إعجاز القرآن
بين المدرستين
النقلية الأثرية
والعقلية النظرية
بقلم أ.د. حاكم المطيري
٢٢ / ٤ / ١٤٤٨هـ
٣ / ١٠ / ٢٠٢٦م
ما ذكره الشيخ المفسر مساعد الطيار تعليقا(*) على عبارة
الشيخ البلاغي أبو موسى عن (إعجاز القرآن)، يحتاج إلى مزيد نظر وتحرير من جهتين
منفكتين يبدو أنهما سبب اللبس والإشكال بين الفريقين:
الجهة الأولى: اتفاق العلماء على أن القرآن ليس هو وحده فقط آية النبي
ﷺ ومعجزته الدالة على صدق نبوته، بل حتى المعتزلة الذين اشتهروا ببحث
موضوع (إعجاز القرآن) صنفوا في دلائل النبوة كما القاضي عبد الجبار المعتزلي في
كتابه "تثبيت دلائل النبوة" فذكر من أخباره ﷺ وأحواله وآياته ما كان كل واحد منها سببا لدخول خلق من العرب لا
يحصيهم إلا الله في دينه ودعوته، ثم دخل في دينه أهل الكتاب في الشام والعراق ومصر
لما رأوا فيه وفي الحق الذي جاء به وظهور دينه وأمته على الأمم ما بشرتهم به
أنبياؤهم من قبل، وأكثر الناس إنما دخل الإسلام لأنه يدعو إلى الحق والعدل والقسط
الذي فطر الله عليه الخلق ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها
لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [الروم: ٣٠]، وكما
في الصحيح: (كل مولود يولد على الفطرة).
وربما أرى النبي ﷺ آحادا من
الكفار -رحمة من الله بهم لهدايتهم لا إثباتا لصدق نبيه ﷺ- آية فتكون سببا في إيمانهم لم يرها غيرهم، حتى تواتر ذلك عنه تواترا
قطعيا بين العرب قاطبة، فكانوا بين أمرين لا ثالث لهما إما أن يقولوا هو ساحر -وقد
قالها الملأ منهم- وليس شأنه ﷺ ولا حاله ولا
أمره كله أمر ساحر -ولم يدعُ ساحر قط إلى توحيد الله وعبادته وطاعته وحده لا شريك
له، وإقامة العدل بين الخلق، وتحريم الفواحش بما فيها السحر والكهانة- أو يقولوا
هو رسول من عند الله، وهو ما أقروا به جميعا، فدخلوا في دين الله أفواجا، كما في
قصة المرأة الأعرابية ومزادتيها -في صحيح البخاري- حين استقى منها النبي ﷺ للجيش كله، ثم رد عليها مزادتها كما هي لم ينقص من مائها شيء، فرجعت
لقومها وقالت: (لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الذي يقال له: الصابي! ففعل بي كذا
وكذا الذي قد كان، فوالله إنه لأسحر من بين هذه إلى هذه، أو إنه لرسول الله حقا)
فأسلمت وأسلم قومها.
وهذه الآيات أطلق عليها المسلمون منذ القرن الثالث مصطلح (المعجزات)
لعجز الخلق أن يأتوا بمثلها، ومصطلح (أعلام النبوة) و (دلائل النبوة).
الجهة الثانية: وهي مختصة بالقرآن وحده وهو الاحتجاج على العرب قاطبة،
وعلى الخلق كافة إلى يوم القيامة أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور مثله مفتريات، أو
بسورة واحدة!
فلم يستطيعوا أن يأتوا بمثله ولا بسورة واحدة منذ نزول هذه الآيات
حتى هذا اليوم، فهذا هو التحدي والإعجاز المقصود -ولا مشاحة في الاصطلاح إذا صح
المعنى- وقد استعمل لفظ التحدي ابن قتيبة -وهو من أئمة السنة والحديث توفي سنة ٢٧٦هـ-
في كتابه (أعلام رسول الله) ص ٢١١ فقال: (ومن أعلامه ﷺ القرآن الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون
بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، أنزله الله عليه زمن الشعر والبلاغة والخطابة
والبيان، وجعله عَلَمه لما جعل عَلم كل نبي من أشبه الأمور بما في زمانه المنبعث
فيه، فكان لموسى صلى الله عليه: فلق البحر، والعصا، وتفجر الحجر في التيه بالماء،
وأشباه ذلك زمن السحر، وكان لعيسى -عليه السلام-: إحياء الموتى، وخلق الطير من
الطين، وإبراء الأكمه والأبرص، وأشباه ذلك زمن الطب، وقد تحداهم عليه في موطن بعد
موطن؛ على أن يأتوا بسورة من مثله، وقرأ عليهم: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على
عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين} [البقرة:
٢٣]، ثم قال: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة}
[البقرة: ٢٤]، يريد استدلوا بعجزكم على صدقه، واتقوا النار التي وعدكم بها في
الآخرة، وقد ادعوا القدرة على ذلك من غير أن يأتوا بشيء، وحكاه الله عنهم، فقال:
{وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير
الأولين} [الأنفال: ٣١]، وقال: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي
ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} [الأنعام: ٩٣].
فلا أتوه بسورة من مثله؛ إن كان ما ادعوه من إمكان ذلك حقا، فخذلوا
عنه الناس، وفرقوا الأتباع، وشتتوا الجموع، واستراحوا من الحرب المخرجة عن المال
والديار، وكفوا أنفسهم بأيسر المؤونة.
ومما يدل على استقرائهم القرآن، وتعجبهم من ألفاظه البارعة، ومعانيه
اللطيفة، تشبيههم إياه بالسحر، يقول الله تعالى: {قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا
سحر مبين} [الأحقاف: ٧].
كما قال الأولون للمسيح حين أتاهم بالآيات المعجزة؛ من إحياء الموتى،
وإبراء الأكمه، هذا سحر مبين، ولهذا قال الله ليثبته: {ما يقال لك إلا ما قد قيل
للرسل من قبلك} [فصلت: ٤٣]) انتهى كلام ابن قتيبة.
واستعمل لفظ التحدي والإعجاز أيضا إمام المفسرين ابن جرير الطبري (ت
٣١٠) في تفسيره (١/ ٩) فقال: (فلا شك أن أعلى منازل البيان درجة، وأسنى مراتبه
مرتبة، أبلغه في حاجة المبين عن نفسه، وأبينه عن مراد قائله، وأقربه من فهم سامعه.
فإن تجاوز ذلك المقدار، وارتفع عن وسع الأنام، وعجز عن أن يأتي بمثله جميع العباد،
كان حجة وعَلما لرسل الواحد القهار -كما كان حجة وعلما لها إحياء الموتى وإبراء
الأبرص وذوي العمى، بارتفاع ذلك عن مقادير أعلى منازل طب المتطببين وأرفع مراتب
علاج المعالجين، إلى ما يعجز عنه جميع العالمين. وكالذي كان لها حجة وعلما قطع
مسافة شهرين في الليلة الواحدة، بارتفاع ذلك عن وسع الأنام، وتعذر مثله على جميع
العباد، وإن كانوا على قطع القليل من المسافة قادرين، ولليسير منه فاعلين.
فإذ كان ما وصفنا من ذلك كالذي وصفنا، فبين أن لا بيان أبين، ولا
حكمة أبلغ، ولا منطق أعلى، ولا كلام أشرف؛ من بيان ومنطق تحدى به امرؤ قوما في
زمان هم فيه رؤساء صناعة الخطب والبلاغة، وقيل الشعر والفصاحة، والسجع والكهانة،
على كل خطيب منهم وبليغ وشاعر منهم وفصيح، وكل ذي سجع وكهانة؛ فسفه أحلامهم، وقصر
بعقولهم وتبرأ من دينهم، ودعا جميعهم إلى اتباعه والقبول منه والتصديق به،
والإقرار بأنه رسول إليهم من ربهم. وأخبرهم أن دلالته على صدق مقالته، وحجته على
حقيقة نبوته؛ ما أتاهم به من البيان، والحكمة والفرقان، بلسان مثل ألسنتهم، ومنطق
موافقة معانيه معاني منطقهم. ثم أنبأ جميعهم أنهم عن أن يأتوا بمثل بعضه عجزة، ومن
القدرة عليه نقصة. فأقر جميعهم بالعجز، وأذعنوا له بالتصديق، وشهدوا على أنفسهم
بالنقص) انتهى كلامه.
وكذا قال الفقيه ابن القصار البغدادي -أجلّ أتباع مذهب مالك في عصره
توفي سنة ٣٧٩هـ- في كتابه "عيون الأدلة": (نقول: إن الله تعالى نزل
القرآن معجزا، وإعجازه إما أن يكون بالرسم وما هو عليه من النظم، أو يكون معجزا
بما تضمنه من المعاني والأحكام. فإن كان إعجازه بالنظم والتأليف؛ فهو قولنا، وإن
كان إعجازه لما تضمنه من الأحكام والإخبار عما كان؛ فليس هذا بمعجز على ما تقدم
ذكرنا له، وأنه كسائر كتب الله تعالى المنزلة تتضمن الأحكام والأوامر والنواهي،
فثبت أن إعجازه في نظمه وتأليفه، ولهذا تحداهم الله بسورة، ولم يعين فيقول: فاتوا
بسورة فيها مثل الخبر عما كان، وفيها حكم من الأحكام، فقال: ﴿فأتوا بسورة﴾ أي سورة
كانت، لأنهم لا يقدرون على مثل نظمه وتأليفه) انتهى كلامه.
قلت: وهذا الإعجاز البلاغي البياني أحد وجوه الإعجاز القرآني الذي
حاول علماء البيان دراسته والوقوف على أصوله وقواعده، لا لإثبات نبوة النبي محمد ﷺ ابتداءً، وإنما للرد على أهل الإلحاد والزيغ في زمانهم الذين نفوا
عنه ذلك وأن معجزاته ﷺ لا تثبت عنه ولا يمكن إقامة الحجة بها، كما ذكر ذلك ابن قتيبة في
مقدمة كتابه "الأعلام"، والباقلاني في مقدمة "إعجاز القرآن"،
حيث كان الجدل دائرا بين المعتزلة وأهل الملل الأخرى في إثبات كون القرآن معجزة
توجب عليهم الإيمان بالنبي محمد ﷺ كما موسى وعيسى
قبله.
فثار الجدل والبحث بين الفرق الإسلامية نفسها عن وجوه هذا الإعجاز
القرآني، ولمَ لمْ يستطع العرب الإتيان بمثله؟ وهل المعجز فيه فصاحة ألفاظه
ووضوحها، وحسن رصفها، وجمال سبكها؟ أم شرف معانيه وصحة مضمونها وأحقية قضاياه؟ أم
الأسلوب البلاغي الذي ينتظمهما معا لفظا ومعنىً، وبلوغ البيان القرآني الغاية في
مخاطبة العرب بأفانين كلامهم من التشبيه والاستعارة والكناية حتى فاقهم جميعا
شعراءهم وخطباءهم، كما ذهب إليه الرماني، وكذا الخطابي حيث يقول: (واعلم أن القرآن
إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ، في أحسن نظوم التأليف، مضمنا أصح
المعاني).
أم أن الإعجاز هو في مخالفة أسلوبه البلاغي أساليبهم أصلا، وتفرده
ببيانه المعجز على نحو لم يعهده العرب، كما ذهب إليه الباقلاني الذي يرى الإعجاز
فيه (لأنه بديع النظم، عجيب التأليف، متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز
الخلق عنه)، ويرى: (نظم القرآن على تصرف وجوهه وتباين مذاهبه، خارج عن المعهود من
نظام جميع كلامهم، ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم، وله أسلوب يختص به، وتميز في
تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد).
فأجمع العلماء المسلمون -حين ثار الجدل آنذاك- على أن القرآن معجز،
ثم اختلفوا في وجه هذا الإعجاز وتفسيره وبيانه، حتى قال إبراهيم النظام المعتزلي
إن الله صرفهم وحال بينهم وبين الإتيان بمثله وهذه معجزة!
حتى جاء عبد القاهر الجرجاني في كتابه "دلائل الإعجاز"
الذي جعل النظم للكلام خاصة هو سر هذا الإعجاز، ودلل على ذلك وعلل وفصل ما أجمله
من سبقه، وبين كيف تتحقق البلاغة في أكمل صورها بمراعاة المتكلم في كلامه مقتضى
الحال، بحسب لغة العرب نفسها ومراعاة أساليبها وقواعدها لغة ونحوا وصرفا.
وقد غدا هذا الفن
من فنون علوم القرآن كما ذكر الزركشي في كتابه "البرهان": (النوع الثامن
والثلاثون: معرفة إعجازه: وقد اعتنى بذلك الأئمة وأفردوه بالتصنيف منهم القاضي أبو
بكر بن الباقلاني، قال ابن العربي: ولم يصنف مثله، وكتاب الخطابي، والرماني، والبرهان
للعزيز، وهو علم جليل عظيم القدر؛ لأن نبوة النبي ﷺ معجزتها الباقية
القرآن وهو يوجب الاهتمام بمعرفة الإعجاز).
وقد تصدى الأستاذ
محمد أبو موسى في كتابه "الإعجاز البلاغي" لدراسة كتب ثلاثة من أئمة هذا
الفن الذين صنفوا في موضوع الإعجاز القرآني" وهم الرماني والباقلاني والخطابي
ليجلي مذاهبهم، ويبين مآخذهم، شارحا، وناقدا، ومستدركا، حتى قال كلمته: (ويسألونك عن
إعجاز القرآن قل هو من أمر ربي) تعبيرا عن قصور الجميع عن الإحاطة بشأن إعجازه؛ لأنه
كلام الله، فكما لا يمكن الإحاطة علما بالله وصفاته؛ كذلك لا يمكن الإحاطة علما بكلامه
وحقيقة إعجازه.
وغاية ما يتأتى
للعلماء هو فهم بعض وجوه إعجازه بحسب ما آتاهم الله في كل زمن من الفهوم والعلوم، كما
قال علي (إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه).
ولا يتصور ألا
يجتهد علماء البيان والبلاغة العربية، ويدلوا بدلوهم في هذا الأمر العظيم الذي هو أصل
علومهم، وأصل دينهم، وقد أثار أهل الإلحاد في عصرهم الشبه حوله!
وقد وجد العلماء
المعاصرون أن حصر الإعجاز القرآني بالإعجاز البلاغي البياني قصور أيضا، بل وجوه إعجازه
كثيرة لا يتأتى لبشر أن يأتي بها من عند نفسه، ففيه إعجاز تشريعي ظاهر جلي، لا من حيث
أن التحدي وقع به إذ التحدي جاء به كله، وببعض سوره، وبسورة واحدة من مثله، ولا من
حيث عدالة أحكامه وتوافقها ومقتضى الحكمة مما قد يشاركه فيه التوراة والإنجيل، وإنما
من حيث صياغة التشريع فيه على نحو فريد لا يتأتى لأكبر علماء القانون والمجامع التشريعية
صوغها فضلا عن رجل أمي لا يقرأ، حتى انتظم فيه كل علم الفرائض في ثلاث آيات فقط، وهذا
وإن كان يرجع أيضا للإعجاز البياني، إلا أنه نوع خاص من صور الإعجاز، غير المعهود في
كل الشرائع سواء السماوية السابقة، أو الوضعية البشرية القديمة والحديثة!
فالنمط التشريعي
للأحكام في القرآن ليس له مثيل في كل الشرائع والقوانين، لا من حيث ربطها بالحكمة منها،
ولا من حيث مراعاة الأصل الإيماني والأخلاقي الذي تتأسس عليه، ولا من حيث الخطاب الذي
تصاغ به، فلا يزداد المؤمن حين سماعه لأحكامه إلا إذعانا له، ورضا به.
وكذا اعتنى المعاصرون
بالإعجاز العددي والرقمي في القرآن، لا على أساس أن التحدي وقع به، وإنما بالنظر إلى
أن حدوث هذا التوافق المطرد في كثير من أعداده ومعدوداته على نحو مدهش لا يمكن أن يكون
من فعل بشر قصد ذلك، وتولى ترتيبه بنفسه، فدل على أنه من عند الله قطعا.
وقد اعتنى الأئمة
قديما بعدّ كلمات القرآن وحروفه، وضبطوا عدد آياته المتشابهة، وسوره المتناظرة، وأوجه
الاختلاف بينها.
وكذا الإعجاز العلمي
في القرآن الذي اشتغل به المعاصرون، وأثبتوا صورا كثيرة منه، فلا يزعمون أن التحدي
وقع به، وإنما يرون بأن الإشارة إلى تلك الحقائق العلمية آنذاك أمر خارج عن طوق البشر
في حدود علومهم ومعارفهم حين نزول القرآن، ولا يتصور أن يكون ذلك إلا من وحي الله وعلمه،
وكل ذلك يدخل في عموم ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾،
وعموم قول علي رضي الله عنه (إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه).
والعبرة في ذلك
كله -قبولا أو ردا- إنما هو في قدرة من آتاه الله فهما في كتابه أن يقيم الأدلة على
صحة فهمه ذلك، سواء سُبق إلى ذلك الفهم أو لم يُسبق، كما حدث ذلك حين انبرى علماء اللغة
والبيان منذ القرن الثالث لدراسة الإعجاز البياني، فما زالوا يتداولون الفكرة، ويجلونها،
ويبلورونها، ويدللون عليها، حتى بلغ بحثهم أوجه في كتابات عبد القاهر الجرجاني!
وكذا حين أظهر
أبو بكر النيسابوري علم المناسبات بين السور وبين الآيات، ولم يكن أهل العلم بالتفسير
يعرفونه قبله، ولا يعتنون به أصلا، مع جلالته، كما ذكر الزركشي عنه في النوع الثاني.
والقصد أنه لا
تلازم بين الوجه الأول وهو كون دلائل النبوة على صدق النبي محمد
ﷺ كثيرة لا تحصر بالقرآن وحده -وأن أكثر من آمنوا إنما آمنوا لما رأوا أنه
جاءهم بالحق والعدل والإحسان والبر- والوجه الثاني وهو كون القرآن وحده الآية والحجة
والمعجزة التي وقع بها التحدي للخلق كافة إلى آخر الزمان، وهي آية خالدة تتلى وتسمع
مباشرة، كما قال الله عنه: ﴿أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك
لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون﴾ [العنكبوت: ٥١].
فالنبي ﷺ لم يكن يقرأ عليهم
القرآن من كتاب، فهو أمي لا يقرأ أصلا، بل كان يتلوه عليهم من حفظه، وهذا في حد ذاته
صورة من صور إعجازه، لا عهد للعرب، ولا للعجم بمثل ذلك من رجل أمي، فكان حجة باهرة!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) وهو
اعتراضه عموما على مصطلح (الإعجاز) لكونه مصطلحا كلاميا حادثا لم يرد في الوحيين، وإنما
ابتدعته المعتزلة في القرن الثالث، والصحيح القول أنه آية أو حجة، ويرى أن تتبع وجوه
الإعجاز وفق مقررات المتأخرين يغلب عليه التكلف، ويصرف القارئ عن مقصود القرآن وهو
الاهتداء به لموافقته الفطرة السوية حتى لغير الناطقين باللغة العربية.