فض الاشتباك
وكشف الارتباك
أ.د. حاكم المطيري
الأمين العام لمؤتمر الأمة
16/ 10 / 1447هـ
4 / 4 / 2026م
يبدو أن الخلاف
بينك د. لقاء مكي وبين د. محمد الشنقيطي في قضية العداء مع إيران وفي عبارة (إيران
وإسرائيل وجهان لعملة واحدة…) راجع إلى اختلاف الاعتبارات بين من ينظر إلى إيران البلد
والجغرافيا والديمغرافيا، ومن ينظر إلى إيران الدولة والنظام، فإيران كشعب مسلم، وبلد
إسلامي مركزي، أسهم في الحضارة الإسلامية والعربية منذ دخوله في الإسلام؛ جزءٌ من الأمة
ومن العالم الإسلامي -وهذا الذي يجب شرعيا وإنسانيا وسياسيا الوقوف معه، ورفض العدوان
عليه، ورفض تدميره- بينما النظام الإيراني الإجرامي والمشروع الصفوي المهدد للعالم
الإسلامي ولشعبه وجيرانه منذ أربعة قرون حتى اليوم عدو تاريخي طائفي عدواني توسعي قتل
وهجر من المسلمين في العراق وسوريا واليمن في عصرنا هذا الذي عشناه جميعا -دع ما مضى-
ما لم يقتل مثله المحتل الصهيوني، وهذا الذي يجب شرعا على شعبه خاصة وعلى الأمة كلها
قبل غيرها إسقاطه وتغييره لولا العجز الذي أصيبت به شعوبها حتى صارت مسرحا للحروب الوظيفية
التي يعيد المحتل الأمريكي الروسي من خلالها تدميرها وتقاسم النفوذ عليها ومنع الشعوب
نفسها من التحرر من الأنظمة الدكتاتورية دينية كانت أو علمانية، ملكية أو عسكرية لتظل
تحت سيطرته ونفوذه!
ولا يمكن اعتبار
إيران (الشعب والبلد) والنظام الإيراني شيئا واحدا، وإن كانت الصفوية قد تجذرت ثقافيا
ودينيا حتى غدت بعد قيام الدولة الصفوية هوية قومية دينية عدوانية، ذهب ضحيتها الملايين
من السنة في إيران الذين تعرضوا تماما لما تعرض له المسلمون في الأندلس وفي الفترة
الزمانية نفسها، وبالأسلوب نفسه، من قتل وتهجير واضطهاد حتى غدوا أقلية في بلدهم، بعد
أن كانوا الأكثرية، فأصبح العالم الإسلامي بين فكي كماشة شرقا وغربا!
وحتى قال مؤرخ مكة
القطب الحنفي (ت٩٨٨) عن إسماعيل الصفوي: (وقتل خلقا لا يحصون ينوف على ألف ألف [مليون]
نفس بحيث لا يعهد في الإسلام ولا في الجاهلية ولا في الأمم السابقة من قتل من النفوس
ما قتله شاه إسماعيل، وقتل عدة من أعاظم العلماء بحيث لم يبق أحدا من أهل العلم في
بلاد العجم، وأحرق جميع كتبهم ومصاحفهم لأنها مصاحف أهل السنة وكلما مر بقبور المشايخ
نبشها وأخرج عظامهم وأحرقها)!
وانتهى الأمر بتفاهم
الدولة الصفوية مع المحتل البرتغالي ثم الإنجليزي لتقاسم النفوذ على الخليج العربي!
كما أدى تخادمها
مع الحملات الصليبية إلى إضعاف ثم إسقاط أكبر دول الإسلام آنذاك وهما السلطنة المغولية
في دلهي شرقا، والخلافة العثمانية في إسطنبول غربا!
وهو ما دعا المفكر
الإيراني علي شريعتي لتخصيص أكثر كتبه في التحذير من "التشيع الصفوي" وكشف
جذوره وخطورته وقد عده الخنجر الذي طعن الخلافة العثمانية في ظهرها وهي تواجه الحملات
الصليبية الغربية!
حيث يقول في كتابه
(التشيع الصفوي ص 142): (حرص الصفويون على تضييق دائرة المشتركات، وتوسيع دائرة المختصات،
تفاديا لاجتماع المسلمين في شعيرة دينية أو فريضة جامعة، مما يكرس الشعور بأن الدين
ليس واحدا، فالصفوية تخشى من التفاهم والأخوة والوحدة بين المسلمين وتعتبره خطرا يهدد
وجودها القائم على الاختلاف بينهم، وهذا الخطر تستشعره الصفوية أكثر شيء في مراسم الحج
باعتباره الاجتماع العظيم الذي يضم المسلمين هناك على اختلاف ألوانهم) وترتب على هذا
الفصل المذهبي: (فصل اجتماعي وثقافي تبعه فصل على الصعيدين القومي والسياسي وبشكل بارز
جدا)!
وقد كان حضور التيار
الصفوي في إيران وخارجها هو الأبرز قبل الثورة الإيرانية كما عبر عن ذلك علي شريعتي
بقوله (ص 103): (في إيران لفيف من التشيع العلوي يمكن العثور عليهم في بحر من التشيع
الصفوي الذي كاد يغرق بلادنا)!
وقال (التشيع الصفوي
265): (لقد ظل التشيع يرفض كل أشكال الحكم إلا ما كان ينسجم مع نظام حكم علي، وقد شمل
هذا الرفض حتى حكومة عمر بن عبد العزيز التي تتمتع بتقوى وعدالة نسبية عاليتين، بيد
إن هذا التشيع انتهى إلى أن يعتبر قيام الدولة الصفوية نصرا تاريخيا له، ومن ثم عمل
على شد أزر الشاه عباس الصفوي في جهاد الإخوة المسلمين)!
لقد بلغ الحال بالتشيع
الصفوي حد التفاهم بل والتحالف مع الغرب الصليبي في مواجهة العالم الإسلامي كما يقول
شريعتي (التشيع الصفوي 206): (من القضايا الواضحة وجود ارتباط بين الصفوية والمسيحية،
حيث تضامن الاثنان لمواجهة الإمبراطورية الإسلامية العظمى التي كان لها حضور فاعل على
الصعيد الدولي إبان الحكم العثماني، وشكلت خطرا جديا على أوربا، وقد وجد رجالات التشيع
الصفوي أنه لا بد من توفير غطاء شرعي لهذا التضامن السياسي، فعملوا على تقريب التشيع
من المسيحية.. إلخ)!
وهي من هذه الحيثية
أشبه بالفكر القومي العربي والتركي الذي أحدث قطيعة مع الإسلام وأدخل الأمة وشعوبها
في صراع داخلي لصالح الحملة الصليبية ومشروعها سواء بالاصطفاف مع المعسكر الشيوعي الروسي
سابقا أو المعسكر الرأسمالي الأمريكي!