سنة الشيخين
وفتنة الحوثي!
أ.د. حاكم المطيري
١٩ / ٤ / ١٤٤٨هـ
٣٠ / ٩ / ٢٠٢٦م
رضي الله عن أبي بكر وعمر ما أفقههما وأهدى سبيلهما حين منعا من اتخاذ
نسب النبي ﷺ وقرابته سببا لادعاء استحقاق السلطة أو الثروة! وأبيا توريث آل بيته ﷺ شيئا من صدقته -بما في ذلك ابنتيهما عائشة وحفصة- وقال أبو بكر سمعت النبي
ﷺ يقول: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة) وعملا بقوله تعالى:
﴿قل لا أسألكم عليه أجرا﴾ لا لنفسه ﷺ ولا لقرابته!
وقد أجمع الصحابة على قول أبي بكر وعمر في جعل سهم رسول الله وسهم ذوي
القربى بعد وفاة النبي ﷺ في سبيل الله ولا يختص به أحد دون أحد!
وقال ابن عباس في رده على نجدة الحروري وسأله عن الخمس: (وكتبت تسألني
عن الخمس لمن هو؟ وإنا كنا لنقول: هو لنا. فأبى علينا قومنا ذاك).
وكانوا قد اختلفوا هل سهم النبي ﷺ بعد وفاته ﷺ يكون للخليفة من بعده وذوي قرباه المحتاجين؟
وهل ذوو القربى بنو هاشم أم قريش كلها؟ على قولين.
وبوب البخاري باب: (ومن الدليل على أن الخمس للإمام وأنه يعطي بعض قرابته
دون بعض: ما قسم النبي ﷺ لبني المطلب، وبني هاشم من خمس خيبر.
قال عمر بن عبد العزيز: لم يعمهم بذلك، ولم يخص قريبا دون من هو أحوج
إليه، وإن كان الذي أعطى لما يشكو إليه من الحاجة ولما مستهم في جنبه من قومهم وحلفائهم).
وقد أجمع أهل المغازي والسير أن النبي ﷺ لم يعط بناته في حياته شيئا قط من سهم ذوي القربى لا لزينب وقد توفيت
في السنة الثامنة للهجرة بعد فتح خيبر، ولا لأم كلثوم وقد توفيت في السنة التاسعة،
ولا لفاطمة، وقد توفيت بعده ﷺ، بل لما جاءت فاطمة
تسأله خادما أمرها بالتحميد والتسبيح ولم يعطها شيئا!
وقال لها ولعلي: (لا أخدمكما وأدع أهل الصفة يطوون جوعا، لا أجد ما أنفق
عليهم، ولكن أبيعه فأنفقه عليهم)..
ولو كان لبناته ﷺ حق مفروض في السهم
لأعطاهن منه في حياته ﷺ فلما لم يفعل، علم أن الخمس موكول لاجتهاد الخليفة يضعه في أهل الحاجة.
وقد حسم الشيخان هذا الخلاف وجعلا السهمين كليهما بعد وفاة النبي ﷺ في سبيل الله رفعا للخلاف، ومنعا من اتخاذ المال دولة بين ذوي قربى النبي
ﷺ من قريش، أو ذوي قربى الخليفة من بعده!
فلم يأخذا هما منه شيئا، ولا وهبا ذوي قرباهما، لا بصفتهما خليفتين بعد
النبي ﷺ، ولا بصفتهما من ذوي قرابته من قريش.
قال الطحاوى: (وبذلك فعل أبو بكر وعمر بعد النبي ﷺ قسما جميع الخمس، ولم يريا لقرابة رسول الله حقا، خلاف حق سائر الناس،
ولم ينكره عليهما أحد من أصحاب رسول الله، ولا خالفهما فيها، وإذا ثبت الإجماع من أبى
بكر وعمر وجميع أصحاب النبي عليه السلام ثبت القول به، ووجب العمل به، وترك خلافه،
وكذلك فعل علي لما صار الأمر إليه، حمل الناس عليه).
وكذا رفض الشيخان ادعاء استحقاق أحد للإمامة السياسية والخلافة بالنسب
والقربى!
وكان العباس قد أشار على علي رضي الله عنهما أن يسأل النبي ﷺ عن هذا الأمر حين مرض ﷺ مرض الوفاة، فأبى علي سؤاله وقال: (والله لا أسأله، لإن منعناها لا يعطيناها
الناس أبدا)!
فلم يلتفت أبو بكر وعمر يوم السقيفة للنسب ولا للقرابة ولا احتجا -كما
في الصحيح- بحديث (الأئمة من قريش) بل رشح لها أبو بكر شيوخ المهاجرين الأولين عمر
وأبا عبيدة بن الجراح مع بعدهما في النسب والقرابة تأكيدا لسابقتهما وأهليتهما للخلافة،
فأبوا جميعا إلا اختياره هو خليفة لا بقرابته ونسبه بل بأولية صحبته وصديقيته وأهليته.
وكان علي رضي الله عنه من صغار المهاجرين فقال لأبي بكر يعتذر عن تأخره
عن بيعته: (إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك،
ولكنكم استبددتم بالأمر، وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله نصيبا أن لنا في هذا الأمر).
فلم يلتفت أبو بكر لهذه الدعوى في استحقاق الأمر، ولا دعوى الاستبداد
بالأمر دونهم، ولم يعتذر، وقال لعلي: (والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي، وأما الذي شجر بيني وبينكم في هذه الأموال،
فإني لم آل فيها عن الخير، ولم أترك أمرا صنعه رسول الله ﷺ إلا صنعته إني أخاف إن خالفت أمره أن أزيغ).
وقد أكد عمر هذا المعنى حين رشح الستة بعده للخلافة لتختار الأمة واحدا
منهم بالشورى فعلل ذلك بقوله: (توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض)، فرضي بذلك علي وقبل بالشورى فقال عبد الرحمن بن عوف حين
اختاروه حكما بين عثمان وعلي واستشار الناس ثلاثة أيام حتى سأل النساء في خدورهن ثم
قال: (يا علي إني نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان أحدا) فبايعه علي رضي الله
عنه راضيا باختيار الناس عملا بقوله تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾.
فدعوى حركة الحوثي استحقاق ذرية فاطمة للسلطة والخمس دعوى باطلة بالنص
والإجماع، واستباحة دماء الشعب اليمني على هذه الدعوى كفر وردة، فإن كان علي قد ترك
حقا له في الخلافة جمعا للكلمة، فيجب على حركة الحوثي اتباعه ولزوم سنته، وإن كان لا
حق له فالأمر أظهر، والواجب قتال الحوثي حتى يفيء لأمر الله!