الصحابة
وحركات الردة
بقلم أ.د. حاكم المطيري
٢٨ / ٣/ ١٤٤٨هـ
١٠ / ٩ / ٢٠٢٦م
مقاطع الفيديو المنشورة بالصوت والصورة التي يتحدث فيها الحوثيون عن
الصحابة والقرآن والإسلام(*) تؤكد أنهم
ليسوا طائفة زيدية، ولا علاقة لهم بآل البيت، ولا بمذهب زيد، ولا مذهب جعفر الصادق
-اللذينِ كانا يعظمان شأن أبي بكر وعمر، وعامة الصحابة- بل هي حركة ارتداد وانقضاض
على الأمة ودينها، تماما كحركة الردة الأولى التي ابتدأت قبيل وفاة النبي ﷺ وامتدت بعدها مباشرة، وكان الصحابة رضي الله عنهم بقيادة الخليفة
الأول أبي بكر الصديق هم أول من واجه وقضى على فتنة الردة تلك في كل أنحاء جزيرة
العرب بأحد عشر جيشا واستشهد في معاركها أكثر قراء القرآن من الصحابة!
وما زالت كل حركات الردة منذ تلك اللحظة التاريخية -المعروفة باسم
حروب الردة في عهد أبي بكر- تتربص بالإسلام، وتتخذ الصحابة عدوها الأول، لتثأر
منهم، ومن الأمة معهم، عند أول ظهور سياسي وعسكري لها، بينما تتظاهر قبل ذلك
بالإسلام وتبطن كفرها وعداوتها للصحابة والحقد عليهم - وللأمة وخلافتها ودينها -
الذي ورثته عن أسلافها من أهل الردة الأولى!
فالصحابة هم حملة القرآن، والأمناء على البلاغ ورسالة الإسلام إلى
الأمم كلها، بنص القرآن ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾، ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا
لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾، وهم القنطرة للعبور إلى
الإسلام، فمن طعن فيهم، وأسقط عدالتهم، فقد هدم سور الإسلام وأول قلاعه وحصونه،
وأبطل ثبوت القرآن وحفظه، وأبطل حجية الرسالة والبلاغ القرآني الذي وعد الله
الصحابة بالنصر والظهور بالاستخلاف في الأرض لإقامة دينه وتوحيده ﴿وعد الله الذين
آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم
وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون
بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾ [النور: ٥٥].
بينما توعد الله في المقابل أعداء الصحابة من الكفار والمنافقين
بالذل والخزي إلى يوم القيامة ﴿لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض
والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما
ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله
تبديلا﴾ [الأحزاب: ٦٠-٦٢]
وقال عن كبتهم ﴿إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من
قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين﴾ [المجادلة: ٥]
وقال ﴿إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين كتب الله
لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز﴾ [المجادلة: ٢٠-٢١]
فثبت بنص القرآن وشهادة التاريخ أن الله أعز أولياءه وأصحاب نبيهﷺ حتى فتحوا الأرض شرقا وغربا، وظهروا على الأمم بالإسلام والقرآن
والخلافة، وتحقق لهم الاستخلاف بأوضح صوره، مع قلة عددهم وضعف عتادهم أمام كفار
العرب وفارس والروم، وأذل الله وكبت أعداءه وأعداءهم من الكفار والمنافقين، حتى لم
تقم لهم قائمة!
وقد أدرك ذلك الأئمة من سلف الأمة فجعلوا الصحابة قنطرة الإسلام وأول
حصونه، والطعن بهم وإسقاط عدالتهم زندقة تخرج صاحبها من دائرة الإسلام، واستدل
الإمام مالك بقوله تعالى ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم
..ليغيظ بهم الكفار﴾ على أن كل من يغيظه شأن الصحابة وفضلهم واستخلاف الله لهم في
الأرض فهو كافر لا نصيب له بالفيء، إذ دار الإسلام كلها إنما قامت بفضل جهادهم في
حياة النبيﷺ والفتوحات بعد وفاته، وكل خراجها وفيئها إنما هو ثمرة تضحياتهم، فمن
طعن بهم، فلا حظ له بالفيء وبيت المال، ولا في اسم الإسلام!
ولهذا كانت كل حركات الردة الباطنية منذ ظهور السبئية في أواخر عهد
عثمان، إلى حركة بابك الخرمي في أول القرن الثالث، ثم حركة حمدان القرمطي في القرن
الربع، والحركة الصفوية في القرن العاشر،
ومن بعدهم من حركات الردة لا تعد من طوائف الإسلام وأهل القبلة، بل حركات ردة
وزندقة، وذلك لشدة عداوتهم للصحابة، واستباحتهم قتال المسلمين ودماءهم بسبب حبهم
للصحابة وترضيهم عليهم، بينما أجمع المسلمون من أهل القبلة على تعظيم حرمة
الصحابة، وتفضيلهم، من حيث العموم، وإن وقع خلاف في بعض آحادهم، فلم يقع الخلاف في
عامتهم، كما أثنى الله عليهم بنص القرآن وأوجب على من جاء بعدهم اتباعهم
والاستغفار لهم، ﴿والسابقون الأولون من
المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات
تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم﴾ [التوبة: ١٠٠]
﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا
بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾ [الحشر: ١٠].
ولهذا كانت كل حركات الردة المعاصرة في العالم الإسلامي من شيوعية
وليبرالية وقومية لا دينية تتخذ الصحابة هدفا لها لإسقاط الإسلام نفسه تماما كما
يفعل الحوثي!
وحركة الحوثي -والهادوية
الجارودية التي تغلو في آل البيت وتطعن في أبي بكر وعمر وعموم الصحابة- لا تمثل الزيدية،
ولا مذهب الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي وهو أخو محمد الباقر بن علي زين العابدين، وكلاهما من علماء التابعين الثقات،
ولكل منهما أقوال مشهورة في الأصول والفروع.
وقد روى عن زيد أئمة الحديث والسنة كالزهري، وشعبة، والأعمش، وغيرهم،
وأخرج له أصحاب السنن الأربعة، ومذهبه، ومذهب أخيه الباقر، وابنه جعفر الصادق، في
تولي أبي بكر وعمر، والتبري ممن تبرأ منهما، وأن النبي لم ينص على إمام بعينه
بعده، مشهور عنهم.
وجعفر الصادق من شيوخ الإمام مالك، وعنه عن أبيه عن جابر، روى في
الموطأ -وكذا مسلم في صحيحه- حديث الحج الطويل المشهور.
وكان زيد، والباقر، وجعفر كلهم من علماء المدينة، ومالك أعلم بأهل
المدينة وبمذاهب علمائها -خاصة شيوخه- من غيره.
قال الذهبي في تاريخ الإسلام في ترجمة زيد (وكان أحد العلماء
الصلحاء..
وقال إسماعيل السدي، عن زيد بن علي قال: الرافضة حربي وحرب أبي في
الدنيا والآخرة، مرقوا علينا كما مرقت الخوارج على علي.
وروى كثير النواء قال: سألت زيد بن علي عن أبي بكر وعمر، فقال: تولهما
وابرأ ممن تبرأ منهما.
وروى هاشم بن البريد عن زيد بن علي قال: البراءة من أبي بكر البراءة
من علي).
وذكر الذهبي في "سير الأعلام"، والمزي في "تهذيب
الكمال" في ترجمة زيد (عن عمرو بن القاسم: دخلت على جعفر بن محمد وعنده أناس
من الرافضة، فقلت: إن هؤلاء يبرؤون من عمك زيد [بسبب توليه أبا بكر وعمر]!
قال: يبرؤون من عمي زيد!
قلت: نعم.
قال: برئ الله ممن برئ منه! كان والله أقرأنا لكتاب الله، وأفقهنا في
دين الله، وأوصلنا للرحم، والله ما ترك فينا لدنيا ولا لآخرة مثله …
وقال أحمد بن داود الحداني: سمعت عيسى بن يونس -وسئل عن الرافضة
والزيدية- فقال: أما الرافضة فأول ما ترفضت، جاؤوا إلى زيد بن علي حين خرج،
فقالوا: تبرأ من أبي بكر وعمر حتى نكون معك، فقال: بل أتولاهما، وأبرأ ممن تبرأ
منهما.
قال: وأما الزيدية فقالوا: نتولاهما ونبرأ ممن يتبرأ منهما، فخرجوا مع
زيد، فسميت الزيدية).
وقال الذهبي في "سير الأعلام" عن الباقر: (كان أحد من جمع
بين العلم، والعمل، والسؤدد، والشرف، والثقة، والرزانة، وكان أهلا للخلافة..
ولقد كان أبو جعفر إماما، مجتهدا، تاليا لكتاب الله، كبير الشأن..
عن بسام الصيرفي، قال: سألت أبا جعفر عن أبي بكر وعمر، فقال: والله
إني لأتولاهما، وأستغفر لهما، وما أدركت أحدا من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما..
قال ابن فضيل، عن سالم بن أبي حفصة: سألت أبا جعفر، وابنه جعفرا عن
أبي بكر وعمر، فقالا لي: يا سالم، تولهما وابرأ من عدوهما، فإنهما كانا إمامي
هدى..
وعن سالم بن أبي حفصة وكان يترفض، قال: دخلت على أبي جعفر، وهو مريض،
فقال - وأظن قال ذلك من أجلي -: اللهم إني أتولى وأحب أبا بكر وعمر، اللهم إن كان
في نفسي غير هذا، فلا نالتني شفاعة محمد يوم القيامة ﷺ.
وعن عيسى بن يونس، عن عبد الملك بن أبي سليمان: قلت لمحمد بن علي:
{إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا}، قال: هم أصحاب النبي ﷺ.
قلت: إنهم يقولون: هو علي! قال: علي منهم..
وعن عروة بن عبد الله، قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن حلية
السيوف، فقال: لا بأس به، قد حلى أبو بكر الصديق سيفه.
قلت: وتقول الصديق؟
فوثب وثبة واستقبل القبلة، ثم قال: نعم الصديق، نعم الصديق، فمن لم
يقل الصديق، فلا صدق الله له قولا في الدنيا والآخرة).
وكل من صنفوا في علم الفرق والملل والنحل لم يختلفوا في مذهب زيد هذا
في تولي أبي بكر وعمر، وأنه مذهب أتباعه الزيدية، كما قال أبو الحسن الأشعري عنه
في مقالات الإسلاميين (١/ ٦٩): (وكان زيد بن علي يفضل علي بن أبي طالب على سائر
أصحاب رسول الله ﷺ، ويتولى أبا بكر وعمر، ويرى الخروج على أئمة الجور..).
فهذا مذهب زيد وآل بيته، وأما ما افتراه عليه من انتحلوا مذهبه لاحقا،
ورووا عنه خلاف ذلك، فلا عبرة بقولهم، وهو انحراف حدث بعده، وغلوٌ لا يمت لمذهبه،
وقد كان زيد أفقه أهل بيته بشهادة جعفر الصادق، وأخذ العلم عن أبيه وأخيه وعن أئمة
التابعين، فلا يتصور أن يأخذ مذهبه العقائدي عن واصل بن عطاء المعتزلي! وإنما حدث
الاعتزال بعد عصره، كما جرى مثله للإمام أبي حنيفة، الذي انتحل مذهبه كثير من
المعتزلة والجهمية في مطلع القرن الثالث وهو براء منهم.
وكذا انتسب للإمام أحمد أهل تشبيه وتجسيم، وأهل غلو كفروا أهل القبلة
بالبدع -كما كفر الخوارج أهل القبلة بالكبائر والمعاصي- وأحمد براء منهم، وقد تصدى
لهم محققو مذهبه كابن قدامة، وابن تيمية.
وكذا حدث للزيدية انحراف وغلو، حتى تصدى له المجتهدون كابن الوزير،
والمقبلي، والصنعاني، والشوكاني.
فالقول بأن هؤلاء لم يعودوا زيدية كالهادوية وأهل الغلو والانحراف
فصحيح، وأما نفي انتمائهم لمذهب زيد الأصلي، فعنايتهم بكتب مذهبه كالأزهار والبحر
الزخار وتحرير الراجح منها ينفي ذلك.
ــــــــــــــــــــــــ
(*) كقول حسين بدر الدين الحوثي أن عمر الفاروق جعل الأمة تفارق علي
بن أبي طالب وتفارق القرآن، وأن كل بلاء أصاب الأمة بسببه لأنه ولى معاوية على
الشام -رضي الله عنهم جميعا-.
وقول أحدهم في قناتهم الفضائية أن القرآن قُدِّم للأمة كتابا ناقصا مبتذلا
عمى لعدم ارتباطه بقرنائه من آل البيت، وأن الله -جل جلاله- يقدم في القرآن أسوأ
من الشيطان -سبحانه وتعالى عما يصفون-