البيعة الشرعية
حقيقتها وشروطها
(٢ - ٣)
الأئمة المضلون
وتبديل الدين
الشيخ أ.د. حلكم المطيري
٦ / ١١ / ١٤٤٧ هـ
٢٤ / ٤ / ٢٠٢٦م
البيعة الشرعية
هي ما كانت بين الأمة ومن تختاره بالشورى والرضا خليفة وإماما عاما لها، وكيلا عنها
في سياسة شئونها، ونيابة عن النبي ﷺ في إقامة حكمه
فيها، وهي رئاسة عامة، وزعامة تامة، وليست بيعة صورية، ولا بيعة لكل ذي سلطان مهما
كان، فلم يبايع الصحابة بعد النبي ﷺ إلا الخلفاء، وأكثرهم
يشترط أيضا الاجتماع على الخليفة، حتى امتنع ابن عمر عن بيعة علي، وخرج إلى مكة للخلاف
عليه، وكذا امتنع هو وابن عباس عن بيعة ابن الزبير وكانا تحت سلطانه في الحجاز، حتى
اجتمعت الأمة، كما قال ابن عمر (أدخل فيما يدخل فيه الناس)..
ولهذا بوب البخاري
في صحيحه في كتاب الفتن باب (كيف الأمر إذا لم تكن جماعة) وأخرج تحته حديث حذيفة وفيه
(تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) قال (فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ فال فاعتزل تلك
الفرق كلها) ..
فهذا الحديث بيان
للسنة النبوية حال افتراق الأمة سياسيا، لحملها على الاجتماع، ولبيان عدم شرعية الافتراق،
ومع أن الحديث ظاهر في شأن الخلفاء والإمامة العامة للأمة، إلا أنه صار اليوم يستدل
به على نقيض مقصود الشارع، بإيجاب البيعة لكل ذي سلطان مهما كان حتى وإن ولاه الكفار!
أو كان تحت حمايتهم وسلطانهم! وأصبحت الجماعة عندهم هي كل فرقة مع سلطانها، حتى وإن
افترقت الأمة إلى مائة دولة وشعب! بل وصرف الحديث عن المراد بالفرق (اعتزل تلك الفرق
كلها) - وهي الفرق السياسية، بافتراق الأمراء - إلى معنى آخر لا علاقة له بالحديث وأنه
افتراقها إلى مذاهب فكرية أو جماعات دعوية، فصاروا يحذرون من الجماعات غير السياسية
ويوجبون لزوم الفرق التي حذر النبي ﷺ منها، والبيعة
للأئمة المضلين الذين فرقوها، وحكوماتهم التي أوجب النبي ﷺ اعتزالها!
بل وادعاء أن المقصود
هو بطلان تعدد الأئمة في البلد الواحد! وجواز أن يكون لكل بلد إمام! وهو قول أهل البدع
وقول الخوارج عينه!
هذا مع تواتر أحاديث
وجوب الجماعة وهو اجتماع الأمة كلها على إمام واحد، كما هو نص القرآن ﴿واعتصموا بحبل
الله جميعا ولا تفرقوا﴾، وأنه لا يسعها غير ذلك، حتى نزل علي رضي الله عنه على التحكيم،
ولم ير أنه يسعه إقرار الفرقة، وأن يكون هو خليفة في سلطانه، ومعاوية أميرا في الشام
في سلطانه، وكذا تنازل الحسن عن الخلافة لتجتمع الأمة، ولم ير أنه يسعها الافتراق،
وأن يبقى كل أهل بلد مع إمامهم، وهو ما أجمع المسلمون عليه طوال عصور الخلافة، وعدوا
القول بتعدد الأئمة من أقوال أهل البدع الخارجة عن الكتاب والسنة والإجماع، كما قال
ابن حزم (فرضٌ على المسلمين أن لا يكون لهم إلا إمام واحد… فمن خرج عن هذا فقد خالف
الإجماع)، وقال (ولو جاز أن يكون في الأرض إمامان لوجب أن يجوز أن يكون فيها ثلاثة
وأربعة، وكذلك أبدًا، وهذا خروج إلى أن يكون في كل مدينة إمام، وهذا باطل لا خفاء به)،
وقال (وهذا القول يؤدي إلى إبطال الإمامة جملة، لأنه لا حدّ يقف عنده، بل يوجب جواز
أن يكون لكل قوم إمام، ولكل بلد إمام)، وقال (واتفقوا أنه لا يجوز أن يكون في وقت واحد
إمامان في جميع الأرض، لا متفقان ولا مفترقان… إلا طائفة من الخوارج… قالوا: يجوز أن
يكون في الأرض إمامان فصاعدًا، وهذا خطأ، لأنه خلاف ما جاء به النص والإجماع).
وقال (ولا يحل
أن يُعقد لاثنين في وقت واحد، لا في بلدين ولا في بلد واحد، فإن فُعل فالعقد للأول
منهما، والآخر باطل).
وبلغ الانحراف
عن هذه الأصل العظيم من أصول الإسلام - والذي أدى التفريط به إلى ضعف الأمة ووقوع دولها
تحت الاحتلال ونفوذ كلمة الكفار عليهم من اليهود والنصارى وظهور شوكتهم - حدا جعل دعاة
الفرقة الذين قال عنهم النبي ﷺ (دعاة على أبواب
جهنم من أطاعهم قذفوه فيها.. اعتزل تلك الفرق كلها.. وإن أُخذ مالك وضرب ظهرك) أئمة
يجب طاعتهم! بل طاعتهم من طاعة الله ورسوله! وإن كانوا طغاة مجرمين، لا يحكمون أصلا
بالإسلام ولا يلتزمون أحكامه ممن قال فيهم النبي ﷺ (غير الدجال أخاف
على أمتي : الأئمة المضلين)، والذين قال الله عنهم ﴿ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين
يفسدون في الأرض ولا يصلحون﴾، ونعى على عادٍ أنهم ﴿اتبعوا أمر كل جبار عنيد﴾!
وصار دعاة الفتنة
والفرقة يحتجون على رد النصوص القطعية والإجماع بأقوال بعض المتأخرين من الفقهاء الذين
قالوا بأنه يثبت لكل سلطان من الولاية والتصرف في بلده ما يثبت للإمام العام - اضطرار
ا حتى لا تتعطل أحكام الشرع - ويستدلون بقولهم هذا على رفض الدعوة إلى اجتماع الأمة
وإقامة الخلافة! وعلى وجوب بيعة كل سلطان وإن عطل أحكام الشرع! مع أن المتأخرين لم
يقولوا بذلك، ولم يقصدوه، ولم يقولوا بأنه يجب البيعة لتلك الولاية الاضطرارية، بل
غايته إيجاب إقامة أحكام الشرع عليها، وإن لم تكن كالخلافة العامة التي تختص البيعة
لها بالوجوب واللزوم على كل مسلم بخلاف بيعة من دونهم!
ذو صلة:
البيعة الشرعية حقيقتها وشروطها (١ - ٣)
http://www.dr-hakem.com/Portals/Content/?info=TVRFeU9ESW1VM1ZpVUdGblpTWXgrdQ==.jsp