غدر الروم
وحروب الملحمة!
أ.د. حاكم المطيري
الأمين العام لمؤتمر الأمة
16 / 9/ 1447هـ
5 / 3/ 2026م
ما ذكره الشيخ
فلاح مندكار-رحمه الله- في المقطع المرئي الذي يفسر فيه حديث: (تصالحون الروم صلحا
آمنا) بأنه ستصالحون اليهود والنصارى لمواجهة الشيعة تفسير غير صحيح، ولا أصل له، وليس
في حديث: (تصالحون الروم صلحا آمنا) ذكرٌ لليهود ولا الشيعة أبدا في كل كتب الحديث
والسنة الصحيحة، وليس في شيء منها هذه الزيادة التي ذكرها الشيخ هنا (قالوا: اليهود
يا رسول الله؟ قال: نعم)! فربما اختلط عليه فوهم فيها غفر الله له.
ولا يوجد حديث
قط فيه إخبار عن تصالح أمم الأديان الثلاث المسلمين واليهود والنصارى واشتراكهم في
قتال عدو واحد!
ولا يجوز ترويج
هذا المقطع بهذه الزيادة الموضوعة تجنبا للوعيد الوارد في الحديث المتواتر: (من قال
عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار).
ولم يذكر أحد من
العلماء قديما ولا من شراح هذا الحديث قط هذا الشرح الذي ذكره الشيخ هنا ونسبه لكل
العلماء! وإنما قد يكون قاله بعض المعاصرين غير المحققين بسبب الأهواء السياسية والفتن
الطائفية.
ولا يوجد صلح آمن
بين المسلمين والنصارى واليهود منذ سقوط الخلافة العثمانية! بل الأمة تحت نفوذ الحملة
الصليبية منذ مئة عام ولا أمن فيه لها! ولا يوجد من يمثل المسلمين اليوم أصلا ليصالح
الروم صلحا آمنا ويغزو معهم عدوا لهم من ورائهم وينتصر ويغنم!
والحديث يتحدث
عن المسلمين والأمة عموما لا عن بعض دولهم!
ولفظ الحديث في
مسند أحمد: (تصالحون الروم صلحا آمنا، وتغزون أنتم وهم عدوا من ورائهم، فتسلمون وتغنمون،
ثم تنزلون بمرج ذي تلول، فيقوم رجل من الروم، فيرفع الصليب، ويقول: ألا غلب الصليب،
فيقوم إليه رجل من المسلمين فيقتله، فعند ذلك تغدر الروم وتكون الملاحم، فيجتمعون إليكم،
فيأتونكم في ثمانين غاية، مع كل غاية عشرة).
وفي صحيح ابن حبان:
(تصالحون الروم صلحا آمنا حتى تغزوا أنتم وهم عدوا من ورائهم، فتنصرون، وتغنمون، وتنصرفون،
حتى تنزلوا بمرج ذي تلول، فيقول قائل من الروم: غلب الصليب، ويقول قائل من المسلمين:
بل الله غلب، فيثور المسلم إلى صليبهم وهو منه غير بعيد فيدقه، وتثور الروم إلى كاسر
صليبهم، فيضربون عنقه، ويثور المسلمون إلى أسلحتهم فيقتتلون، فيكرم الله تلك العصابة
من المسلمين بالشهادة، فتقول الروم لصاحب الروم: كفيناك العرب، فيجتمعون للملحمة، فيأتونكم
تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفا).
فهذه هي أصح روايات
هذا الحديث من رواية حفاظ الشام الوليد بن مسلم ومحمد بن مصعب عن الإمام الأوزاعي،
كلهم قال فيها (عدوا من ورائهم) يعني من وراء الروم، وجاءت رواية أخرى بلفظ مطلق (عدوا)
ولم تقيده بالوراء، وشذ عيسى بن يونس -وليس من أهل الشام- فقال عن الأوزاعي كما عند
أبي داود (من ورائكم).
ويمكن الجمع بينهما
بأن المراد (عدوا من ورائكم) جميعا أنتم والروم.
ولا يصدق على إيران
بأنها من وراء المسلمين ولا من وراء الروم، بل هي في قلب العالم الإسلامي وهي جزء من
دار الإسلام منذ الفتح الأول!
ورواه الطبراني
في مسند الشاميين من طريق بقية بن الوليد -وهو شامي مدلس وتوبع عليه- عن الأوزاعي بلفظ
(تصالحون الروم صلحا عشر سنين يوفون سنتين ويغدرون في الثالثة -أو قال: أربع سنين ويغدرون
في الخامسة - وينزل من ذلك الجيش منكم مدينتهم فتغزون أنتم وهم عدوا لهم، فيلقون ذلك
العدو، فيفتح لكم عليهم، فتنصرون بما أحببتم من نيل أو غنيمة).
فذكر أن العدو
هو عدو للروم وهو موافق لرواية الحفاظ من أهل الشام (من ورائهم).
والظاهر أن الصلح
المذكور هو ما كان بين الدولة العثمانية والدول الأوربية، في فترات طويلة، ومرات عديدة،
منذ ما قبل فتح القسطنطينية، وبعده، والعدو المشترك للخلافة العثمانية وأوربا هم الروس،
وهو من وراء المسلمين والروم في أقصى الشمال، وقد أعانت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا الخلافة
العثمانية ضد روسيا في حرب القرم ١٨٥٣ - ١٨٥٦، والغدر الذي حدث -وهو أعظم غدر في التاريخ-
نقض بريطانيا صلحها مع الخلافة العثمانية الذي دام مئة عام، وغزوها هي وفرنسا وروسيا
العالم الإسلامي في الحرب العالمية الأولى ١٩١٤ - ١٩١٨م، فجاءوا تحت ثمانين راية لحرب
الإسلام في أعظم ملاحم التاريخ، واجتمعت الكنائس الثلاث لأول مرة في تاريخها على حرب
المسلمين وأسقطوا خلافتهم، واحتلوا بلدانهم، ورفعوا صليبهم، حتى قالوا (غلب الصليب)
و(لا إسلام بعد اليوم)، وقالوا (هذه آخر الحروب الصليبية)! (فثار المسلمون إلى أسلحتهم)
منذ سقوط الخلافة حتى اليوم ليحرروا أرضهم فعمت الثورات كل بلدانهم - ولم يرد لفظ الثورة
إلا في هذا الحديث - حتى قام فيهم رجل في عصابة وكسر الصليب وقال: (بل الله غلب)، فاجتمع
أمم الصليب فقتلوا الرجل! وقاتلوا تلك العصابة من المجاهدين العرب حتى أفنوهم! وقالوا
لعظيم الروم: (كفيناكم العرب)!
ومنذ ذلك الغدر
لم تقف رايات الروم وجيوشهم عن غزو بلدان العالم الإسلامي بلدا بلدا وشعبا شعبا!
فاللهم كف بأسهم
واكسر شوكتهم وأبرم لهذه الأمة أمر رشد ووحد صفها وألف بينها واجبر كسرها..