الصفويون الجدد!
(٢ - ٢)
أ.د. حاكم المطيري
الأمين العام لمؤتمر الأمة
12/ 10 / 1447هـ
31 / 3 / 2026م
يقضى على المرء
في أيام فتنته
حتى يرى حسنًا
ما ليس بالحسنِ!
كانت إحدى أشد
مظاهر الانحراف الفكري لدى الحركات الإسلامية، وأكبر قضايا الخلاف بيننا وبين أحزابها
السياسية، هو الموقف من الحملة الصليبية وقواعدها العسكرية في المنطقة فكانوا ينفون
وجود هذه الحملة الصليبية أصلا!
ويرون وجود قواعدها
العسكرية لا يتنافى مع السيادة الوطنية لدولهم!
وأن من حق الدول
حماية أمنها الوطني بمثل هذا الوجود الأجنبي حتى وإن كان يشكل خطرا على الأمة كلها!
ويرون جواز التعاون
معها في تغيير الأنظمة من أجل الديمقراطية!
ويرون مشروعية
دويلات سايكس بيكو الوظيفية ووجوب احترام قرارات الشرعية الدولية والنظام الدولي!
ويرفضون ما كنا
ندعو إليه الأمة ودولها وشعوبها - منذ ثلاثين سنة - إلى الاتحاد والوحدة كما أوجب الله،
والاستغناء عن الوجود العسكري الغربي، وإنهائه، الذي كنا نراه احتلالا للمنطقة منذ
سقوط الخلافة العثمانية حتى اليوم وخطرا يهدد شعوبها وأمنها واستقرارها!
وكنا نرى وما نزال
حرمة الاستعانة بالعدو الكافر وبالحملة الصليبية لتغيير الأنظمة الوظيفية، وأن هذه
مهمة الأمة وشعوبها، فإن كانت عاجزة عن تغيير حكوماتها فهي عن دفع العدو الكافر الذي
سيغيرها أعجز!
فما إن قصفت إيران
دول الخليج وشعوبها بذريعة وجود القواعد الأمريكية حتى تغير الخطاب لديهم فجأة!
فانبرى "الصفويون
الجدد" لتبرير العدوان الإيراني على الشعوب الخليجية بوجود هذه القواعد التي كانوا
بالأمس يرون مشروعيتها بدعوى السياسة الواقعية ويرفضون ما ندعو إليه من الأفكار المثالية
بزعمهم!
وبدعوى أنه كان
على دول الخليج أن تحمي نفسها من إيران بقدراتها الذاتية وعلى شعوبها أن تتحمل القصف
الإيراني لقبولها لهذا الواقع!
فإذا دعاة الحرية
والديمقراطية والليبرالية والقومية ودعاة "الربيع العربي" و "التغيير
السلمي" يصطفون فجأة خلف الدكتاتور الصفوي - الذي فعل بشعبه في "الربيع الإيراني"
٢٠٠٩ أشد مما فعله النظام العربي الوظيفي بشعوبه - وهو يقصف مدن المسلمين المسالمين
في جزيرة العرب!
وإذا الحركات الإسلامية
- التي طالما ادعت أن لديها مشروعا للأمة - تدعو إلى الوقوف خلف مشروع القرامطة الباطنية؛
لأنه خندق الإيمان وآخر حصون الإسلام!
ونسوا كل ما كانوا
ينظّرون له من شرعية الدولة الوطنية المدنية ورفض الدولة الدينية الثيوقراطية!
وإذا الذين استعانوا
بالنيتو والحملة الصليبية ٢٠١١ بذريعة حماية الشعب الليبي من قصف نظام القذافي يحرمون
على الشعب الإيراني ما أباحوه لأنفسهم!
وتناسوا حق الشعب
الإيراني نفسه بالتحرر من هذا النظام الكهنوتي الطبقي الطائفي الوظيفي الإجرامي!
وكذا حين قام الرئيس
بوش الثاني بالإعلان عن حملته الصليبية لاحتلال أفغانستان ٢٠٠١ ثم العراق ٢٠٠٣ انحازوا
إليها تحت شعار مكافحة الإرهاب وإقامة الديمقراطية!
وجاءت بعدها الأحزاب
الإسلامية على ظهر الدبابة الأمريكية في أفغانستان والعراق! وتم مكافأة إيران آنذاك
على وقوفها مع الحملة الصليبية بتسليم ميليشياتها وحلفائها السلطة في بغداد ٢٠٠٤، وفي
غزة ٢٠٠٦ بإشراف الرئيس الأمريكي جيمي كارتر -راعي اتفاقية كامب ديفيد ١٩٧٨م- على الانتخابات
فيها، وفي لبنان ٢٠٠٨م!
وشارك الإسلاميون
في كل الدول التي يحكمونها أو يشاركون في الحكم فيها في هذه الحملة الصليبية لمكافحة
الإرهاب بمطاردة المجاهدين وسجنهم أو تصفيتهم حتى في غزة!
وكان خطاب الحركة
الجهادية حينها الحكم على هؤلاء بالردة!
فلما هزم المجاهدون
بعد عشرين سنة هذه الحملة الصليبية - بشقيها الأمريكي الإيراني في أفغانستان، والروسي
الإيراني في الشام - واصطدمت إيران ومحورها بالمحتل الصهيوني بعد عشرين سنة من التخادم
مع الحملة الصليبية! وقلبت واشنطن لها ظهر المجن واستغنت عنها وعن خدماتها وتبين للغرب
بأن التفاهم مع القوى الجهادية التي فرضت نفسها على أرض الواقع أفضل له من التفاهم
مع القوى الوظيفية التي استنفدت صلاحيتها وفقدت شعبيتها!
فإذا الخطاب يتبدل
فجأة وإذا الإسلاميون الذين ملأوا الدنيا ضجيجا بضرورة الالتزام بالدعوة السلمية - من خلال الانتخابات والبرلمانات ولو برعاية أمريكا
وكانوا جزءا من النظام العربي الوظيفي ويتهمون المجاهدين بالتطرف والغلو وحرق المراحل
وأنهم يفسدون أكثر مما يصلحون ويحرقون بلدانهم - ينقلبون على كل أدبياتهم الفكرية ويستدعون
خطاب الحالة الجهادية فقط لحماية نظام طهران!
وأن تصطف الحركة
الإسلامية اليوم مع نظام الحشاشين في طهران كموقف سياسي فهذا شأنها! أما أن توجبه على
الأمة وشعوبها كلها تحت شعار الدفاع عن الإسلام! لتعيد تسويق حركة الردة! وتأهيل القرامطة
وتبييض صفحتهم! فهنا تجاوز الأمر الموقف السياسي إلى تضليل العقل الجمعي للأمة وتحريف
دينها ما يوجب على الجميع التصدي لهذا الاختراق العقدي والسياسي الذي يهدد الأمة من
الداخل!