نخب الربيع العربي
والسقوط الحر
أ.د. حاكم المطيري
٨ / ٤ / ١٤٤٨هـ
١٩ / ٩ / ٢٠٢٦م
النخب العربية والجماعات الإسلامية الوظيفية التي ركبت بالأمس موجة
ثورات الربيع العربي واختطفتها وهتفت لشعوبه الثائرة باسم الحرية والديمقراطية!
هي نفسها اليوم تقف ضد تحرر هذه الشعوب وتهتف لإيران وللحوثي
وعصابته التي فعلت في اليمن وشعبه من القتل والتدمير والتهجير للملايين منذ ٢٠١٤م،
حتى اليوم أشد مما فعله انقلاب العسكر في مصر ٢٠١٣م، ومثل أو أشد مما فعل المحتل
الصهيوني في غزة!
وأشد مما فعلت داعش بالشعب السوري مع أنها أهون شرا وأقل ضررا من خطر
الحوثي على الإسلام نفسه الذي يرى كفر الصحابة من أبي بكر فمن دونه؛ لأنه لم يعترف
بأحقية علي بالإمامة؛ فضلا عن كفر الأمة وشعوبها المعاصرة التي تدين بما دان به
الصحابة، ليستحل الحوثي دماءها كما استحل ذلك منها أسلافه الذين ثار الشعب اليمني
وأسقطهم، وأقام الجمهورية على أنقاض الإمامة الكهنوتية!
لا لشيء إلا لأن الحوثي رفع شعار المقاومة، وأطلق صواريخه على
السعودية بدلا من إسرائيل! وفتح باب المندب للسفن كلها إلا للسعودية!
لتصبح عودة الحكم الكهنوتي لليمن باسم الله -كذبا وزورا- ذنبا مغفورا
لدى نخب الربيع العربي حتى وإن حرق اليمن، واستباح دماء شعبه، وصادر حريته، وبدّل
دينه كما بدل إسماعيل الصفوي دين الشعب الإيراني بالسيف والدم!
فالأمة وشعوبها ودماؤها ودينها رخيصة لدى هذه النخب المأزومة حين
يكون الطرف الآخر إيران، وعصاباتها وميليشيات الحشد الشعبي في العراق، وعصابات
الحوثي في اليمن، فلا ترى جرائمها كما رأت جرائم داعش! ولا ترى خطرها على الشعوب
وحريتها وأمنها واستقراراها كما رأت خطر داعش!
ولتصبح الحرية والديمقراطية -التي طالما بشرت بها هذه النخب
والجماعات الوظيفية الشعوب العربية الثائرة وخاضت حربا ضروسا ضد النظام العربي من
أجلها- قضية ثانوية هامشية حين يكون المقابل هو النظام الإيراني الإجرامي
وعصاباته!
فضحّت هذه النخب بالشعوب العربية -وبالحرية التي ثارت الشعوب من
أجلها في الربيع العربي- وقدمتها قربانا في مسلخ محور المقاومة الإيراني ليستعبدها
-باسم آل البيت- عبد الملك الحوثي وقيس الخزعلي وعصاباتهم الطائفية!
مع أن البغدادي وتنظيمه لم يرد أكثر من ذلك، فهو أيضا من آل البيت،
والنخب العربية يهمها جدا إعادة الحكم إلى آل البيت! حتى وإن كانت حركات ردة سبئية
باطنية؛ ما دامت قوى مقاومة وطنية! فالمهم ألا يرفع أحد شعار الجهاد، والخلافة
السنية!
ولتحاول هذه النخب طمس تاريخ هذه العصابات التي ظلت تتخادم مع الحملة
الصليبية منذ ٢٠٠١م لاحتلال أفغانستان ثم العراق ٢٠٠٣م، ثم سوريا وحصار شعبها
وقتله وتهجيره منذ ٢٠١٣م، ثم اليمن ٢٠١٤م؛ لتفوز في المقابل مكافأة لها على خدمة
المحتل الأمريكي البريطاني بالسلطة في بغداد ٢٠٠٤م، ولبنان ٢٠٠٦م، حتى إذا هُزم
المحتل الأمريكي الأوربي في أفغانستان ٢٠٢١م، والمحتل الروسي الإيراني في الشام
٢٠٢٤م، وانهارت معه كل الترتيبات التي فرضها والأنظمة الطائفية الوظيفية التي
صنعها ورعاها طوال عشرين سنة باسم محور المقاومة؛ فإذا النخب العربية تنحاز إليها،
وتقلب لشعوبها ظهر المجن، فإذا هي في خندق إسرائيل ومحورها الخليجي المدعوم من
السيسي الذي كان وراء تسليم المخا وباب المندب! في مشهد سريالي هزلي يريد أن يقنع
الأمة وشعوبها بأن الحوثي والحشد الشعبي أصبحوا فعلا مقاومة إسلامية للمحتل
الأمريكي لا صنائع له!
وتريد هذه النخب إقناع الشعوب العربية بأن مشروع إيران الطائفي
الإجرامي والحكم الكهنوتي الذي تسعى لتصديره وفرضه على المنطقة خير للشعوب العربية
من النظام العربي الوظيفي!
الذي بدا للشعوب العربية اليوم -حين اكتوت بنار إيران وعصاباتها
والنخب العربية وخياناتها- أنه كان أكثر ملائكية ورحمة بها من إيران وعصاباتها،
ومن النخب العربية التي خانتها وانحازت للعدو الذي استباح دماءها، لتمتد إليها
فجأة يد النظام العربي لينقذها وليؤكد لها بأنه على كل ما فيه -من طغيان وإجرام
واستبداد- كان جنة وبردا وسلاما عليها؛ إذا ما قورن بجحيم إيران وعصاباتها!
بل تريد هذه النخب المأزومة إقناع الأمة وشعوبها بأن توقيع اتفاقيات
التطبيع مع إسرائيل في المغرب والسودان كانت سياسة، اضطرت لها الحركة الإسلامية في
كلا البلدين لإكراهات الواقع، والضرورة تقدر بقدرها، والشاهد يرى ما لا يرى
الغائب! والسياسة فن الممكن!
بينما التطبيع الذي لم توقع اتفاقياته حتى الآن في دول الخليج خيانة
كبرى لا تغتفر!
وأن تفاهم إيران والحوثي مع ترامب لإغلاق هرمز وباب المندب دهاء
سياسي، ودليل قوة؛ لتخضع المنطقة كلها ونفطها وغازها لقرار ترامب كما فعل في نفط
فنزولا! بينما تفاوض دول الخليج لفتحهما وفك الحصار عن دولها خيانة للأمة وشعوبها!
فإذا القوم أعداء في ثياب صديق!
وذئاب في جلود ضأن!
إلام الخلف بينكم إلاما
وهذي الضجة الكبرى علاما
تباغيتم كأنكم خلايا
من السرطان لا تجد الضماما