الشعب المالي
وصراع الهوية
بقلم: أ.د. حاكم المطيري
الأمين العام لمؤتمر الأمة
11 / 11 / 1447 هـ
28 / 4 / 2026 م
مالي بلد إسلامي أفريقي يعيش منذ الاستقلال الصوري حتى اليوم الأزمة التاريخية
العميقة التي تعيشها أكثر دول العالم الإسلامي وشعوبه وعجز الدول الوطنية عن حلها
-وعن تشكيل هوية جامعة لشعوبها- هذه الأزمة التي تتمثل في:
١- الخضوع للنفوذ الخارجي والوقوع في دائرة الصراع بين القوى الاستعمارية
حيث مازالت مالي تتأرجح بين النفوذ الفرنسي القديم وتنامي النفوذ الروسي الجديد وغياب
الإرادة الشعبية والرؤية المشتركة والاستقلال الحقيقي.
٢- والاستبداد والطغيان الداخلي حيث تعاقب على السلطة الحزب الواحد الشمولي
نحو ثلاثة عقود، ثم التعددية والديمقراطية لمدة عقدين، ثم الانقلابات العسكرية منذ
٢٠١٢ ثم ٢٠٢٠ والمدعومة فرنسيا ثم روسيا، ويؤكد وجود قوات فاغنر الروسية فقد النظام
حاضنته الشعبية حتى احتاج للحماية الخارجية.
٣- أزمة الهوية حيث أصبح الشعب المالي المسلم -الذي لا يوجد هوية جامعة
له إلا الإسلام منذ ستة قرون- ضحية صراع الإثنيات القومية والقبلية والمناطقية والذي
أدى لتهميش مكونات مجتمعية كبيرة من الطوارق والعرب وغيرهم وفشلت العلمانية أن تكون
حلا.
٤- فشل هذه الأنظمة العلمانية في تحقيق التنمية والنهضة بالدولة والمجتمع
حيث يقع نصف السكان اليوم تحت خط الفقر في الوقت الذي تستأثر النخبة العلمانية الحاكمة
بالثروة والسلطة.
٥- انحياز علماء مالي ومشاهير دعاتها إلى السلطة بل وتأييدها بدعوة فرنسا
للتدخل سنة ٢٠١٣ لإنقاذ النظام من السقوط -بذريعة المحافظة على الدولة- بدلا من تقديم
حل إسلامي يحافظ على الاستقلال والسيادة ويحقق الوحدة والسلم المجتمعي والعدالة للجميع!
وفي ظل تدهور الأوضاع جاءت الاضطرابات والثورات كردة فعل طبيعية لواقع
مأزوم لم يجد حلا لمشاكله التي تزداد تفاقما وتفجرا!
ولن يحلها اليوم الاصطفاف خلف النظام العسكري ولن يمنع من سقوطه اليوم
أو غدا!
ولا التعامي عن الأزمة العميقة التي يعيشها الشعب المالي!
ولا تصوير الثورة عليه بالمؤامرة الخارجية كما هي ذريعة كل الأنظمة الدكتاتورية
وذلك لا ينفي وجود استثمار لدول الجوار للاضطرابات إلا أنه أثر ونتيجة لا سبب لها!
فالأنظمة التي تفشل مدة سبعين سنة في حل مشكلة إقليم أو مكون مجتمعي حلا
عادلا لا تستحق الوقوف خلفها والدفاع عنها واستباحة دماء المسلمين في هذا الإقليم وتهجير
أهله تحت ذريعة حماية وحدة الدولة التي لا تحقق العدالة والمشاركة لجميع مكونات شعبها
في السلطة والثروة.
إن المجتمعات الإسلامية وشعوب الأمة أكبر من الدول الوطنية والجغرافيا
التي فرضها عليهم المحتل الخارجي كسجون كبرى لضمان تبعيتها له!
كما أنها أكبر من المشاريع الوظيفية التي تفرض عليها باسم العلمانية أو
الديمقراطية لتظل محرومة من دينها وتحكيم شريعتها!
وكذلك أكبر من أن تظل تحت وصاية الحركات القومية أو الإسلامية الوظيفية
لتعيش على أوهامها التي لم تحقق لها بعد سبعين عاما إلا الضعف والتخلف والانهيار!
كما أنها كذلك أكبر من حركات التحرير التي لن تستطيع تحقيق أهدافها إلا
بالأمة وشعوبها وإلا ستواجه الفشل نفسه الذي واجهته الأنظمة قبلها!
ولن يستقر للأمة وشعوبها قرار
إلا بالإسلام وما جاء به من أحكام..
كما قال تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم
عذاب أليم﴾..
وقال سبحانه: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ... ثم لا تنصرون﴾..