي كلها لزمت اليوم الحياد عجزا، أو مصلحة، أو عداوة للنظام
الإيراني نفسه، مع رفضها كلها للعدوان على إيران كبلد وشعب ولو ظاهريا!
وسبب الخطأ في الفتوى
هو المقدمات نفسها وهو توصيفها على أنها (حرب بين المسلمين والكفار، فالحياد فيها نفاق)!
فهذه المقدمة تفترض
أن النظام الإيراني هو المسلمون جميعا، ومن خالفه في الداخل منافق!
وهذا إنما يصدق
على المسلمين حال اجتماعهم في ظل الخلافة العامة، بحيث يصدق على من خالفهم بأنه اتبع
غير سبيل المؤمنين، أو حين تقف الأمة بعمومها ومجموعها ضد عدو خارجي أو داخلي، فإنه
لا حياد هنا.
أما حين يخوض نظام
جائر في بلد من بلدان المسلمين حربا مع بعض شعبه ومن ورائهم عدو كافر، أو مع الكافر
مباشرة، فهنا لا تكون الحرب بين المسلمين والكفار، بل بين بعض المسلمين وطائفة منهم
والكفار، فإن كانت الأمة قادرة على دفع الكفار، فيجب دفعهم عن دار الإسلام لا عن هذا
النظام بعينه، وإن كانت عاجزة، أو تخشى مفسدة أكبر، فلا يوصف عجزها وحيادها بنفاق!
ومما يوضح الصورة
ما كان من جهاد أبي بصير وأبي جندل ومن معهم لمشركي مكة بعد صلح الحديبية، مع التزام
النبي ﷺ بالصلح مع مشركي مكة، وعدم الاشتراك
في هذا القتال، فالقتال كان بين طائفة من المسلمين والمشركين، لا بين المسلمين جميعا
والمشركين، بحيث يوصف من لم يشارك فيه بالنفاق! كما تخلف أبي بن سلول ومن معه عن النبي
ﷺ يوم أحد فقد شاقوا النبي ﷺ والمسلمين، فكان
فعلهم ذلك نفاقا ظاهرا، وليس كذلك حال من اعتزل الفتن أو اعتزل القتال مع النظام الجائر
في بلد من بلدان المسلمين، ليصبح الدفع عنه فرض عين! وهو ما لم يقل به أحد، فقد اعتزل
أكثر الصحابة القتال والخليفة آنذاك علي رضي الله عنه!
ولو كان الأمر كما
في الفتوى لكان وقوف دول العالم الإسلامي والجماعات الإسلامية بالحياد حين غزت أمريكا
أفغانستان والعراق نفاقا ظاهرا، دع عنك من أعان أمريكا كالنظام الإيراني نفسه وميليشياته
وأحزابه والجماعات الإسلامية الوظيفية!
وهذا الاستشكال
وارد على الفتوى قبل أن يشن النظام الإيراني عدوانه على دول الخليج وشعوبها الإسلامية
وقصف مدنهم ومراكز حياتهم المدنية، فحول الحرب إلى حرب بين المسلمين أنفسهم، وصار اعتزالها
بحق المسلم الإيراني واجبا لا جائزا فقط كما في الصورة الأولى، لأنه سيكون إعانة على
قتل مسلمين أبرياء لا علاقة لهم بالحرب أصلا!
وإذا كان قد أجاز فضيلة المفتي نفسه والشيخ القرضاوي
استعانة أهل بنغازي بطيران النيتو لحمايتهم من قصف نظام القذافي لهم، فما الذي يحرمه
على غيرهم! سؤالا لا إقرارا!