نسبة كتاب (الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع)
للسيوطي
أ.د.
حاكم المطيري
16
/ 2/ 1448هـ
30
/ 7 / 2026م
كتاب السيوطي (الأمر بالاتباع
والنهي عن الابتداع) أو (البدعة والسنة) الذي عقد فيه بابا عن بدع المشاهد والقبور
والمقامات، وفيه تحذير من الشركيات والبدع التي تقع عندها، هو مختصر جمعه من عدة مصادر،
كعادته في الجمع والاختصار والتهذيب في كثير من كتبه، لما يستحسنه ويختاره، وقد استفاد
مادته من كل الكتب التي حذرت من البدع، ككتاب ابن الجوزي (تلبيس إبليس)، والطرطوشي
(الحوادث والبدع)، وأبي شامة (الباعث على إنكار البدع والحوادث)، وابن تيمية في (اقتضاء
الصراط المستقيم)، وغيرها من المصادر، وقد كانت له عناية كبيرة باختصار كتب ابن تيمية،
تدل على ميل ظاهر إلى آرائه، وحرص على حفظ كتبه، ونشرها وتقريبها، كما قال في (الحاوي
للفتاوي) (١/ ٣٠٠) في مقدمة رسالته (القول المشرق في تحريم المنطق) :(ونص عليه [يعني
تحريمه] من أئمة الحنابلة ابن الجوزي، والتقي ابن تيمية، وألف في ذمه ونقض قواعده مجلدا
كبيرا - سماه " نصيحة ذوي الأيمان في الرد على منطق اليونان " وقد اختصرته
في نحو ثلث حجمه - وألفت في ذم المنطق مجلدا سقت فيه نصوص الأئمة في ذلك).
وقد سمى السيوطي مختصره ذلك (جهد القريحة في تجريد النصيحة) قال في مقدمته
:(وبعد فما زال الناس قديما وحديثا يعيبون من المنطق ويذمونه، ويؤلفون الكتب في ذمه
وإبطال قواعده ونقضها وبيان فسادها. وآخر من صنف في ذلك شيخ الإسلام أحد المجتهدين:
تقي بن تيمية، فله في ذلك كتابان: أحدهما صغير ولم أقف عليه، والأخر مجلد في عشرين
كراسا سماه: "نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان" وقد أردت تلخيصه
في كراريس قليلة تقريبا على الطلاب، وتسهيلا على أولى الألباب. فشرعت في ذلك، وسميته
"جهد القريحة في تجريد النصيحة" والله الهادي للصواب).
ثم قال في خاتمته (هذا آخر ما لخصته من كتاب ابن تيمية. وقد أوردت عبارته
بلفظه من غير تصرف في الغالب. وحذفت من كتابه الكثير، فإنه في عشرين كراسا. ولم أحذف
من المهم شيئا، إنما حذفت ما لا تعلق له بالمقصود، مما ذكر استطراداً، أو ردا على مسائل
من الإلهيات ونحوها، أو مكررا أو نقضا لعبارات بعض المناطقة، وليس راجعا لقاعدة كلية
في الفن أو نحو ذلك. وإذا طالع كل أحد كتاب هذا المختصر، استفاد منه المقصود بسهولة
أكثر مما يدركه من الأصل فإنه وعر صعب المآخذ).
وكذا ذكر السيوطي ذلك أيضا في مقدمة كتابه (صون المنطق)، فقال في مقدمته
(وبعد" فقد كنت قديما في سنة سبع أو ثمان وستين وثمانمائة ألفت كتابا في تحريم
الاشتغال بفن المنطق، سميته "القول المشرق" ضمنته نقول أئمة الإسلام في ذمه،
وتحريمه وذكرت فيه أن شيخ الإسلام أحد المجتهدين تقي الدين بن تيمية ألف كتابا في نقض
قواعده، ولم أكن إذ ذاك وقفت عليه، ومضى على ذلك عشرون سنة فلما كان في هذا العام وتحدثت
بما أنعم الله به علي من الوصول إلى رتبة الاجتهاد، ذكر ذاكر أن من شروط الاجتهاد معرفة
فن المنطق يعني وقد فقد هذا الشرط عندي بزعمه.. فطلبت كتاب ابن تيمية، حتى وقفت عليه
فرأيته سماه (نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان) وأحسن فيه القول ما شاء
من نقض قواعده وبيان فساد أصولها. فلخصته في تأليف لطيف سميته "جهد القريحة في
تجريد النصيحة"...).
فقد عاد السيوطي
- بعد عشرين سنة من قراءة كتب ابن تيمية وهو ابن عشرين سنة - لاختصار كتاب ابن تيمية
بعد بلوغ درجة الاجتهاد وسن الأربعين، وفي السنة التي رجا فيها أن يكون مجدد القرن
التاسع وهي سنة ٨٨٩ للهجرة!
وقد قال عن ابن
تيمية في (طبقات الحفاظ) (رقم ١١٤٢) - الذي لخصه من كتاب الذهبي فلم يختصر كعادته في
وصف المترجم بل أطنب في وصفه - :(الشيخ الإمام العلامة الحافظ الناقد الفقيه المجتهد
المفسر البارع شيخ الإسلام علم الزهاد نادرة العصر تقي الدين أبو العباس أحمد.. وكان
من بحور العلم ومن الأذكياء المعدودين والزهاد والأفراد وامتحن وأوذي مرارا).
فنفي رسالة (الأمر
بالاتباع) أن تكون للسيوطي لمجرد أنه نقل كثيرا عن ابن تيمية، دون ذكر اسمه، يقتضي
نفي كل كتاب للسيوطي نقل فيه عن ابن تيمية، أو اختصره من كتب ابن تيمية، أو من كتب
غيره، مع أن أكثر كتبه جمع واختصار وتهذيب لما يستحسنه ويختاره، بقصد تسهيله على الطلبة
وتقريبه ونشره!
وكل نسخ مخطوطات
كتاب (الأمر بالاتباع) نسبته للسيوطي، وبعضها منسوخ في عصر السيوطي في القرن العاشر،
وعدم ذكرها في فهارس مصنفاته ليس دليلا كافيا، فقد تكون جزءا من كتب أوسع كالفتاوى
وغيرها، وليس بالضرورة أن تحوي فهارس كتبه على كل مؤلفاته، فلا يفوتها شيء!
وقد استفاد منه
وعزا إليه جمال الدين القاسمي، والنبهاني، وغيرهم.
وقد واجه محقق كتاب (صون المنطق) علي سامي النشار في طبعته الأولى سنة
١٩٤٧ المشكلة نفسها التي واجهها محققو (الأمر بالاتباع) من عدم ذكرها في فهارس كتب
السيوطي، مما يرجح أن نساخها كانوا يتحاشون ذكر مختصراته لكتب ابن تيمية لشدة العصبية
آنذاك!