الراجح فقها
بين الحقيقة الشرعية
والاختيارات المذهبية
أ.د. حاكم المطيري
الأمين العام لمؤتمر الأمة
21 / 8 / 1447هـ
9 / 2/ 2026م
الراجح من الأقوال
في المسائل الخلافية عند الفقهاء هو ما كان دليله أقوى ثبوتا أو دلالة عند من رجحه،
ويقابله المرجوح وهو الأضعف دليلا أو دلالة..
فوصف الراجح والمرجوح
ليس حكما شرعيا بل رأي فقهي بحسب ما ترجح لكل فقيه بدليله عند تعارض الأدلة أو دلالتها..
وهذه حقيقة الفقه
وطبيعته، فليس فيه قطعي إلا الإجماعات، ولا تعد مسائله من الفقه بل من أصول الشرع وهي
الكتاب والسنة والإجماع..
ولا خلاف بين الفقهاء
في وجوب العمل بالراجح عند كل فقيه، وأنه لا يعمل بالمرجوح إلا لسبب يتعذر معه العمل
بالراجح؛ فيعمل بالمرجوح استحسانا كما قال تعالى: ﴿اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم﴾
فإن كان الأحسن ممتنعا أو يشق على المكلف؛ فيعدل إلى الحسن، ويكون ذلك اتباعا أيضا
للشرع بل صار هو الأحسن؛ لإمكان العمل به..
وقد صح عن علي
أنه بدا له رأي راجح في بيع أمهات الأولاد يخالف قول عمر، فقال له قاضيه عبيدة السلماني:
رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك! فقال: (اقضوا كما كنتم تقضون فإني أكره الخلاف)..
فترك علي الراجح
عنده وعمل بالمرجوح؛ مراعاة لعمل الخلفاء والقضاة قبله، فصار العمل بالمرجوح أولى من
هذه الحيثية، وهو من اتباع الأحسن أيضا..
والرجحان مقيد
بحسب كل فن وعلم بما اختاره المحققون فيه والأكثر عددا كما الراجح عند أهل العربية
في النحو والصرف، وكالراجح في الفقه عند أهل كل مذهب؛ وهو ما اختاره محققو المذهب وعليه
أكثرهم، أو الراجح عند الأصوليين..
ولا يقال عن قول
فقهي بأنه راجح في الفقه عموما إلا ما اتفق على ترجيحه المحققون من كل المذاهب واختاره
أكثرهم بحيث يصدق عليه أنه راجح عند عمومهم..
بخلاف الراجح عند
فقهاء الحنفية وحدهم أو الشافعية وحدهم أو الحنابلة وحدهم فهذا رجحان مذهبي لا فقهي
عام..
وحين يقول ابن
تيمية أو غيره من الأئمة، والراجح من أقوال أهل العلم كذا وكذا، فهو إما أن يكون مخبرا
عنهم جميعا، أو عن أهل مذهب معين بأن محققيهم وأكثرهم اختاروا هذا القول؛ فيمكن منازعته
في هذه النقل إذا لم يكن الأمر كذلك..
أو يكون مجتهدا
ويقصد الراجح عنده هو؛ فلا يمكن منازعته فيه؛ إذ هو إنما يخبر عما ظهر له من الأدلة،
ويبقى منازعته في صحة ترجيحه، لا في صدق رجحانه في نظره..
وكذا ما رجحه الفقهاء
المجتهدون المعاصرون إنما هو ما ترجح لكل واحد منهم بحسب ما ظهر لهم من الأدلة؛ فلا
يصح ادعاء رجحانه في نفس الأمر فقها وشرعا، ولا يسوغ لمن قلدهم أن يدعي رجحان قولهم
في الفقه أو الشرع مطلقا، بل يقول هذا هو الراجح عند الشيخ ابن باز، أو الشيخ ابن عثيمين
مثلا، من باب الإخبار عنهما فيما اختاراه، فإن كان المخبر عنهما اختار قولهما أيضا
عن علم واجتهاد؛ كان ترجيحا عنده هو بحسب الأدلة، وإلا كان تقليدا منه لهما؛ فلا يصح
منه ادعاء رجحان قولهما عنده؛ لأنه ليس من أهل النظر..
وما يؤلف من الكتب
المعاصرة على أنه الراجح في الفقه أو الأصول، فإن قصد المؤلف الراجح عند الفقهاء عامة،
أو في مذهب معين، أو عند شيخه؛ فهو مخبر، ويبقى التحقق من صحة نقله عنهم، وإن كان يقصد
الراجح عنده هو؛ فينبغي أن يقيده ويبينه إن كان من أهل الاجتهاد والنظر، وإلا كان تسميته
للكتاب بالراجح لغوا لا معنى له!
وأشد من ذلك ادعاء
مذهب أهل الحديث في الفقه؛ إذ مذهب أهل الحديث يعم أقوال أئمته كمذهب سفيان الثوري
وابن المبارك وابن عيينة وطبقتهم من أئمة أهل الحديث، ثم يحيى القطان وعبدالرحمن بن
مهدي، ثم الشافعي وأبي عبيد القاسم بن سلام وأحمد بن حنبل، ثم البخاري والترمذي وأبو
داود، ثم ابن خزيمة ومحمد ابن نصر المروزي ونحوهم..
فلا يصدق على قول
بأنه مذهب أهل الحديث إلا ما تفقوا عليه أو اختاره أكثرهم لا ما اختلفوا فيه..
وأشد من ذلك ادعاء
مذهب أهل السنة في أصول الفقه؛ إذ أهل السنة هنا تعم أئمة المدرستين الحجازية والعراقية
وقد ورث الأولى وترأسها مالك وأصحابه، وورث الثانية وترأسها أبو حنيفة وأصحابه وجاء
الشافعي محققا ومرجحا ومحررا لمسائل الأصول وترأس أحمد المدرسة البغدادية، وأخذ الفقه
في أول أمره عن أصحاب أبي حنيفة إمام أهل الرأي في العراق، ثم عن أصحاب الثوري إمام
أهل الحديث فيه، وعن أصحاب مالك، وأخذ عن شيخه ابن عيينة والشافعي، واختار أصول مذهبه
وفقهه من المدرستين الحجازية والعراقية النظرية والأثرية حتى لا يكاد يخرج عنهما..
وحتى الأصوليون
والفقهاء من المعتزلة لا يخرجون في مذاهبهم الأصولية والفرعية عن المدرستين الحجازية
أو العراقية..
فلا يكاد يوجد
أصل من أصول الفقه المختلف في الاحتجاج به إلا وفيه خلاف بين أئمة أهل السنة؛ كالخلاف
في حجية قول الصحابي، وحجية قول أهل البيت، وحجية الاستحسان، وغيرها من مسائل الأصول،
وليس لأهل السنة أصول للفقه خاصة بهم؛ وإنما الأصول المتفق عليها بينهم يوافقهم عليها
غيرهم والمختلف فيها فهم كغيرهم في الاختلاف في الاحتجاج بها..