السلم
الأهلي
والعدو
الداخلي
أ.د. حاكم المطيري
٢٥ / ١ / ١٤٤٨هـ
١٠ / ٧/ ٢٠٢٦م
ما يجري من صراعات فكرية حادة غير مسبوقة
بين المذاهب الفقهية والمدارس الفكرية الإسلامية في المنطقة العربية وتكفير بعضها بعضا
- خاصة بعد الربيع العربي والثورة المضادة - هي صناعة استخباراتية ترعاها الدول الوظيفية
نفسها كأحد أدواتها في تفجير المجتمعات من الداخل وإشغالها في صراعاتها المجتمعية عن
قضاياها السياسية والمصيرية!
وقد سبق أن جرب المحتل الأوربي والأمريكي
والروسي هذا الأسلوب في ساحات كثيرة في العالم الإسلامي وحقق أهدافه فيها وكان ما نفذه
في ساحات الصراع الفكرية أشد خطرا وأبلغ أثرا مما أنجزه في ساحات الصراع العسكرية!
كما فعلت روسيا في حرب الشيشان والقوقاز
بتفجير الصراع بين الصوفية والسلفية فلم يمض وقت قصير حتى قضت على ثورات شعوبها ضد
المحتل الروسي!
وكما فعلت الاستخبارات الأمريكية والإيرانية
بتفجير الصراع المذهبي في العراق بتفجير جامع سامراء مما أدى إلى القضاء على المقاومة
العراقية الحقيقية ضد المحتل الأمريكي وإلى اليوم واستبدال الميليشيات الطائفية بها!
وقد حاولت الاستخبارات الأمريكية إثارة
مثل هذه الفتن المذهبية في أفغانستان بين طالبان ومهاجري العرب وفشلت لمعرفة المجاهدين
بمثل هذه الوسائل الشيطانية لضرب وحدة الأمة وتفجيرها من الداخل!
وقد تحدث القرآن عن خطورة أثر المنافقين
في الداخل والأعداء في الخارج في إثارة الفتن بين المسلمين، كما قال تعالى ﴿ولأوضعوا
خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم … لقد ابتغوا الفتنة من قبل﴾.
وقد قابل النبي ﷺ كل فتنة بوأدها في مهدها، حتى قال بعد
إبطال كيد الساحر اليهودي لبيد بن الأعصم (كرهت أن أثير على الناس شرا)!
وأي شر أشد خطرا على الأمة اليوم من تكفير
بعضها بعضا وإشعال الفتن بين مذاهبها وتكفير أئمتها وإثارة العصبية بين طوائفها والعدو
يحتل أرضها ويحاصر بلدانها!
وأبرز ما يُرصد في مثل هذه الظواهر الفكرية
الطارئة المصنوعة:
١- الرعاية الإعلامية التي يجدها من يتولى
كبر هذه الفتن والترويج له بما لا يكون عادة بغير إمكانات مالية ضخمة؛ لتؤدي هذه الفرق
والفئات دورها المشبوه، كما جرى مع ظاهرة داعش التي راجت فجأة ثم اختفت فجأة بعد الانتهاء
منها!
٢- والاندفاع المسعور ممن يثيرون هذه القضايا
والهوس فيها بما لا يعبر عن المجتمعات الإسلامية المتسامحة بطبعها وفطرتها ولا عن حاجاتها
ولا اهتماماتها بقدر ما يعبر عن أهداف الأنظمة نفسها بصرفها عن قضاياها المصيرية بالصراعات
بين مكوناتها!
٣- كما أن من ينشغلون بتفجيرها ويشغلون
المجتمع بها لا يعرف لهم تاريخ مجتمعي ولا مكانة في العلم، ولا سابقة في الجهاد، بل
هم طارئون على المجتمعات، مبتوتون عنها، موتورون منها، فلا علاقة لهم بهذه المجتمعات
التي يسعون إلى تفجيرها من الداخل بما يؤكد طبيعة المهمة التي يقومون بها والجهات التي
تقف خلفهم!
٤- أنهم لا يتعرضون عادة للمنع ولا للمحاكمة
ولا للسجن في الدول التي يثيرون فيها هذه الفتن الدينية مع وجود القوانين التي تجرم
إثارتها وتصون الوحدة الوطنية وتعاقب من يهددها وهو ما يؤكد الحماية التي يتمتع بها
هؤلاء في ظل هذه الأنظمة الوظيفية تحت نفوذ الحملة الصليبية وحمايتها!
٥- أن الرابط المشترك بين هؤلاء أنهم لا
يتعرضون عادة للمحتل الأمريكي ولا للدول الوظيفية التي يعيشون في كنفها ولا للطغاة
الذين يحكمونها ولا يحذرون من خطرهم على الدين نفسه وتعطيل أحكامه!
بينما يرون في أبي حنيفة وابن تيمية والنووي
وابن حجر وابن عبد الوهاب وحسن البنا وسيد قطب وغيرهم من الأئمة والمصلحين خطرا على
الأمة ودينها أشد من خطر الطاغوت نفسه والمحتل الأمريكي الصهيوني!
وهذا كله لا ينفي وجود أزمات مذهبية قديمة
ما تزال موجودة وستظل موجودة، ولا ينفي أثر الهزائم التي تتعرض لها الأمة في ساحات
الصراع العسكري هنا وهناك -وآخرها حرب غزة- والتي لا تقف تداعياتها على الحياة السياسية
عادة بل تتجاوزها للساحات الفكرية برواج مثل هذه الظواهر التي تعبر عن حال الشك والاضطراب
المجتمعي، ولا ينفي كذلك وجود شيوخ دين مهووسين يقتاتون ويعيشون على مثل هذه الأزمات،
بعد أن أصبحت وسائل التواصل الإعلامي سبيل استرزاق وشهرة، ولا نفي وجود مشجعي النوادي
الذين يعيشون فراغا كبيرا على شبكات الأنترنت، يشتغلون فيها بالدفع الذاتي، فلا ينكؤون
عدوا، ولا ينصرون وليا!
ويبقى الأصل الفصل بين الجميع هو قوله
ﷺ: (من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا
رسول الله، واستقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، فذلك المسلم، له ذمة الله ورسوله).