أحكام
المباهلة
وشروطها
الشيخ أ.د. حاكم المطيري
15 / 2 / 1448 هـ
29 / 7 / 2026م
المباهلة بين المختلفين
- بالدعاء من الطرفين جميعا باللعنة على الكاذب منهما - إنما تكون فقط على:
١- أحكام الدين العامة، لبيان
الحق فيها، كما جاء في القرآن في شأن عيسى عليه السلام، وأنه ابن مريم ولد من غير أب،
معجزة له، وليس ابن الله، فدعا القرآن النبي ﷺ إلى مباهلة نصارى نجران حين وفدوا عليه، وجادلوه في
ألوهية عيسى، فقال الله ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن
فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل
تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت
الله على الكاذبين﴾ [آل عمران: ٥٩-٦١].
وقد امتنع النصارى عن المباهلة،
فلم تقع المباهلة لا في حياة النبي ﷺ، ولا في حياة أصحابه رضي الله عنهم، وقد خالف ابن
عباس باقي الصحابة في مسألة من مسائل الفرائض، فأراد أن يثبت صحة قوله ولو بالمباهلة
عليها، ليؤكد أن القضية عنده ليست اجتهادية بل قطعية، ولم يباهلهم، ولم يباهلوه، إذ
لم يقصد حقيقة المباهلة والملاعنة معهم، بل أراد نتيجتها وهو إثبات صحة قوله في حكم
ديني عام.
٢- أو إثبات المباهل براءته
مما رمي به من إفك وبهتان عظيم، كما في اللعان بين الزوجين، إذا قذف زوجته بالزنا،
أو نفى ولده، كما في سورة النور ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم
فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنت الله عليه إن
كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين
والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن
الله تواب حكيم﴾ [النور: ٦-١٠].
ولا تشرع المباهلة في غير
ذلك، كما لو باهل على اتهام غيره من المسلمين، بالكفر بأعيانهم، فهذه المباهلة في ذاتها
بدعة لا تعرف في الإسلام، إذ هذا الحكم ليس حكما دينيا عاما يجب بيانه، ولا هو لدفع
بهتان عن نفسه، بل هو حكم على أعيان من المسلمين ليسوا أحياء أصلا، والحكم على الأعيان
إنما هو في الظاهر، إذ الحكم على بواطنهم مما استأثر الله بعلمه، ولم يشرع للنبي ﷺ فضلا عن غيره أن ينقب عن قلوب المنافقين، فضلا عن
أئمة المسلمين، فقال ﷺ (إني لم أومر بأن أنقب عن قلوب الناس، ولا أن أشق بطونهم)!
وأموات المسلمين إنما يشهد
عليهم في حكم الظاهر أهلُ عصرهم فهم أعلم بهم، فمن أثنوا عليه خيرا، وقبلوا روايته،
أو شهادته، أو فتواه، فقد ثبت فضله، وعدالته، وإمامته، ولا يلتفت لقول من تكلم فيه
للاختلاف في الرأي والمذهب، إذ لم يسلم أحد من الطعن بذلك، حتى الإمام مالك والشافعي
والبخاري وابن تيمية وابن القيم!
وإنما العبرة باستفاضة عدالته
إن كان مشهورا، أو بأهلية من زكوه وعدلوه إن كان مغمورا، وقد استفاضت عدالة أبي حنيفة
وإمامته، وكذا عدّله أئمة عصره، فوثقه وأثنى عليه ابن المبارك، وابن جريج، ويزيد بن
هارون، وأبو نعيم، ومكي بن إبراهيم، ويحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، والشافعي،
ويحيى بن معين، وغيرهم، حتى قال ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (رقم
١٠٨٣): (الذين رووا عن أبي حنيفة، ووثقوه، وأثنوا عليه، أكثر من الذين تكلموا فيه،
والذين تكلموا فيه من أهل الحديث، أكثر ما عابوا عليه الإغراق في الرأي والقياس والإرجاء).
وقد استقر الإجماع منذ القرن
الرابع الهجري على إمامة أبي حنيفة في الدين، وأنه أحد أئمة المذاهب السنية، وأنه لا
إجماع بدونه، وعلى جواز تقليده، فلا يلتفت لقول من تكلم فيه.
بل هو ممن قد يشهد لهم بالجنة، كما قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى
١٨/ ٣١٤: (فمن شهد له النبي ﷺ بالجنة شهدنا له بالجنة. وأما من لم يشهد له بالجنة، فقد قال طائفة من
أهل العلم: لا نشهد له بالجنة..
وقال طائفة: بل من استفاض
من بين الناس إيمانه، وتقواه، واتفق المسلمون على الثناء عليه: كعمر بن عبد العزيز،
والحسن البصري، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، والفضيل بن عياض،
وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، وعبد الله بن المبارك - رضي الله تعالى عنهم
- وغيرهم شهدنا له بالجنة)، ثم احتج لهذا الفريق بحديث (من أثنيتم عليه خيرا وجبت له
الجنة، أنتم شهداء الله في أرضه).
وكذا حال النووي، والسيوطي،
وغيرهم من العلماء في كل عصر، فالعبرة بشهادة أهل عصرهم لهم، ولولا ذلك لبطلت الشهادات،
وبطل قول النبي ﷺ للجنازة (وجبت له الجنة) حين أثنوا عليها خيرا، ولبطل قوله ﷺ (أنتم شهداء الله في أرضه)، لاحتمال أن يأتي المتأخرون
بشهادة تناقض شهادة المعاصرين لكل من مات من المسلمين، وتصور هذا القول كاف في رده،
والحكم ببطلانه.
وقد جعل الشارع العبرة بالخاتمة،
وبما مات عليه المسلم، فقال ﷺ: (إنما الأعمال بالخواتيم)، فلا عبرة بما سلف للعبد من قول، أو فعل، أو
رأي، ينافي شهادة المسلمين له.