﴿وإذا قلتم فاعدلوا﴾
بقلم: أ.د. حاكم المطيري
٩ / ٨ / ١٤٤٧ هـ
٢٨ / ١ / ٢٠٢٦ م
ما ذكره د. سعيد
فودة عن رسالة الأخميمي في الرد على ابن تيمية في مسألة (حوادث لا أول لها) ووصفه لها
بأنها مسألة خطيرة؛ مثال واضح جلي على الفرق بين:
١- أصول الإسلام
والإيمان، وحقائق القرآن، التي يجب على كل مسلم الإيمان بها فرض عين، كما جاء بها القرآن
وعلِمها الصحابة -رضي الله عنهم جميعا- عالمُهم وأميهم: كالإيمان بالله الواحد، وأنه
الخالق لكل شيء وما سواه مخلوق ﴿الله خالق كل شيء﴾، ﴿هل من خالق غير الله﴾..
٢- والخوض والجدل
فيما وراء ذلك من القضايا والمباحث الكلامية التي تذكر في كتب العقائد، وليست عقائد
واجبة الاعتقاد، ولا يجب على المسلم العلم بها، فضلا عن اعتقادها لا نفيا ولا إثباتا
- بله الولاء والبراء عليها، ووصفها بالخطيرة، وإثارة الفتن بين المسلمين بسببها -
كهذه المسألة!
فتعريف هذه المسألة
بأنها (حوادث) كاف في إثبات أنها مخلوقة حادثة بعد العدم، وبعد أن لم تكن، وليست قديمة
أزلية!
فمادة (حدث) تفيد
وجود الشيء أو الفعل بعد أن لم يكن موجودا بدلالة المطابقة لغة واصطلاحا، وهي على النقيض
من لفظ (قديم) بالمعنى العرفي الاصطلاحي عند المتكلمين التي تفيد الوجود غير المسبوق
بعدم..
فصفة (لا أول لها)
بعد لفظة (حوادث) تناقضٌ لا معنى له كوصف شيء واحد بأنه (حادث قديم)!
فكل حادث له ابتداءُ
وجودٍ بداهةً بعد أن كان عدما، فلا يتصور مع حدوثه وجوده في الأزل بلا ابتداء ولا أولية،
ومن ثمّ لا قديم أزليا إلا الله وحده، كما في الصحيحين (أنت الأول فليس قبلك شيء)،
وقال (كان الله ولا شيء معه)..
ومع أن ابن تيمية
يؤكد في كل كتبه هذه الحقيقة الإيمانية القرآنية - التي يؤمن بها كل مسلم وهو أنه لا
خالق إلا الله وما سواه مخلوق وأنه لا شيء قديما غيره - فإن محقق الكتاب هنا يرجح بأن
ابن تيمية يقول بقديم غير الله!
ليبقى الباب مفتوحا
للطعن به وإثبات كفره عند من يجزم بأن ابن تيمية يقوله!
وكل ذلك ظلم وجناية
على العلم والعقل، والأمانة في النقل!
وكان الواجب على
المحقق ذكر كلام ابن تيمية الصريح في هذه المسألة - وهو نفي قديم غير الله - ثم مناقشته
فيما وراء ذلك كهذه القضية!
نعم المراد بعبارة
(لا أول لها) عند من يقول بها هو جنس الحوادث ونوعها لا آحادها وأفرادها، وهذا ما فهمه
مؤلف الكتاب ومحققه، ثم تناقضا في تقرير رأي ابن تيمية! فتارة ينسبانه له جزما، ويشنعان
عليه! وتارة يترددان في معرفة قصده!
ومعلوم عقلا أن
الجنس والنوع الكلي مجرد تصور ذهني عقلي لا وجود له في الخارج الحقيقي!
فالإنسان كنوع
وجنس لا وجود له في خارج الذهن إلا كآحاد وأفراد وأشخاص يشتركون في حكم كلي يستنتجه
العقل، كالقول بأن (الإنسان حي ناطق) فليس لهذا الإنسان الكلي وجود حقيقي خارج الذهن
فعلا، وإنما الموجود منه هو زيد وخالد وعمر وغيرهم من الأشخاص والأفراد أما هذه (الإنسانية)
بمفهومها الكلي فهي مجرد تصور ذهني..
كذلك عبارة (حوادث
لا أول لها) لا وجود لها كنوع وجنس إلا في الذهن لا في الخارج والواقع، وإنما الموجود
في الواقع أفراد حادثة مخلوقة، ولكل فرد منها بداية وأولية، واعتقاد هذا في الأفراد
كاف في إثبات هذا القدر المشترك في الجنس؛ إذ لا يوجد وصف مشترك في الجنس والنوع لا
يوجد في أفراده وهذه قضية بدهية..
ثم العقل يتصور
قدرا مشتركا بين الحوادث وهو حدوثها وخلقها وتواليها، والله وحده سبحانه وتعالى هو
الذي خلق ويخلق والخالق والخلاق أبدا، فلا يتصور عدم اتصافه بذلك في الأزل كما في الأبد..
وكما لا يمنع الشرع
من توالي الحوادث في المستقبل، بل يثبته كما في دوام نعيم الجنة وعذاب النار الدائمين
أبدا، فقال عن الجنة ﴿أكلها دائم وظلها﴾، وقال عن النار ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها
أعيدوا فيها﴾ أبدا - ولا ينافي ذلك حدوثها وخلق آحادها وأفرادها وتجدد نعيمها وعذابها
أبدا، ولا ينافي ذلك أيضا اتصاف الله وحده بالأبدية الذاتية كما قال ﷺ في دعائه (وأنت
الآخر فليس بعدك شي) - كذلك لا يمنع العقل من تصور ذلك للحوادث في الماضي الأزلي تصورا
كليا نوعيا، ولا يقتضي ذلك قدمها الذاتي لا بأفرادها ولا نوعها، ولا فرق بين الأزل
والأبد من هذه الحيثية..
وكذلك أيضا لا
يلزم من تصور ذلك نفي اختيار الله للحوادث وقصده إيجادها بعد عدمها بحكمة وعلم وإرادة،
فادعاء المحقق لزوم ذلك غير لازم، إذ ثبوت الاختيار لله في إيجاد كل أفراد الحوادث
وآحادها -بقدرة وإرادة وحكمة وعلم- مقطوع به يقينا، فيكون الاختيار لوجودها الكلي قدرا
مشتركا للجنس والنوع أيضا، وهذا بدهي لمن تصور المسألة بشكل صحيح خالي الذهن من الأحكام
المسبقة..
على أن لازم المذهب
ليس بلازم إلا بالتصريح به والتزامه ممن نسب إليه، وهو ما لم يستطع إثباته المحقق من
كلام ابن تيمية..
موضوع ذو صلة:
الإعلام في الفرق بين "أصول السنة" و"أصول الإسلام" في الماهية والأحكام