البيعة الشرعية
حقيقتها وشروطها
(١ - ٣)
سؤال/ ما صحة قول الشيخ
الألباني بعدم صحة البيعة إلا للخليفة العام؟ وهل هو مذهب السلف فعلا؟
الجواب/ الطاعة الشرعية الواجبة اللازمة لا تكون في الإسلام إلا للإمام
العام للأمة كلها زمن الجماعة، وهو مفقود منذ غياب الخلافة وإلغائها قبل مئة عام، فالزمان
حينئذ زمن فتنة وفرقة كما تقرر عند عامة سلف الأمة وأئمة السنة، كما قال ابن عمر -
في السنة للإمام أحمد والبيهقي في السنن ٨/ ٣٣٤-: (والله لا أبذل بيعتي في فرقة ولا
أمنعها من جماعة).
وهو مذهب أكثر الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة سنة ٣٥ حتى عام الجماعة سنة
٤٠ ، وهذا مذهب عامة أهل الحديث.
قال الإمام أحمد حين سأله ابن هانئ - كما في مسائله ٢٠١١ وفي السنة للخلال
رقم ١٠ - عن حديث: (من مات ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)، قال أحمد: (أتدري ما
الإمام؟ ذاك الذي يجتمع المسلمون كلهم يقول : هذا إمام. فهذا معناه)..
وكذا قال إسحاق ابن راهويه كما في مسائل الكوسج ٣٢٩٨: (قال إسحاق بن منصور:
قُلْتُ: قول جابر: دخلتُ على الحجاج فما سلمتُ عليه؟
قال: يعني: بالإمرة.
قال إسحاق راهويه: كما قال)!
وهذا قبل اجتماع الناس على عبد الملك بن مروان سنة ٧٣، فكانوا قبل ذلك
يرونه زمن فتنة لا بيعة فيها لأحد ولا لمن يوليهم، ولهذا لم يسلم جابر على الحجاج الثقفي
بالإمارة لعدم صحة ولايته..
وقد رواه البخاري في الأدب المفرد رقم ١٠٢٥ والحاكم في المستدرك ٣/
٦٥٣ بإسناد صحيح: (عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: دخلت على الحجاج فما سلمت عليه)
يعني بالإمارة.
وهذا القول بعدم الوجوب لا ينافي البيعة الجائزة الخاصة لكل ذي سلطان يحكم
بالكتاب والسنة في حدود سلطانه وإمكانه، والبيعة لكل أمير مجاهد يبايعه من معه على
القتال في سبيل الله، بحيث لو وجدت الإمامة العامة لاندرجت الخاصة تحتها، ولم تعارضها،
وهذا فرق جلي أدركه الأئمة، وهو أن البيعة الواجبة اللازمة لا تكون إلا للإمام العام
الذي إذا بايعته الأمة كلها أو أكثرها، وجب على كل أمير وسلطان الدخول في بيعته وطاعة
حتى لا تفترق الأمة بافتراق الأئمة، وهو معنى حديث (فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟
قال فاعتزل تلك الفرق كلها)!
ولهذا اعتزل أكثر الصحابة زمن الفتنة منذ قتل عثمان حتى اجتمعوا على معاوية
عام الجماعة..
وإنما يطاع الزعماء والرؤساء في الدول التي لا تحكم بالإسلام طاعة قهرية،
أو طاعة عرفية كما طاعة المكونات المجتمعية لزعمائها بلا سلطان، أو طاعة تعاقدية كما
في الحكومات المنتخبة، وليس منها ما هو طاعة شرعية منوطة بحكم الشارع، إلا بالإسلام
والعمل وفق أحكامه والالتزام بها سياسة وقضاء واقتصادا..
ولهذا لم يكن النجاشي بعد إسلامه ولي أمر للمهاجرين، لأنه لا يحكم مملكته
بالإسلام، ولم يدخل في عموم ﴿وأولي الأمر منكم﴾، ولا عموم قوله ﷺ (من أطاع أميري فقد أطاعني)، ومثله (من أطاع الأمير) يعني الشرعي الذي
أمرته عليكم، أو تأمر بحكم الله ورسوله ﷺ فاللام في (الأمير) ليست عامة بل هي لام عهدية أو ذكرية..
وإنما كان ولي أمر المهاجرين في الحبشة وسيدهم جعفر بن أبي طالب..
وقد شهد النبي ﷺ للنجاشي بالإسلام وصلى عليه وقال عنه (أخ لكم صالح) ولم يثبت له ولاية
شرعية على المهاجرين في الحبشة!
وقد شرع الإسلام الإمارة الخاصة لكل جماعة حتى في السفر لمصلحة الجماعة،
إلا أن طاعتها مقيدة، وليست عامة ولا مطلقة كما الإمارة العامة للمسلمين وهي الخلافة
العامة.
وأما المشهور عن الشيخ الألباني فهو عدم وجود بيعة عامة في زمن الفرقة
والفتنة كما هو قول عامة أهل الحديث والسنة، وهو ما تواترت به النصوص عن النبي ﷺ في الصحيحين كحديث الخلفاء وفيه (أوفوا بيعة الأول فالأول) فلم يجعل البيعة
إلا للخليفة الأول ولا بيعة للثاني، وقال إذا تعدد الأئمة: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا
الثاني منهما)، وفي الصحيحين أيضا قال حذيفة (فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال ﷺ: فاعتزل تلك الفرق كلها)!
وهذا لا ينافي التعاون على البر والتقوى مع كل مسلم، ومع كل ذي سلطة ولو
لم تكن ولايته شرعية، ولا يتعارض مع طاعة من يأمر بمعروف وينهى عن منكر من العلماء
أو الرؤساء، فالطاعة هنا في حقيقتها لله ولرسوله..
الشيخ أ.د. حاكم المطيري