الخليج العربي
بين الأجندات الثلاث
وغياب القيادة والمشروع
أ.د. حاكم المطيري
الأمين العام لمؤتمر الأمة
17 / 9/ 1447هـ
6 / 3/ 2026م
خطاب الأمير تركي
الفيصل -والذي يحمّل الطرف الصهيوني الأمريكي مسئولية البدء بهذه الحرب، لتحقيق مشروع
إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، المدعوم من اللوبي الأمريكي المسيحي الصهيوني،
والمهدد للعالم العربي بشكل مباشر، ويحمل أيضا إيران مسئولية تهديد المنطقة بمشروعها
الطائفي الإجرامي- خطاب متوازن ومسئول يقتضي من دول مجلس التعاون الخليجي النأي عن
كلا المشروعين المهددين للمنطقة العربية والمتصارعين عليها في الوقت ذاته، وكبح جماحهما،
وعدم الانجرار إلى الطرف الأمريكي الصهيوني بذريعة مواجهة الخطر الإيراني لتصبح المنطقة
كلها تحت النفوذ الصهيوني!
وهذا يحمل دول
مجلس التعاون الخليجي مسئولية كبرى لمنع استعمال أراضيها في هذه الحرب إذ ليست طرفا
فيها أصلا، ويوجب عليها تعزيز الوحدة فيما بينها بما في ذلك وحدة القرار العسكري الذي
تحمي به شعوبها من هذه الحرب ومن تداعياتها ومن تمدد كلا المشروعين في المنطقة ومنع
تحقيق الأجندات الثلاث الصليبية والصهيونية والصفوية، وهو ما يقتضي أيضا التعاون العسكري
مع الدول المركزية في العالم العربي والإسلامي خصوصا مصر وتركيا وباكستان فمسئولية
حماية الحرمين الشريفين لا تقتصر شرعا على دول الخليج والجزيرة العربية بل هي مسئولية
الأمة كلها وكل دولها وشعوبها.
وقد كشف حديث الأمير
تركي الفيصل -حول صراع المشاريع الثلاث (الصهيوني التوارتي - والأمريكي الإنجيلي -
والصفوي الإيراني) وتنافسها للسيطرة على المنطقة العربية لتحقيق نبوءاتها الدينية-
عما هو أخطر من ذلك!
فقد كشف حديثه
عن الأزمة التاريخية للأمة وشعوبها ودولها -منذ سقوط الخلافة العثمانية حتى اليوم-
وهو فقدها للفاعلية والتأثير في مجريات الأحداث التي تعصف بها بسبب "فراغ القيادة"
التي تمثلها، و"غياب المشروع" الذي يعبر عن هويتها ورسالتها، و"فقد
القوة" التي تحميها وتحمي مصالحها وحقوقها! وعجز الدول الوطنية بعد مئة عام عن
تحقيق أي شيء من ذلك!
ولعل أوضح مظاهر
هذا الغياب تنامي الصراع بين القوى الدولية الأربع (الولايات المتحدة + الاتحاد الأوربي)
و (الصين + روسيا) على العالم الإسلامي وموارده النفطية والغازية وممراته البحرية والبرية،
دون وجود قوة عربية أو إسلامية تقف في وجه هذه القوى الأربع مع أن العالم الإسلامي
يفوقها كلها قوة وعددا وثروة وعقيدة لولا تشرذم دوله وخضوعها لنفوذ تلك القوى المتصارعة
عليه!
ومما يؤكد وجود
الفراغ في القيادة والغياب للمشروع هو موقف شعوب العالم العربي والإسلامي والرأي العام
فيها في كل حرب تقع في المنطقة!
فكل شعوب العالم
العربي والإسلامي اليوم -حتى التي ترى النظام الإيراني خطرا عليها- ترفض الانحياز لخندق
المحتل الصهيوني والحملة الصليبية الجديدة التي تشن حربها وعدوانها بقيادة واشنطن على
الشعب الإيراني بذريعة تغيير نظامه! كما رفضت هذه الشعوب ذاتها من قبل الغزو الأمريكي
البريطاني للعراق بالذريعة نفسها بينما تعلم الأمة وشعوبها بوعيها الجمعي أن الأهداف
الحقيقية لحروب الحملة الصليبية والمحتل الأمريكي الأوربي هو السيطرة على المنطقة بشكل
كامل وإعادة احتلالها كلما كادت تخرج من نفوذه!
وكذلك ترفض أكثرية
شعوب الأمة -بما فيه قطاع واسع من الشعب الإيراني نفسه- الوقوف في خندق النظام الطائفي
في طهران كما رفضت من قبل الوقوف في خندق حزب البعث في العراق وسوريا لولا أنها تجد
نفسها مكرهة في كل حرب عدوانية عليها لخوضها دفاعا عن بلدانها وعن وجودها ولو مع أنظمة
فاقدة للشرعية والشعبية!
فإذا الأمة تجد
نفسها -في كل حملة صليبية تشن عليها وعلى بلدانها وشعوبها- بلا قيادة تمثلها، ولا خندق
تنحاز إليه، ولا راية تقاتل تحتها، ولا مشروع يعبر عنها!
إن كل محاولات
الإعلام العربي الوظيفي لشيطنة النظام الإيراني من أجل جر الأمة وشعوبها إلى خندق الحملة
الصليبية الصهيونية ستبوء بالفشل! إذ سيظل المحتل الأمريكي الصهيوني في نظرها هو العدو
التاريخي لها وهو الذي كان وراء وجود كل الأنظمة الدكتاتورية والوظيفية والطائفية التي
جاء بها واستباحت حرمات شعوبها، حتى إذا ثارت عليها شعوبها، أو انتهت مهمتها استبدل
بها غيرها، ولو بغزوها وإعادة احتلال بلدانها!
إن الأزمة التي
تعيشها الأمة وشعوبها ودولها الوطنية ليست أزمة وعي بالعدو الأمريكي الصهيوني وما يعده
لها فهي تعرفه وتعرف مخططه الشيطاني الجهنمي الذي يستهدفها بلدا بلدا بإشعال الحروب
فيما بينها وتقسيمها وحصارها واحتلالها كما وصفهم القرآن ﴿كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها
الله ويسعون في الأرض فسادا﴾، بل أزمة الأمة تتمثل في عجز دولها الوطنية عن إيقاف مخططات
هذا العدو -مع وعيها بخطورتها- بل وعجزها عن النأي بنفسها ومنعه من توريطها في مخططاته؛
لأن ضعفها كدول قطرية وطنية ذاتي بنيوي منذ أقامها العدو نفسه على أنقاض الخلافة العثمانية،
وأقام فيها قواعده العسكرية؛ ليضمن خضوعها الدائم لسيطرته، وهو ما تحقق فعلا، ولن تخرج
من هذه الأزمة التاريخية إلا باتحادها وتحررها وإنهاء الوجود العسكري الغربي بكل أشكاله
وصوره!
وهو ما يحمل الأمة
وشعوبها كلها أيضا مسئولية شرعية وسياسية لحل هذه الأزمة التاريخية بدلا من الاصطفاف
خلف دويلات وظيفية عاجزة عن حماية نفسها فضلا عن غيرها يستفرد بها عدوها دولة بعد دولة
وشعبا بعد شعب كالغنم المطيرة تتخطفها الذئاب والسباع، بلا حام ولا راع!