القراءة الحزبية
والرؤية الموضوعية
أ.د. حاكم المطيري
10 / 2 / 1448هـ
24 / 7 / 2026 م
إن التفسير الجزئي لموقف الداخل
الفلسطيني تجاه غزة، واختزاله على نحو غير موضوعي، ووصف ما جرى بالخذلان، مع كونه
يضر بوحدة الشعب الفلسطيني -وهو أحوج ما يكون اليوم إلى وحدة الصف-؛ يتحاشى ذكر
الأسباب الحقيقة الموضوعية لعدم قدرة الداخل الفلسطيني -كما شعوب الأمة كلها- على
الوقوف مع "طوفان الأقصى" كما كان يجب، وهي أسباب موضوعية كثيرة أهمها
-عدا السبب الرئيس وهو خضوع المنطقة كلها لنفوذ الحملة الصليبية منذ مشروع سايكس
بيكو ودوله الوظيفية حتى اليوم- بحسب قربها من أحداث الطوفان وتأثيرها المباشر
عليه:
١- وقف "هبة الكرامة" في
فلسطين الداخل التي تفجرت في يافا وحيفا واللد والرملة وغيرها من مدن الداخل نصرة
للقدس في مايو ٢٠٢١ وهي أكبر زلزال سياسي وأمني ضرب المحتل الصهيوني في العمق حتى
فقد لأول مرة في تاريخه السيطرة على مدن الداخل أثناء معركة "سيف
القدس"، وبدلا من الاستمرار في المعركة لتعزيز "الانتفاضة الثالثة"
وثورة فلسطين الداخل، توقفت المعركة فجأة بعد عشرة أيام بإعلان الرئيس الأمريكي
بايدن وقف إطلاق النار، فقام المحتل الصهيوني على إثرها بحملة اعتقال لآلاف الشباب
في أرض فلسطين ٤٨ وفي الضفة الغربية، طالت كل من شارك في "الانتفاضة
الثالثة"، واتخذ العدو إجراءات أمنية صارمة شديدة الوطأة منعت من تكرر مثل
هذه الانتفاضة في معركة "طوفان الأقصى"، الذي وقع بعد سنتين.
فقد كانت الانتفاضة الثالثة، ومعركة
"سيف القدس"، كما "طوفان الأقصى" فرصة تاريخية، وكان وقفهما
فجأة، والانسحاب بعدهما، خطأ عسكريا وسياسيا دفع الشعب الفلسطيني كله ثمنه، وكان
المضي فيهما، أقل كلفة عليه من التراجع عنهما.
٢- الانقسام السياسي الفلسطيني
الداخلي الذي بلغ ذروته سنة ٢٠٠٧ وأضعف الجبهة الداخلية واستنزف طاقة الشعب
الفلسطيني في الصراع الحزبي وهو ما أحدث شرخا عميقا بين مكوناته يتحمل مسئوليته
كلا الطرفين المتصارعين.
٣- تحول خطاب معركة "طوفان
الأقصى" الإعلامي إلى خطاب حزبي فصائلي، وغاب الخطاب الجامع للشعب الفلسطيني
- فضلا عن الأمة كلها - وهو ما حذرنا من خطورته في منشور (معركة الإسلام لا معركة
القسام) بتاريخ ٢١/ ١٠/ ٢٠٢٣م.
٤- مع خوض شعب غزة كله الصراع بكل
فصائله، وتحمله بكل مكوناته أعباء المعركة من دمائه وأمواله وأرضه، إلا أن زج اسم
إيران في الخطاب الإعلامي والسياسي أثناء المعركة، والتسويق لها في كل خطاب -
والتسويق لمحورها في سوريا ولبنان والعراق واليمن المرفوض من شعوب العالم العربي
بما فيهم الشعب الفلسطيني أو أكثره - كان ضربة سياسية قاصمة أضرت بتضحيات غزة وشعبها،
وحولتها إلى ساحة صراع بين القوى الخارجية، واتخذتها إيران ورقة تفاوض في الملف
النووي، وبدلا من المحافظة على القضية الفلسطينية، كقضية مركزية جامعة للأمة موحدة
لشعوبها، بالنأي بها عن صراع المحاور في المنطقة، أصبحت جزءا من هذه المحاور
وصراعاتها وانقساماتها، وفقدت قدرا كبيرا من أهميتها وأولويتها، وانعكس عداء إيران
ومحورها وصراعها مع شعوب المنطقة العربية، على فلسطين والشعب الفلسطيني نفسه، وهو
عداء حقيقي بين طرفين يخوضان صراعا دمويا - منذ احتلال العراق ٢٠٠٣ حتى سقوط نظام
بشار أواخر ٢٠٢٤ - لا يقبل فيه الحياد فضلا عن الانحياز للطرف المعتدي.
٥- الاضطراب والازدواجية في الخطاب
السياسي والإعلامي تجاه العدو الحقيقي (الأمريكي الأوربي) - الذي يقف وراء المحتل
الصهيوني، والذي حشد أساطيله أمام غزة وحاصرها وشن حربه عليها من أول أسبوع من
"طوفان الأقصى" - فتارة يدعوه الخطاب إلى التدخل لتنفيذ اتفاقيات السلام
وقرارات الشرعية الدولية كضامن لعملية السلام بين المحتل الصهيوني والسلطة
الفلسطينية، وتارة يندد بممارساته وسياساته وانحيازه لإسرائيل!
وكذا الاضطراب تجاه الدول العربية
التي انخرطت في مشروع التطبيع، فبينما يصف بعضها بالخيانة قبل أن تطبع بشكل رسمي،
يغض الطرف لأسباب حزبية، عن الدول التي وقعت مع المحتل الصهيوني بشكل رسمي،
كالسودان والمغرب، كما جرى بعد زيارة هنية للمغرب ولقائه بالعثماني بعد التطبيع
بأشهر.
وكذلك الازدواجية في الخطاب تجاه
السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، فتارة توصف بالخيانة وبيع فلسطين، وتارة يؤكد
الخطاب حرصه على المصالحة معها وتجاوز خلافات الماضي وضرورة وحدة الصف الفلسطيني.
وقد أفقد هذا الاضطراب والازدواجية
في الخطاب السياسي والإعلامي مصداقيته وموثوقيته، لدى قطاع واسع من الشعب
الفلسطيني، فضلا عن شعوب الأمة، ولم يعد هناك معيار مبدئي يستطيع الشارع العربي به
تحديد الموقف الواجب اتخاذه والثبات عليه بخصوص قضية تحرير فلسطين نفسها، وهل أرض
٤٨ جزء من مشروع التحرير، أم تم التخلي عنه كما تقضي القرارات الدولية التي يدعو
الخطاب نفسه الأمم المتحدة ومجلس الأمن والولايات المتحدة وروسيا إلى تطبيقها
والالتزام بها.