المقارنات الوهمية
بين الجويني
وابن تيمية
أ.د. حاكم المطيري
2 / 10 / 1447هـ
21 / 3 / 2026م
المقارنة بين
كتابَي (غياث الأمم) للجويني، وكتاب ابن تيمية (السياسة الشرعية)، من أغرب المقارنات
وأعجبها! وما استنتجه الكاتب -في مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية بأن تراث
الجويني تنظيري، وتراث ابن تيمية مقاصدي واقعي- أعجب وأغرب! وهي أوهام آخذ بعضها برقاب
بعض، وظلمات بعضها فوق بعض!
وكيف تكون المقارنة
بين كتابين، في بابين مختلفين!
فالغياثي كتاب
في الإمامة والأحكام السلطانية، وهي الأحكام الدستورية العامة للنظام السياسي في الإسلام،
فيتحدث عن وجوب الإمامة، وشروطها، وكيف تعقد، وكيف يعزل الإمام، وأهل الحل والعقد وشروطهم،
ووظائف الإمام إلى غير ذلك من المباحث المشهورة في هذا الفن.
بينما كتاب (السياسة
الشرعية) باب آخر تماما، يتحدث عن أداء الولاة للأمانة التي تولوها، بتحري العدل في
الحكم، والإنصاف في القسم، وما يجب عليهم وعلى الرعية من التعاون على البر والتقوى..
وكتب (السياسة
الشرعية) تختص بما للولاة والقضاة من التصرف والاجتهاد خصوصا عند غياب النص لتحقيق
مقاصد الولاية وهو إقامة العدل وأداء الأمانة.
فالبحث فيه عن
أحكام الإمامة العامة، وأصول النظام السياسي، والاستنتاج منه في شأنها بحث عن الشيء
في غير مظانه!
وإنما تعرف آراء
ابن تيمية المبثوثة بخصوص الإمامة العامة والأحكام السلطانية من كتبه الأخرى كمنهاج
السنة، وشرح العمدة في الفقه، والفتاوى، وهو على كل حال لا يخرج عموما عما تقرر في
المذهب الحنبلي في هذا الباب، كما في كتاب أبي يعلى (الأحكام السلطانية) الذي حذا فيه
حذو الماوردي، مع ذكر مذهب أحمد، وإن كان ابن تيمية أكثر تأصيلا، وأصح استدلالا ودليلا
من أبي يعلى!
فالادعاء بأن ابن
تيمية في (السياسة الشرعية) لا يهتم بشكل نظام الحكم بقدر اهتمامه بالغاية منه أوضح
دليل على أن الكاتب لا يعرف أصلا موضوع الكتاب! وإنما توهم أنه كتاب في الأحكام السلطانية،
ككتاب الجويني فأخذ يقارن بينهما! فلما لم يجد فيه الحديث عن وجوب الإمامة، وطرق اختيارها،
ولا أهل الحل والعقد، توهم بأن هذا كله ليس ذا أهمية عنده! وأن ابن تيمية لا يتوقف
عند شكل النظام السياسي، بل همه الغاية منه!
وبنى على هذا الوهم
الخطير أوهاما أشد خطورة ليصل إلى أن ابن تيمية يسوغ كل أنظمة الحكم الواقعية ما دامت
تحكم بالعدل وتتحرى إقامة الشرع ولو على نمط دويلات سايكس بيكو الوطنية!
وكل ذلك سبق إلى
إثارته بعض المستشرقين المعاصرين فيما كتبوه عن ابن تيميه فسرقه الكتاب الإسلاميون
كما هي عادتهم!
ونسي الكاتب في
غمرة حماسته أن ابن تيمية يرى بأن الخلافة العباسية في مصر هي السلطة الشرعية! وأن
السلطان فيها يستمد شرعيته منها، وأن الشام تتبع مصر لوجود هذه الخلافة فيها لا لوجود
السلطان المملوكي! وأنه شارك في معركة شقحب مع الخليفة العباسي أبي الربيع سليمان بن
الحاكم كما قال ابن كثير: (وكان الخليفة أبو الربيع سليمان [المستكفي بالله] في صحبة
السلطان [محمد قلاوون]، ولما اصطفت العساكر، والتحم القتال ثبت السلطان ثباتا عظيما..
ودخل السلطان إلى دمشق يوم الثلاثاء خامس رمضان، وبين يديه الخليفة)..
قال السيوطي عنه:
(بويع بالخلافة بعهد من أبيه، سنة إحدى وسبعمائة. وخطب له على المنابر في البلاد المصرية
والشامية، وسارت البشارة بذلك إلى جميع الأقطار والممالك الإسلامية).
وقال ابن كثير
في سنة ٧١٠هـ: (استهلت وخليفة الوقت المستكفي بالله أبو الربيع سليمان العباسي، وسلطان
البلاد الملك الناصر محمد بن المنصور قلاوون، والشيخ تقي الدين بن تيمية مقيم بمصر
معظما مكرما، ونائب مصر الأمير سيف الدين بكتمر أمير خزندار، وقضاته هم المذكورون في
التي قبلها، سوى الحنبلي فإنه سعد الدين الحارثي، والوزير بمصر فخر الدين الخليلي،
وناظر الجيوش فخر الدين كاتب المماليك، ونائب الشام قراسنقر المنصوري، وقضاة دمشق هم
هم، ونائب حلب قبجق، ونائب طرابلس الحاج بهادر والأفرم بصرخد).
فليس ابن تيمية
في حاجة للحديث عن وجوب إقامة الخلافة وأحكامها، والسلطنة ووظيفتها، وهي قائمة أصلا
في مصر قبل ولادته بثلاث سنين! منذ أن استقبل السلطان قطز فيها المستنصر بالله العباسي
وبايعه بالخلافة سنة ٦٥٩ بعد أن قتل هولاكو ابن أخيه المستعصم بالله واستباح بغداد
سنة ٦٥٦هـ!
فلا كتاب ابن تيمية
أكثر واقعية! ولا كتاب الجويني تنظير بل هو تقرير لأحكام الإمامة العامة والخلافة والدولة
التي ظل المسلمون يعيشونها واقعا سياسيا على اختلاف أنماطها من الخلافة المركزية كالخلافة
الراشدة، والأموية، وغير المركزية كالعباسية حيث وجد تحت الخليفة الوزير المفوض ثم
السلطان، ثم عودتها مركزية في الخلافة العثمانية حيث الخليفة هو السلطان، والصدر الأعظم
هو رئيس الوزراء والحكومة.
وهي النظام السياسي
الإسلامي الوحيد الذي عرفه المسلمون وما سواه محدثات وانحرافات كما أخبر النبي ﷺ بقوله: (يكون خلفاء
فأوفوا بيعة الأول فالأول)، (ثم يكون ملكا عاضا، ثم ملكا جبريا، ثم تكون خلافة)!