شهادة للتاريخ
حول المخطط الشيطاني في اليمن
أ.د. حاكم المطيري
٦ / ٤ / ١٤٤٨هـ
١٧ / ٩ / ٢٠٢٦م
كان
من توصيات مؤتمر "الحملة العالمية لمقاومة العدوان" بعنوان "نصرة
غزة" في إسطنبول ٢٠٠٩ تشكيل وفود من العلماء والمفكرين لاستنهاض الأمة
وشعوبها في كل بلد لوقف العدوان الصهيوني على غزة والوقوف مع الشعب الفلسطيني
فزرنا بوفد من "مؤتمر الأمة" اليمن والتقينا بعلمائه وشيوخ قبائله ومنهم
شيوخ قبائل وائلة الهمدانية السنية في محافظة صعدة وكانت حينها تخوض حربا مع
عصابات الحوثي وكان الجميع آنذاك يؤكد بأن الرئيس علي صالح هو من يقف وراء الحوثي
ويدعمه بكل الأسلحة لإضعاف منافسه الأقوى علي محسن الأحمر ولإضعاف الجيش أمام الحوثي
كي يبقى هو الرئيس!
وكان
تفسيري آنذاك لتلك السياسة هو أن علي صالح لا يجرؤ على ذلك إلا بتفاهم مع الولايات
المتحدة التي جاءت به إلى السلطة!
وقد
أخذَنا شيوخُ قبائل وائلة إلى لقاء القائد محسن الأحمر في الحديدة واستضافنا
وأهديته كتابي "الحرية أو الطوفان" وقلت له بمحضر من الشيوخ - وكلهم ما
زالوا أحياء - بأن صعدة تحتاج إلى التنمية والبناء أكثر من حاجتها إلى الحرب، وأن
الاستبداد السياسي يفضي إلى انهيار الدول!
فتحدث
محسن الأحمر فقال لي وللحضور صدقت يا دكتور حاكم إلا أن عصابات الحوثي أشغلتنا
بخمس حروب عطلت التنمية والبلد واستنزفت موارده وقال اليمن في حاجة إلى الحرية
والدولة الراشدة كما في هذا الكتاب وأشار إلى كتابي بيده..
وقال
هناك مشروع إيراني قادم برعاية دولية وسيعصف باليمن وبدول الخليج العربي كلها
والجميع في مهب الريح كما فعلوا باحتلال العراق ونحن في اليمن نحاول فقط تأخير هذا
المشروع الطائفي الشيطاني الذي تفرضه القوى الدولية على المنطقة العربية!
وقد
غادرنا بعدها من الحديدة إلى صنعاء وتكررت زياراتنا لليمن ٢٠٠٩ و٢٠١٠م والتقينا
فيها بالشيخ الزنداني رحمه الله في بيته ودار حديث طويل فذكر فيه ما دار بينهم
وبين الرئيس علي صالح الذي صارحهم بقوله (أنا مجرد شاويش لأمريكا فهي التي تبقيني
على هذا الكرسي وأمريكا التي تخلعني فإذا تشتهوا تكونوا على الكرسي تفضلوا)!
لقد كانت مهمة الرئيس علي صالح -منذ الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق ٢٠٠٣م- هو
تمهيد الطريق لظهور حركة الحوثي عسكريا بعد دعمه لها سياسيا منذ ١٩٩٦م؛ لمواجهة
تنامي التنظيمات الجهادية، بعد التحالف الإيراني مع الولايات المتحدة واحتلالهما
أفغانستان ٢٠٠١ ثم العراق سنة ٢٠٠٣ بالميليشيات الشيعية الطائفية، حيث وجد علي
صالح أيضا بأن مصلحته تقتضي تعزيز وضعه الطائفي، فهو رجل واشنطن المدلل في اليمن
٣٠ سنة وعرف بأن المشروع الأمريكي القادم (الهلال الشيعي) يقوم على تشكيل تحالف
الأقليات خصوصا الشيعية في مشروع أمريكا (الشرق الأوسط الجديد) وفق رؤية الضابط
الأمريكي رالف بيترز (حدود وخرائط الدم) حيث تحل في المنطقة العربية كانتونات واشنطن
الطائفية الدينية محل كانتونات لندن القومية والوطنية!
فركب
علي صالح الموجة فكان يخاطب الأكثرية اليمنية السنية بالخطاب القومي العروبي ويمد
الحوثي بالأسلحة سرا منذ أول حرب أشعلها الحوثي سنة ٢٠٠٤ في اليمن -تزامنا مع
الاحتلال الأمريكي الإيراني للعراق- للمحافظة على نظامه العسكري الوظيفي في صنعاء
قبل سقوطه ولمنع حكم الأكثرية السنية حسب استحقاقات ثورة الربيع العربي في اليمن
٢٠١١م!
فاستعان
علي صالح بالحوثي وعصاباته لأسباب طائفية وفتح له الطريق من صعدة لاحتلال صنعاء
٢٠١٤ -بحماية جوية أمريكية وتعاون خليجي إيراني- ليملأ الفراغ السياسي ويحمي حكم
الأقلية الزيدية تماما كما حدث لمنع سقوط حكم الأقلية النصيرية في دمشق في الوقت
ذاته!
ويكاد
العالم العربي كله يخضع -منذ مئة عام تحت نفوذ الحملة الصليبية- لحكم الأقليات
سواء كانت أقليات دينية أو عرقية أو حزبية أو أسرية لتعزيز التبعية للخارج وما
الحوثي إلا أداة صغيرة في المشهد كما كان بشار وعصابته الطائفية وكما كان المالكي
والحشد الشعبي ومتى عجز العدو الخارجي عن فرض مشروعه وخرائطه في اليمن سيتخلى عن
الحوثي كما تخلى عن بشار!
فلا
مستقبل في العالم العربي لحكم الأقليات وكل من يحاول رهن الأمة وشعوبها وحريتها
للخارج مقابل بقائه في السلطة فرهانه خاسر مهما رفع شعار المقاومة لتبييض صحيفته
الملطخة بدماء شعبة ولتعزيز شرعيته السياسية فلم تنفع هذه الحيلة الشيطانية بشار
الأسد ولن تنفع كذلك الحوثي وعصابته!