السنة بين الفقهاء والمحدثين
الشيخ أ.د. حاكم المطيري
٢٩ / ٣/ ١٤٤٨هـ
١١ / ٩ / ٢٠٢٦م
📩 سؤال/ شيخنا، يقولون حديث صحيح
لم يجر عليه العمل، وحديث ضعيف عليه العمل
ما السبب في ذلك؟
وكيف نوفق بين هذا وبين
قول الأئمة إذا صح الحديث فهو مذهبي؟
▫️الجواب/ هذه مسألة دقيقة تحتاج إلى معرفة كيف نشأ علم الفقه والأحكام،
وعلم الرواية والحديث، ووظيفة كل علم، واشتراكهما جميعا في حفظ السنة لفظا ومبنى، وحكما
ومعنى.
فالفقهاء من الصحابة ومن بعدهم كعمر، وعلي، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت،
وابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، حفظوا السنة عن النبي ﷺ، وأحاطوا بها علما وفهما من حيث هي أحكام ومعاني، بينما حفظها المحدثون
من الصحابة ومن بعدهم، كأبي هريرة، وجابر، وابن عمر، وأنس، وعائشة، من حيث هي أخبار
وألفاظ ومباني..
وقد أرسل عمر إلى الأمصار فقهاء الصحابة ليعلموا الناس أحكام دينهم، وسنة
نبيهم ﷺ، فقال
في بعض خطبه -كما عند أبي داود بإسناد صحيح- :(ألا إني والله ما أبعث إليكم عمالي ليضربوا
أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أبعثهم إليكم ليعلموكم دينكم، وسنة نبيكم)، وروى
ابن سعد في الطبقات بإسناد صحيح عن الحسن البصري (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث
عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ إلى البصرة يفقهون الناس)، وكذا بعث إلى الكوفة مثلهم، فمنهم من اشتهر
بالقضاء والفقه كأبي موسى الأشعري، وعمران بن حصين، وعبد الله بن مغفل، ومعقل بن يسار،
ومنهم من اشتهر برواية الحديث كأنس بن مالك، وأبي برزة الأسلمي، وأبي بكرة الثقفي،
وعبد الرحمن بن سمرة، وغيرهم.
فشاع العلم في الأمصار، وأخذ علماء التابعين عن الصحابة، فمنهم من أخذ
عن الجميع الفقه والقضاء والحديث، ومنهم من اختص بأخذ القضاء والفقه، ومنهم من اختص
بأخذ الحديث، وكان حديث الفقهاء أرجح عندهم، كما قال وكيع بن الجراح لأصحابه: (أي الإسنادين
أحب إليكم: الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود، أو سفيان عن منصور عن إبراهيم
عن علقمة عن عبد الله؟
فقالوا: الأعمش عن أبي وائل أقرب.
فقال وكيع: سبحان الله! الأعمش شيخ، وأبو وائل شيخ، وسفيان فقيه، ومنصور
فقيه، وإبراهيم فقيه، وعلقمة فقيه؛ وحديث يتداوله الفقهاء أحب إلينا من حديث يتداوله
الشيوخ).
وقد كان المرجع في معرفة ما عليه العمل في الأحكام الشرعية قضاءً وفتوى
هم الفقهاء، فربما أجمعوا أو اتفقوا على حكم قضية شرعية، كالماء طهور إلا ما غير لونه
وطعمه وريحه نجاسة، وأنه لا وصية لوارث، ولا يقتل والد بولده، ودية المرأة على نصف
دية الرجل، وغيرها من المسائل الإجماعية، أو الاتفاقية، ويكون المحدثون يروون أحاديثها
بأسانيد ضعيفة عندهم، إلا إن الإجماع والعمل عليها، فتقوى بذلك هذه الأحاديث متنا لا
إسنادا، لا لأن الحكم لدى الفقهاء بني على تلك الأحاديث الضعيفة كما يتوهم من لم يعرف
حقيقة الأمر! وإنما لأن حكمها نقله فقهاء التابعين عن الصحابة بما علموه وفقهوه عن
النبي ﷺ لا يختلفون
في نقل حكمه وسنته فيما بينهم، قضاءً وفتوى وعملا، وهذه حجة أقوى عندهم من رواية خبر
آحاد في القضية نفسها حتى وإن كان صحيح الإسناد متفقا على صحته!
ولهذا صح عن علي قوله لقاضيه عبيدة السلماني حين قال له :(رأيك في الجماعة
أحب إلينا من رأيك وحدك)، فأجابه علي رضي الله عنه :(اقضوا كما كنتم تقضون فإن أكره
الخلاف)، مما يؤكد استقرار الأحكام القضائية بين القضاة منذ عهد عمر وعثمان وعلي .
فالسنة لم ينقلها فقط المحدثون، كما يتوهم المعاصرون، وإنما نقلها أيضا
الفقهاء والقضاة فيما أجمعوا عليه من أحكام شرعية، لا دليل عليه إلا إجماعهم، فيعلم
بأن هذه هي السنة قطعا، كما عرفها الصحابة وأخذوها من الكتاب والسنة، وإن لم يأت بذلك
حديث خاص، فقد أخذ الصحابة القرآن عن النبي ﷺ علما وعملا وفهما، كما صح في مسند أحمد، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال
:(أخبرنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن عن رسول الله ﷺ - عثمان وأبي بن كعب - أنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات، حتى يعلموا ما
فيها من العلم والعمل، قالوا : فتعلمنا القرآن والعلم والعمل معا).
وكذا روى ابن جرير وصححه الحاكم عن أبي وائل عن ابن مسعود قال :(كان الرجل
منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن).
وروى الطبراني وصححه الحاكم عن ابن عمر قال :(لقد عشنا برهة من دهرنا،
وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد ﷺ، فيتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده فيها كما تعلمون أنتم
القرآن، ثم لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري
ما أمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه، ينثره نثر الدقل).
وروى ابن ماجه بإسناد صحيح عن عبد الله بن جندب :(كنا مع النبي صلى الله
عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن ثم تعلمنا القرآن
فازددنا به إيمانا).
فمعرفة الأحكام من الكتاب والسنة وظيفة الأئمة الفقهاء، وهم أعلم من
غيرهم بالمعاني والفقه والفهم للكتاب والسنة، وبما عليه العمل.
ولهذا قال الإمام عبد الله بن وهب المصري :(لولا أن الله أنقذني بمالك
والليث لضللت!
فقيل له: كيف ذلك؟
قال: أكثرت من الحديث فحيرني! فكنت أعرض ذلك على مالك والليث، فيقولان
لي: خذ هذا ودع هذا).
فحين يروي المحدثون حديثا صحيح الإسناد عندهم، إلا أن الفقهاء لم
يعملوا به، ولا قضى به القضاة، من لدن رسول الله ﷺ وأصحابه ومن بعدهم، فإنهم ينصون على عدم العمل به، كما يفعل الترمذي
في السنن، حتى لا يغتر به من سمعه ولم يفقه الباب الذي ورد فيه، فيعمل به، وهو
مهجور، إما لأنه منسوخ، كحديث الصحيحين: (إنما الماء من الماء)، الذي كان في أول
الأمر ثم نسخ، ووجب الغسل بالتقاء الختانين، وكحديث (إنما الربا في النسيئة)، الذي
كان قبل تحريم ربا الفضل، أو لأنه مؤول يفهم في ضوء النصوص الأخرى، فلا يكون على
ظاهره.
بل جعل الإمام مالك عمل أهل المدينة ولو وحدهم، واتفاق فقهائها أصلا
يرد به الخبر ولو كان صحيحا، إذ عمل أهل المدينة يقوم مقام الرواية العملية للسنة
النبوية الموروثة عن الصحابة، عن النبي ﷺ، فلا يتصور أن يخفى على أهلها وعلمائها سنة عن النبي ﷺ بحيث يتواطئون جميعا على خلافها، وهم إنما أخذوا دينهم وأحكامه عن
النبي ﷺ، بما في ذلك السنة التقريرية، وهي تعم كل ما كان عليه أهل المدينة من
عمل في تجاراتهم وبيوعهم وأعمالهم، في عهد النبي ﷺ، وأقروا عليها بالسكوت عنها، ولهذا قال مالك عن حديث (البيعان
بالخيار ما لم يتفرقا) : (وليس لهذا عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به فيه)، مع
أنه رواه في الموطأ عن نافع، عن ابن عمر، وهو أصح إسناد مدني، المسمى بالسلسلة
الذهبية، وقيل مطلقا، ومع ذلك لم يأخذ به، لما عارضه عنده ما هو أقوى منه وهو عمل
أهل المدينة الذي يجري مجرى الرواية الجماعية العملية للسنة، التي لا يمكن
تأويلها، ولا نسخها، بخلاف الخبر المجرد عن العمل، فإنه يكون عرضة للتأويل، والنسخ.
فلا يقال ترك مالك السنة هنا! بل ترك الحديث والخبر لمعارضته للسنة
العملية.
فليس كل حديث وخبر صحيح يصبح سنة معمولا بها، ولهذا أخطأ من قال من
أهل الحديث المعاصرين بتحريم الذهب المحلق على النساء، احتجاجا بحديث يراه صحيحا،
مع إجماع الفقهاء منذ عهد الصحابة -وهم المرجع- على إباحة لبس الذهب للنساء مطلقا
بالسنة المعلومة المستقرة علما وعملا، فلا تقيد بخبر غير معمول به، إما لشذوذه،
ومخالفته السنة المحفوظة، حتى وإن صح إسناده، أو يكون منسوخا.
وكذا أخطا من قال بعدم وجوب الزكاة في أموال التجارة، لتضعيفه حديث:
(أمرنا أن نخرج الزكاة مما نعد للبيع)؛ ظنا منه أن الفقهاء من لدن الصحابة ومن
بعدهم بنوا الحكم في وجوب الزكاة على هذا الحديث الضعيف، بينما حجتهم النص القرآني
﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾
[البقرة: ٢٦٧]، ولا خلاف بين أهل التفسير والفقه على أن قوله ﴿ما كسبتم﴾ أي من
التجارة، كذا قاله مجاهد، ولم يذكر الطبري فيه خلافا فقال (يعني بذلك جل ثناؤه:
زكوا من طيب ما كسبتم بتصرفكم: إما بتجارة، وإما بصناعة، من الذهب والفضة).
قال ابن القيم: (وخص سبحانه هذين النوعين وهما الخارج من الأرض،
والحاصل بكسب التجارة، دون غيرهما من المواشي: إما بحسب الواقع فإنهما كانا أغلب
أموال القوم إذ ذاك، فإن المهاجرين كانوا أصحاب تجارة وكسب، والأنصار كانوا أصحاب
حرث وزرع).
وصح عن ابن القاري قوله: (كنت على بيت المال زمان عمر بن الخطاب، فكان
إذا خرج العطاء جمع أموال التجار ثم حسبها، غائبها وشاهدها، ثم أخذ الزكاة من شاهد
المال عن الغائب والشاهد)، وإنما أخذها عمر منهم بالحق، وبنص القرآن، وأقره
الصحابة بلا خلاف، كما أخذوا القرآن نصا ومعنى وفهما عن رسول الله ﷺ.
أما قول الشافعي وغيره: (إذا صح الحديث فهو مذهبي)، فهذه قاعدته في
القضايا الخلافية، حيث لا دليل فيها ظاهرا من كتاب، ولا سنة معلومة، فيكون الحديث
الصحيح الذي عمل به بعض الصحابة أرجح عنده من القياس الخفي والرأي والاجتهاد، قال
ابن الصلاح عن العمل بقاعدة الشافعي هذه لأهل مذهبه :(وليس هذا بالهين! فليس كل
فقيه [شافعي] يسوغ له أن يستقل بالعمل بحديث تركه الشافعي عمدا؛ لمانع اطلع عليه
[الشافعي] وخفي على غيره).
كما قال ابن خزيمة وسئل (هل تعرف سنه لرسول الله ﷺ في الحلال والحرام لم يودعها الشافعي كتبه؟ فقال: لا)!
بل قال الشافعي أصول الأحكام والسنن خمس مئة حديث كلها عند ابن عيينة
[في الجامع] إلا خمسة أحاديث، وكلها عند مالك [في الموطأ] إلا خمسة وثلاثين
حديثا).
وكذا هذه الأصول كلها عند أبي حنيفة وأصحابه كما في مصنفاتهم، لا يكاد
يفوتهم منها شيء، إذ لا يكون فقيها إلا من أحاط بها علما، وإن لم يكن محدثا.