أم القرى
والعصر الذهبي
أ.د. حاكم المطيري
12 / 2 / 1448هـ
26 / 7 / 2026 م
الشيخ الشريف د. راشد الراجح أول مدير لجامعة (أم القرى) بمكة المكرمة،
من سنة ١٩٨٢ حتى سنة ١٩٩٥م - وهي السنة التي ناقشت فيها رسالتي الماجستير في قسم الكتاب
والسنة وكنت قضيت فيها أربع سنوات منذ ١٩٩١م - وهو الذي جعل من الجامعة منارة إشعاع
علمي، فاقت حينها كل الجامعات في العالم الإسلامي، بما اختار لها من أفذاذ العلماء
والأساتذة من كل علم وفن، على اختلاف مدارسهم ومناهجهم، وكانت فترة رئاسته هي العصر
الذهبي لها، ولعله لم تحظ مكة عبر عصورها العلمية، كما حظيت في هذه الحقبة بتلك الكوكبة
من العلماء والمفكرين من كل بلدان العالم الإسلامي، وفي جميع التخصصات، وكان مركز البحث
العلمي وإحياء التراث والمخطوطات فيها الذي أشرف عليه د. عبدالرحمن العثيمين -رحمه
الله- مقصدا وقبلة للدارسين من كل أنحاء العالم.
وكان الشيخ راشد -حفظه الله- سيدا نبيلا كريما، كملت فيه معاني السيادة:
مروءة، وخلقا، وحزما، وأدبا، وحسن إدارة، ولم أر أحدا في الجامعة آنذاك إلا ويثني عليه
خيرا، ويجله ويحبه، وقد جعل الله له القبول بين الأساتذة والطلبة على حد سواء، وهذا
نادر جدا في المسئولين في مثل هذه القطاعات التي تتجاذبها الأفكار والمدارس فلا يحسن
سياستها إلا أفذاذ الرجال ممن آتاهم الله علما، وفهما، وحكمة، وسعة صدر، وبعد نظر..
وقد كاد يفوتنا التسجيل للسنة المنهجية في الماجستير ١٩٩١م إذ لم تصدر
الموافقة على ابتعاثنا من جامعة الكويت، إلى جامعة أم القرى، إلا متأخرا، فأتيته أنا
والشيخ عواد العنزي، وذكرنا له قضيتنا، فأحالنا على مدير مكتبه، فدخلت المعاملة الإجراءات
الاعتيادية، ولم تنزل أسماؤنا في كشوف الطلبة للسنة الجديدة، وبدأنا الحضور والدراسة
دون صدور قبول رسمي من التعليم العالي في الرياض، وتكررت المراجعة لمدير مكتبه، فقال
لنا هذه مشكلة لا يحلها إلا المدير الشيخ راشد شخصيا، فأعددنا خطابا بالموضوع، ونظمت
قصيدة فيه، فدخلنا عليه، فقلت له قبل الحديث عن قضيتنا لدي هذه الورقة، وكانت القصيدة
بخط الشيخ عواد وقد أوتي خطه شطر الحسن!
فتناول الورقة، وكان مطلعها:
يا (راشد) الرأي والآداب والقيمِ
و(راجح) العقل في مهماهة الظلَمِ
فما هو إلا أن هب واقفا، كما توقعت:
إن الكريم طروب للثناء كما
تهتز غانية من نشوة الطرب
وكان كما قال ابن دريد في مقصورته:
والناس ألفٌ منهم كواحد
وواحدٌ كالألف إن أمر عنا
ونادى بأعلى صوته لمدير مكتبه، وقال: لم تأخر تسجيل الطلبة الكويتيين؟!
أحضر الملف، والتفت إلينا وقال: هذا الأسبوع سأكون في الرياض، وأنهي كل الإجراءات،
فأكملوا الدراسة، ولا تتأخروا، ولا تنتظروا وصول القبول الرسمي..
وكان فعلا ما وعدنا به، وجاءت الموافقة وأكملنا الدراسة، وكنت بحمد الله
الأول على دفعة قسم الكتاب والسنة في السنة المنهجية للماجستير.
ولم يكن ما فعله لنا الشيخ راشد بدعا من جميل أفعاله، بل لعله لم يقصده
أحد في حاجة إلا وعاد شاكرا مادحا داعيا له بكل خير..
وقد ترك الشيخ راشد إدارة الجامعة، واختير عضوا لمجلس الشورى، وبقيت
الذكرى العاطرة يفوح عبقها طيبا، فهنيئا له ما وفقه الله إليه، وأعانه عليه، من فعل
الخير، والذكر الحسن الجميل، والقبول بين الناس، فهذه عاجل بشرى المؤمن، وشكر الله
القائمين على حفل تكريمه، فقد أدوا عن العلم وأهله بعض الدين الذي للشيخ راشد عليهم..
أماوي إن المال غادٌ ورائحٌ
ويبقى من (الجاه) الأحاديثُ والذكرُ
ــــــــ
هذا وقد توفي
الشيخ الدكتور راشد الراجح بعد الندوة التكريمية التي أقامها مجمع اللغة العربية بحوالي
10 أيام
فوداعا أيها الشريف
وإلى الفردوس الأعلى
اللهم وفد الشيخ
راشد عليك، وقد دعوته إليك، وأنت أكرم من وهب، وأصدق من وعد، وأجود من دعا:
فاللهم أكرم نزله
ووسع مدخله
ونور قبره
واجعله روضة من
رياض الجنة..
واجعل ما أصابه
شهادة، وارحمه رحمة واسعة، واغفر له، واعف عنه، واجعل خير أيامه يوم قدومه عليك، ووفادته
إليك..
اللهم وأعظم أجر
أهله وذويه، وصحبه ومحبيه، وأحسن عزاءهم فيه.
آمين آمين..