القدس
ومكة
القبلة
والبوصلة
بقلم أ.د. حاكم المطيري
28 / 2/ 1448هـ
11 / 8 / 2026م
في
ظل الأخطار التي تحيط بالأمة وشعوبها؛ تظل القضايا المصيرية والاستراتيجية لها هي القبلة
والبوصلة التي تحدد اتجاهها، فلا يُنظر فيها إلى سياسات الأنظمة الحاكمة، بل يجب مراعاة
مصالح دولها القائمة، وأوطانها وشعوبها الدائمة، وقد جاء "اتفاق مكة" في
ظل خطر حقيقي، وحرب ضروس بين المحتل الأمريكي الصهيوني، والنظام الإيراني الإجرامي،
يعمل كلا طرفي الحرب على جر المنطقة كلها إلى أتونها، وتوريطها فيها، وهي خطر داهم،
وعدوان قائم، يهدد المنطقة وشعوبها وبلدانها كلها، بما في ذلك فلسطين التي يراد تهجير
شعبها، والمسجد الأقصى والقدس التي يجري تهويدها بشكل غير مسبوق، وما الحصار لمضيق
هرمز، وإشعال حرب الخليج الآن إلا جزء من مخطط أمريكي، له ثلاثة أهداف رئيسة، تسعى
واشنطن لتحقيقها وهي:
١-
التحكم الأمريكي بالاقتصاد العالمي، ومصادر الطاقة، وممراتها، وأسواقها، بالسيطرة الجوية
والبحرية على منطقة الخليج النفطية، والحصار لمضيق هرمز -كما فعلت في مضيق بنما وجبل
طارق وملقا وباب المندب- بما يضمن للولايات المتحدة التفوق الاقتصادي الدائم على الصين،
والحد من تنامي نفوذها الدولي.
٢-
تحجيم دور إيران، وإعادتها للنفوذ الأمريكي -بعد ربع قرن من التخادم بينها وبين الحملة
الصليبية، وإطلاق يدها في المنطقة والاستعانة بها لاحتلال أفغانستان ٢٠٠١م والعراق
٢٠٠٣، واستخدامها وميليشياتها الطائفية ضد ثورات الشعوب العربية ٢٠١٥م- ومنعها من الحصول
على القوة النووية، بعد تجاوزها الخطوط الحمراء، في علاقتها مع روسيا والصين.
٣-
حصار المملكة العربية السعودية خاصة، ودول المنطقة عامة، والضغط عليها للتطبيع الفوري
مع المحتل الصهيوني، قبل تنفيذه القرارات الدولية بخصوص قيام الدولة الفلسطينية على
أرض ١٩٦٧م وقبل الانسحاب من القدس، ووقف العدوان والاستيطان، وهو ما يدرك النظام العربي
خطورته على استقرار دوله نفسها، إذ تعد قضية فلسطين والقدس والمسجد الأقصى حجر أساس
مشروعيته واستمرار وجوده، والصاعق الذي قد يفجر المنطقة كلها، إذا جرى تجاهلها، ولم
يتم حلها، وقد تأكد ذلك للجميع بكل وضوح بعد طوفان الأقصى وحرب غزة.
إن
الحصار الأمريكي لهرمز والخليج العربي جوا وبحرا هو في حقيقته احتلال مباشر، وحصار
لكل دوله وشعوبه على ضفتي الخليج، وتهديد مباشر لها؛ يجب وقفه ومنع استمراره، وقد سبق
للخليج العربي أن تعرض لمثل هذا الحصار في الحرب العالمية الأولى والثانية، وتعرضت
شعوبه لمجاعات خطيرة، وهزات اقتصادية عنيفة، وقد يطول هذا الحصار ويشتد، كما تخطط له
واشنطن لتدفع شعوب المنطقة ثمنه باهظا من أمنها واستقرارها وثرواتها وسيادتها وتخضع
للتطبيع وبنوده بلا شرط ولا قيد، كما يريد ترامب ونتنياهو وهو ما لا يمكن للأمة وشعوبها
قبوله!
وفي
حال عجز الجامعة العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، عن القيام بمسئولياتها تجاه المنطقة
ومقدساتها -في ظل العدوان الصهيوني عليها، وتنامي الصراع الدولي (الروسي الأوربي -
الصيني الروسي) على بلدانها وثرواتها وممراتها البحرية والبرية- فإن تعزيز "اتفاق
مكة" للدفاع المشترك أصبح ضرورة سياسية وشرعية -لتحقيق الحد الأدنى من التعاون
بين الدول الإسلامية التي وقّعت عليه- ويجب على الأمة ودولها الوقوف معه ومؤازرته،
مهما كان الخلاف مع سياسة هذا النظام أو ذاك، ومهما تباينت الرؤى في آفاق وأهداف الاتفاق
﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم
بما كنتم تعملون﴾ [التوبة: ١٠٥].