الخليج العربي
وشروط الاستقرار
أ.د. حاكم المطيري
الأمين العام لمؤتمر الأمة
15/ 10 / 1447هـ
3 / 4 / 2026م
حياكم الله يا شيخ
حمد(*)، وشكر الله لكم نصحكم، وحرصكم على أمتكم ودولها وشعوبها، وهي تواجه
هذه الحروب التي لا تنتهي، فما تكاد تخرج من حرب، حتى يدخلها العدو الخارجي والقوى
الدولية في حرب أخرى؛ تهدد أمنها، وتحول دون استقرارها، وتستنزف ثرواتها، وتؤخر نهضتها
وازدهارها، وما كان ذلك ليحدث لو وجدت الدولة المركزية التي تمنع هذه القوى الدولية
من الصراع على المنطقة لتقاسم النفوذ عليها، فقد أفضى تشرذم المنطقة لدول صغيرة إلى
ضعفها وعجزها، وجعلها عرضة للقرصنة الدولية منذ استقلالها حتى اليوم..
ومع كامل الاحترام
لوجهة نظركم هنا:
فإن محاولة فك الارتباط
بين المحتل الصهيوني والمحتل الأمريكي -وأن الأول يتحكم في الثاني وليس العكس- يصطدم
بالواقع وحقائق التاريخ فما إسرائيل كما لا يخفى عليكم إلا قاعدة متقدمة للحملة الصليبية
-منذ إعلان وعد بلفور ١٩١٧م برعاية بريطانية أمريكية مشتركة- لإدامة الصراع في المنطقة،
وإدارته، والتحكم فيها، ولا تجرؤ إسرائيل على تجاوز سياسة واشنطن إطلاقا إلا في حدود
هامشية!
فالمنطقة تخضع لمشروع
أمريكي إستراتيجي مباشر منذ ١٩٩٠م لا يخفي خططه وأهدافه وبرامجه السياسية والعسكرية
والدينية والثقافية للتحكم في العالم كله والمحافظة على الولايات المتحدة كقطب أوحد
يقود النظام الدولي من خلال السيطرة على هذه المنطقة ونفطها وغازها وممراتها، وما تقتضيه
إدامة هذه السيطرة من تغريب لشعوبها، وسلخ لهويتها ودينها، حتى لا ترفض وجوده، ولا
تقاوم مشروعه، بما في ذلك التطبيع مع المحتل الصهيوني، وجعل القدس عاصمة له، وبناء
الهيكل المزعوم بعد هدم المسجد الأقصى كما وعدت به إدارة ترامب!
وقد جُرّت دول الخليج
إلى الحرب من أول يوم قصفتها فيه إيران مع تأكيد دول الخليج المتكرر بأنها ليست طرفا
فيها وبعد تجاوز القصف القواعد العسكرية إلى الموانئ والمطارات والمرافق المدنية لتحقق
إيران بذلك هدف ترامب ونتنياهو بتحويل الحرب بشكل دائم إلى صراع إيراني عربي، قومي
طائفي، يحرق المنطقة كلها!
ويبقى السؤال الأهم
اليوم بالنسبة لشعوب الخليج نفسها -وهي التي تواجه هذا الخطر المهدد لوجودها ودينها،
وتتحمل تبعات الحرب من أمنها واستقرارها وثرواتها- كيف تحقق دولها الاستقرار الدائم
لها، وتحمي أرضها وبلدانها، من تداعيات الصراع الدولي على المنطقة الذي لم ولن ينتهي
ما لم توجد دولة مركزية تحمل مشروعا جامعا يعبر عن هوية شعوبها ودينها ورسالتها ويحمي
سيادتها واستقلالها؟
ولعل أول شروط الاستقرار
الدائم:
١- الوحدة الخليجية التي قام مجلس التعاون سنة
١٩٨١م من أجل تحقيقها وقد عرّض التفريط فيها الخليج وجزيرة العرب وشعوبها إلى خطر وجودي
حقيقي ما يزال قائما، وبالإمكان الاستفادة من تجربة الاتحاد الماليزي.
٢- وتحقيق الإصلاح
السياسي بمشاركة شعوب الخليج في إدارة شئون دولها مشاركة حقيقية فهي التي تقاتل في
كل الجبهات بكل جدارة، وهي التي تواجه القصف، وهي التي تتحمل فاتورة الحرب من أمنها
وثرواتها، وكل تجاهل لحقوقها السياسية الشرعية والطبيعية، لصالح النخب الحاكمة، سيجعل
دولها عرضة للاضطرابات الداخلية، والتدخل الخارجي، وسيكون على حساب الاستقرار الدائم،
ولعل أحد أسباب ضعف النظام الإيراني اليوم كما النظام العراقي سنة ٢٠٠٣ هو تجاهله ضرورة
الإصلاح السياسي والتفاهم مع شعبه ومع قوى المعارضة قبل أن تكون ذريعة للتدخل الخارجي.
وقد دفعت شعوب العالم العربي والإسلامي ثمنا باهضا
بسبب الاستبداد السياسي واستئثار الأقلية بالسلطة والثروة، كانت نتيجته الصراع الداخلي
الدائم، وتعطيل النهضة والانتهاء بالحروب الأهلية والتدخل الخارجي.
٣- تعزيز قدراتها
العسكرية والصناعية، والاستغناء عن الوجود العسكري الأمريكي الأوربي، الذي لم يعد يوفر
الحماية بقدر ما يشكل خطرا على المنطقة كلها، بابتزازها، وتسخير دولها، وثرواتها، وممراتها
البحرية والبرية، لحروبه الاستعمارية.
فعسى أن تبادر الدول
الخليجية لتدارك ما فات وألا تكرر أخطاءها بالركون إلى فترات الاستقرار النسبي وتتجاهل
الأزمات الحقيقية العميقة، فكل أنظمة الحكم التي صمت آذانها عن سماع صوت شعوبها، واحترام
حقوقها، وراهنت على حماية القوى الخارجية لها سقطت!
ـــــــــــــــــــــــــ
(*) الشيخ حمد بن
جاسم آل ثاني رئيس الوزراء ووزير الخارجية السابق في قطر، وقد نشر بيانا في حسابه
على منصة (X) جاء فيه: (للأسف، ما يحدث في الخليج أصبح حربًا بكل ما تحمله الكلمة
من معنى. وقد ازداد المشهد تعقيدًا خلال اليومين الماضيين مع دخول أنصار الله، وهو
أحد أسباب هذا التعقيد، لكنه بالتأكيد ليس السبب الوحيد.
وإذا لم نشهد حلًا
خلال الأيام القليلة القادمة، فقد يتجه الوضع نحو تصعيد أطول مما كان متوقعًا. من الواضح
أن هناك أطرافًا ترغب في استمرار هذه الحرب، وهي تدرك أن تبعاتها لن تمسها بشكل مباشر،
باستثناء بعض الصواريخ المحدودة. وأقصد هنا إسرائيل، التي تبقى موانئها مفتوحة على
البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، مهما كانت الظروف.
أما منطقتنا، فإن
استمرار الحصار الخانق على مضيق هرمز قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية خطيرة، ليس فقط
على دول المنطقة التي قد تتمكن من الصمود لفترة بل على الاقتصاد العالمي بأسره.
وهنا يبرز السؤال
الأهم: من المستفيد من هذا الانهيار؟ ولماذا؟
من المؤكد أن الولايات
المتحدة ليست المستفيد الحقيقي، لكن يبقى الغموض قائمًا حول ما إذا كان القرار بيدها
أم بيد إسرائيل في هذا الملف. وهذا ما قد تكشفه الأيام القادمة بشكل أوضح.
ما أود التأكيد
عليه هو أن المشهد يزداد تعقيدًا، وأننا بحاجة ماسة إلى نتائج ملموسة من جهود دول المنطقة
لنزع فتيل هذا التصعيد. أعلم أن هناك مساعي جادة، ومن ضمنها جهود بلدي، لكن تحقيق النتائج
يتطلب دورًا أمريكيًا أكثر حزمًا في ضبط مسار القرار، بدلًا من تركه بيد إسرائيل.
لقد حذّرت سابقًا
من خطر الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة في المنطقة، واليوم يبدو أن هذا السيناريو بات
أقرب للواقع. وهذه الحرب، إن استمرت، لن يربح منها سوى عدد محدود من الدول، بينما ستتكبد
الغالبية خسائر اقتصادية كبيرة).